٥٥- قوله تعالى : يَأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْئَلُواْ عَنَ اَشْيَاءَ ان تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإْن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( ١٠١ ).
٦٣- قال القرطبي :( قال ابن عون : سألت نافعا عن قوله تعالى : لاَ تَسْئَلُواْ عَنَ اَشْيَاءَ ان تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ فقال : لم تزل المسائل منذ قط تُكره. روى مسلم عن المغيرة بن شُعبة١ عن رسول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم قال :( إن الله حرم عليكم عُقوق الأمهات ووأد البنات ومَنعا وهات وكرِه لكم ثلاثا : قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال«٢.
قال كثير من العلماء : المراد بقوله " وكثرة السؤال " التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطّعا وتكلفا فيما لم ينزل، والأغلوطات وتشقيق المولدات. وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف، ويقولون : إذا نزلت النازلة وفِّقَ المسؤول لها. قال مالك : أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل المراد : بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحا واستكثارا ؛ وقاله أيضا مالك. وقيل : المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يَعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم. وهذا مثل قوله تعالى : وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا . قال ابن خويز منداد : ولذلك قال بعض أصحابنا متى قدم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا، أو عُرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو، وحمل أمور المسلمين على السلامة والصحة )٣.
٥٦- الآية الثانية عشرة : قوله تعالى : يَأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمُ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اَهْتَدَيْتُمْ إِلَى اَللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( ١٠٧ ).
٦٤-( قال ابن خويز منداد : تضمنت الآية اشتغال الإنسان بخاصة نفسه، وتركه التعرض لمعائب الناس، والبحث عن أحوالهم ؛ فإنهم لا يسألون عن حاله فلا يسأل عن حالهم، وهذا كقوله تعالى : كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ٤، وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ٥. وقول النبي صلى الله عليه وسلم :( كن جليس بيتك وعليك بخاصة نفسك )٦. ويجوز أن يكون أريد به الزمان الذي يتعذر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينكر بقلبه، ويشتغل بإصلاح نفسه )٧.
انظر عنه: تاريخ بغداد: ١/١٩١-١٩٣، الاستيعاب: ١/١٤٤٥، أسد الغابة: ٤/٤٧١-٤٧٣، سير أعلام النبلاء: ٣/٢١، شذرات الذهب: ١/٥٦..
٢ - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر: ٧/٩١ حديث رقم ٥٩٧٥ بلفظه. ومسلم في كتاب الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات، أو هو الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب مالا يستحقه: ٣/١٣٤١ بلفظه أيضا..
٣ - الجامع لأحكام القرآن: ٦/٣٣١-٣٣٢..
٤ - المدثر: ٣٨..
٥ - الأنعام: ١٦٤..
٦ - لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ، والذي وقفت عليه قول الرسولصلى الله عليه وسلم :»بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك - يعني بنفسك - ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام [الصبر] الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله« أورده أبو داوود في سننه كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي: ٤/١٢٣. وابن ماجة في كتاب الفتن، باب قوله تعالى: يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ٢/١٣٣٠-١٣٣١. بلفظ يشبه لفظ أبي داود. وانظر: مشكاة المصابيح حديث رقم: ٥١٤١..
٧ - الجامع لأحكام القرآن: ٦/٣٤٤..
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد