ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

إن قيل: كيف جعل الخبيث هاهنا كثيراً، وقد قال: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ) فجعله قليلاً،
وقال: (قُل مَتَعُ الدُّنيَا قَلِيلٌ)؟
قيل: استكثاره للخبيث هو على نظر المغترين بالدنيا،
واستقلاله هو على ما عليه حقيقة الأمر.
وقوله: (وَلَوْ أَعْجَبَكَ) ليس بخطاب للنبي - ﷺ - فقط بل هو خطاب لكل معتبر.
كقول الشاعر:

تَرَاهُ إذا مَاحَييتَهُ سَهْلاً كَأنكَ تُعْطِيهِ الذي أَنت قَائِلُهُ
ولأجل أن الخطاب عام من حيث المعنى قال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) بلفظ الجمع والمعنى استعملوا التقوى راجين أن تبلغوا الفلاح، تنبيهاً
أن التقوى هى التي تُبَلِّغ.
قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)

صفحة رقم 460

البُدُوّ في القول: يقال تارة لظهوره، وتارة يقال لظهور تأويله وحقيقته. والعفو: يقال تارة لما يفضل عن الكفاية، كقوله: (مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفوَ)
أي ما فضل عن القوت، وتارة يقال لترك الشيء، قبل وجوبه كقوله عليه
الصلاة والسلام: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق).
وتارة يقال لترك

صفحة رقم 461

ما لزم فتجوفي عنه نحو (فَاعف عَنهُم وَاصفَح)،
وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه خرج يوماً غضبان وجلس على المنبر فقال: (لا أُسأل عن شيء إلا أجبت، فقام رجل فقال أين أنا؟
فقال: في النار، وقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: حذافة، فقام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً، والله يعلم من آباؤنا)، فنزلت هذه الآية.
وقيل: إنه كان في الحج لما قال سراقة بن جعشم له عليه الصلاة والسلام: - أفي كل عام فقال عليه الصلاة والسلام: (لو قلت نعم لوجبت) الخبر.

صفحة رقم 462

وقيل: كان سؤالان في مجلس، وعلى هذا قال تعالى: - حكاية: (فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)، وهذا في سؤال
دون سؤال، وقوله: (أَشيَاَءَ) عند الكسائي بناها أفعال، قال: ولم
يصرف تشبيهاً بحمراء، وهذا يلزمه أن لا يصرف أنباء، وعند الأخفش
والفراء أنها أفعلاء، ويلزمهما أن يصغر على شيئان وقد امتنع من ذلك، وعند

صفحة رقم 463

الخليل أنها فعلاء قلبوها، كما قلبوا أينق عن أنيق، وقِسِيّ عن قُووس
قوله: (عَفَا اللَّهُ عَنها) أي عن الأشياء المسؤول عنها، وقيل عن
المسألة، والقولان في التحقيق واحد.
إن قيل ما موضع قوله: (عَفَا اللَّهُ عَنهَا) وما فائدة الإتيان بذلك؟
قيل هو وصف لقوله: (أَشيَاَءَ) كأنه قيل لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها، أي لم يكلفكم السؤال عنها، كقوله عليه الصلاة والسلام: (عفوت لكم عن صدقة الخيل) أي لم أوجبها، وذاك لأن الأشياء في البحث عنها وسؤالها ثلاثة أضرب: ضربٌ يجب السؤال عنه:

صفحة رقم 464

وهو ما كُلف به الإنسان، وفيه أمر وإياه توجه أن أفتي لجريج بالاغتَسال
فقال: (قتلتموه، هلا سألتم عنه، شفاء العيي السؤال)،
وضربٌ يكره أو يحظر السؤال عنه، إياه توجه قوله عليه الصلاة والسلام: (اتركوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم الأنبياء)، وضرب يحبون السؤال عنه والسكوت عنه، وهو ما يحب أن يحمدوا
لا يؤخذ به

صفحة رقم 465

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية