عباس رضى الله عنه: أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت. وقرئ:
تعملون، بالتاء والياء.
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٥]
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥)
وقرئ: والهدى، والهدى: بتخفيف الياء وتشديدها، وهو ما يهدى إلى الكعبة:
بالنصب عطفا على الضمير المنصوب في صدّوكم. أى: صدّوكم وصدّوا الهدى وبالجر عطفا على المسجد الحرام. بمعنى: وصدّوكم عن نحر الهدى مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ محبوسا عن أن يباع، وبالرفع على: وصدّ الهدى. ومحله: مكانه الذي يحل فيه نحره، أى يجب. وهذا دليل لأبى حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم. فإن قلت: فكيف حل رسول الله ﷺ ومن معه وإنما نحر هديهم بالحديبية؟ قلت: بعض الحديبية من الحرم «١». وروى أن مضارب رسول الله ﷺ كانت في الحل، ومصلاه في الحرم «٢». فإن قلت:
فإذن قد نحر في الحرم، فلم قيل: مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ؟ قلت: المراد المحل المعهود وهو منى لَمْ تَعْلَمُوهُمْ صفة الرجال والنساء جميعا. وأَنْ تَطَؤُهُمْ بدل اشتمال منهم أو من الضمير
(٢). أخرجه أحمد من رواية المسور ومروان. في أثناء الحديث الطويل. قال «وكان رسول الله ﷺ يصلى في الحرم. وهو مضطرب في الحل»
المنصوب في تعلموهم. والمعرة: مفعلة، من عره بمعنى عراه إذا دهاه «١» ما يكره ويشق عليه.
وبِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بأن تطؤهم، يعنى: أن تطئوهم غير عالمين بهم. والوطء والدوس: عبارة عن الإيقاع والإبادة. قال:
| ووطئتنا وطأ على حنق | وطأ المقيّد نابت الهرم «٢» |
ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة: لما كف أيديكم عنهم، وحذف جواب «لولا» لدلالة الكلام عليه «٤». ويجوز أن يكون لَوْ تَزَيَّلُوا كالتكرير للولا رجال مؤمنون، لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون لَعَذَّبْنَا هو الجواب. فإن قلت: أى معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون. قلت: يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير. فإن قلت: قوله تعالى لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ تعليل لماذا؟ قلت: لما دلت عليه الآية وسيقت له:
والمعرة: الإثم. (ع)
(٢).
| ووطئتنا وطأ على حنق | وطأ المقيد نابت الهرم |
| وتركتنا لحما على وضم | لو كنت تستبقى من اللحم |
(٣). تقدم في آخر براءة.
(٤). قال محمود: «يجوز أن يكون جواب لولا محذوفا... الخ» قال أحمد: وإنما كان مرجعهما هاهنا واحدا وإن كانت لولا تدل على امتناع لوجود، و «لو» تدل على امتناع لامتناع، وبين هذين تناف ظاهر، لأن لولا هاهنا دخلت على وجود، ولو دخلت على قوله تزيلوا وهو راجع إلى عدم وجودهم وامتناع عدم الوجود وجود، فآلا إلى أمر واحد من هذا الوجه. وكان جدي رحمه الله يختار هذا الوجه الثاني ويسميه تطرية، وأكثر ما تكون إذا تطاول الكلام وبعد عهد أوله واحتيج إلى رد الآخر على الأول، فمرة يطرى بلفظه، ومرة بلفظ آخر يؤدى مؤداه. وقد تقدمت لها أمثال، والله أعلم. وهو الموفق.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم