ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الإيجاد كان لأجل الرحمة والظاهر أن الختم لا يكون إلا على الرحمة ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) أي إن الرسول كان مكلفا بالتبليغ فلما بلغ خرج عن عهدة التكليف وبقي الأمر من جانبكم وقد قامت عليكم الحجة فلا عذر لكم من بعد في التفريط، وأنا عالم بما تبدون وبما تكتمون فإن خالفتم فاعلموا أن الله شديد العقاب فيؤاخذكم بذلك نقيرا وقطميرا وإن أطعتم فاعلموا أن الله غفور رحيم قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فإن المحمود القليل من الأعمال والأموال خير من المذموم الكثير منهما والخطاب لكل معتبر.
قيل: نزلت هذه الآية في رجل قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن الخمر كانت تجارتي وإني اعتنقت من بيعها مالا فهل ينفعني من ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله تعالى؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل جناح بعوضة. إن الله لا يقبل إلا الطيب»
«١» فَاتَّقُوا اللَّهَ بأن تتحروا ترك الخبيث من الأعمال والأموال ظاهرا وباطنا ولا تحتالوا في تركه بالتأويل يا أُولِي الْأَلْبابِ أي أصحاب العقول السليمة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) أي لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ أي إن تظهر لكم تلك الأشياء تحزنكم والمعنى اتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وما بلغه الرسول إليكم فكونوا منقادين له وما لم يبلغه إليكم فلا تسألوا عنه فإن خضتم فيما لا يكلف عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض ما يشق عليكم.
روى أنس أنهم سألوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: «سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به» فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: «أبوك حذافة بن قيس!». وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟ فقال: «في النار» وقال سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن: يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما

(١) رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب: الصدقة من كسب طيب، ومسلم في كتاب الزكاة، باب: ٦٣، والترمذي في كتاب الزكاة، باب: ٢٨، والنسائي في كتاب الزكاة، باب:
الصدقة من غلول، وابن ماجة في كتاب الزكاة، باب: فضل الصدقة، والدارمي في كتاب الرقاق، باب: في أكل الطيب، وأحمد في (م ٢/ ص ٣٢٨). [.....]

صفحة رقم 296

استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» «١» ولما اشتد غضب الرسول الله صلّى الله عليه وسلّم قام عمر وقال:
رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، نعوذ بالله من الفتن. أنا حديث عهد بجاهلية فاعف عنا يا رسول الله، فسكن غضبه صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى هذه الآية
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أي وإن تسألوا عن أشياء مست حاجتكم إلى التفسير في زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ينزل جبريل بالقرآن ويظهرها حينئذ، فالسؤال عن قسمين سؤال عن شيء لم يجرد ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه فهذا السؤال منهي عنه بقوله تعالى: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وسؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي. فههنا السؤال واجب وهو المراد بقوله تعالى: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ فالضمير في عنها يرجع إلى أشياء أخر كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: ١٢، ١٣] فالمراد بالإنسان آدم عليه السلام، والمراد بالضمير ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين عَفَا اللَّهُ عَنْها أي أمسك الله عن أشياء أي عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء وهذا
كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق»
«٢» أي خففت عنكم بإسقاطها أو المعنى عفا الله عما سلف من مسائلكم التي تغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلا تعودوا لمثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب حَلِيمٌ (١٠١) عن جهلكم قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) أي قد سأل أشياء قوم من قبلكم ثم صاروا كافرين بها فإن قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها. وقوم موسى قالوا: أرنا الله جهرة فصار ذلك وبالا عليهم. وبني إسرائيل قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ثم كفروا. وقوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها.
والمعنى أن قوم محمد صلّى الله عليه وسلّم في السؤال عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال ذوات تلك الأشياء في كون كل واحد من السؤالين فضولا وخوضا فيما لا فائدة فيه، فإن المتقدمين إنما سألوا من الله إخراج الناقة من الصخرة وإنزال المائدة من السماء فهم سألوا نفس الشيء، وأما أصحاب محمد فهم سألوا عن صفات الأشياء فلما اختلف السؤالان في النوع اختلفت العبارة لكن يشتركان في وصف واحد وهو خوض في الفضول وشروع فيما لا حاجة إليه وفي ذلك خطر المفسدة ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ أي ما أمر الله بذلك فالبحيرة هي الناقة التي تنتج خمسة أبطن في آخرها ذكر فتشق أذنها ولا تذبح ولا تركب، ولا

(١) رواه أحمد في (م ٢/ ص ٥٠٣).
(٢) رواه ابن ماجة في كتاب الزكاة، باب: زكاة الورق والذهب، وأبو داود في كتاب الزكاة، باب: صدقة الرقيق، والموطأ في كتاب الزكاة، باب: ما جاء في صدقة الخيل والرقيق والعسل، وأحمد في (م ١/ ص ١٨).

صفحة رقم 297

تحلب ولا تطرد عن ماء ومرعى ولا يجزّ لها وبر، ولا يحمل على ظهرها بل تسيب لآلهتهم.
والسائبة: هي البعير المسيبة وكان الرجل إذا شفي من مرض، أو قدم من سفر أو نذر نذرا أو شكر نعمة سيّب بعيرا وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها والوصيلة هي الشاة الموصلة وذلك أن الشاة إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى البطن السابع فإذا كان ذكرا ذبحوه فأكله الرجال والنساء جميعا، وإن كان أنثى لم تنتفع النساء منها بشيء حتى تموت فإذا ماتت كان الرجال والنساء يأكلونها جميعا وإن كان ذكرا وأنثى قيل: وصلت أخاها فيتركان مع إخوتها فلا يذبحان، وكان للرجال دون النساء حتى يموتا فإذا ماتا اشترك في أكلهما الرجال والنساء والحام (هو الفحل) إذا ركب ولد ولده قيل: حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ومرعى إلى أن يموت فحينئذ تأكله الرجال والنساء وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي إن رؤساءهم عمرو بن لحي وأصحابه يختلقون على الله الكذب ويقولون: أمرنا الله بهذا وَأَكْثَرُهُمْ أي الأتباع لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) أن ذلك افتراء باطل.
قال المفسرون: إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه»
«١» أي معاه وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي للأكثر الذي هم الأتباع تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ من الكتاب المبين للحلال والحرام وَإِلَى الرَّسُولِ الذي أنزل الكتاب عليه لتميزوا الحرام من الحلال قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) والواو واو الحال دخلت عليها همزة الإنكار والتقدير أكافيهم دين آبائهم وقد كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون للصواب ولسنة النبي فكيف يقتدون بهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ أي لا يضركم ضلالة من ضل إذا اهتديتم إلى الإيمان وبينتم ضلالتهم كما قاله ابن عباس. وقال عبد الله بن المبارك: والمعنى عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار وهذا كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي أهل دينكم فقوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي أقبلوا على أهل دينكم وذلك بأن يعظ بعضكم بعضا، ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات، وهذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقوله: لا يَضُرُّكُمْ إما مجزوم على أنه جواب للأمر وهو «عليكم» أو نهي مؤكد له وإنما ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة فإن

(١) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب: ذكر أسلم وغفار إلخ، ومسلم في كتاب الكسوف، باب: ٩، وأحمد في (م ٢/ ص ٢٧٥).

صفحة رقم 298

الأصل لا يضرركم ويؤيده قراءة «يضركم» بفتح الراء وهو مجزوم وإنما فتحت الراء لأجل الخفة.
وقراءة من قرأ «لا يضركم» بسكون الراء مع كسر الضاد وضمها من ضار يضير ويضورا ما مرفوع على أنه كلام مستأنف في موضع التعليل لما قبله ويعضده قراءة من قرأ «لا يضيركم» بالرفع وبالياء بعد الضاد أي ليس يضركم ضلال من ضل إذا كنتم ثابتين في دينكم إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً أي رجوعكم ورجوع من خالفكم يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) في الدنيا من الخير والشر فيجازيكم عليه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ أي شهادة ما بينكم من التنازع إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي إذا ظهر لأحدكم أمارات وقوع الموت حِينَ الْوَصِيَّةِ وهذا بدل من قوله «إذا حضر» لأن حضور الموت هو زمان حضور الوصية فعرف ذلك الزمان بهذين الأمرين الواقعين فيه أي الشهادة المحتاج إليها عند مشارفة الموت اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي من أهل دينكم يا معشر المؤمنين أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي غير عادلين من غير أهل دينكم إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ أي سافرتم فِي الْأَرْضِ فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر وشهادة غير المسلمين لا تجوز إلا في السفر فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ أي فحضرت عندكم علامات نزول الموت وهذا بيان محل جواز الاستشهاد بغير المسلمين تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي تقفونهما للتحليف من بعد صلاة العصر كما استحلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعدها وجميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب فَيُقْسِمانِ أي يحلفان بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ أي إن شككتم في شأن آخرين بقولهما والله لا نَشْتَرِي بِهِ أي بالقسم بالله ثَمَناً أي عوضا يسيرا من الدنيا أي لا تأخذ لأنفسنا بدلا من القسم بالله عوضا من الدنيا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى أي ولو كان ذلك العوض اليسير حياة ذي قربى منا أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ أي لا نكتم الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها وإظهارها إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) أي إنا إن كتمناها حينئذ كنا من العاصين فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً أي فإن حصل الاطلاع بعد ما حلف الوصيان عن أنهما استحقا حنثا في اليمين بكذب في قول وخيانة في مال فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ أي باليمين وبالمال أو الأقربان إلى الميت الوارثان له والأوليان إما بدل من آخران، أو من الضمير الذي في يقومان أو صفة لآخران عند الأخفش، لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة أو خبر لمبتدأ محذوف وهذا على القراءة المشهورة للجمهور وهو استحق بضم التاء وكسر الحاء بالبناء للمجهول وإنما وصف الورثة بكونهم استحق عليهم، لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم، أو لكونهم جني عليهم.
أما على قراءة حفص وحده وهي استحق بفتح التاء والحاء بالبناء للفاعل فقوله: الأوليان فاعل له. والمعنى أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت

صفحة رقم 299

عينهما للوصاية، ولما خاناه في مال الورثة صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان بالوصية فَيُقْسِمانِ أي هذان الآخران بِاللَّهِ
بقولهما لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما أي والله ليمين المسلمين أصدق وأحق بالقبول من يمين النصرانيين وَمَا اعْتَدَيْنا أي ما تجاوزنا الحق فيما ادعينا وفي طلب المال وفي نسبتهما إلى الخيانة إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) أي إنا إن اعتدينا في ذلك كنا من الظالمين أنفسهم بإقبالها لسخط الله تعالى وعذابه واتفق المفسرون على أن سبب نزول هذه الآيات أن تميم بن أوس الداري وعدي بن نداء وكانا نصرانيين ومعهما بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما مهاجرا خرجوا إلى الشام للتجارة، فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه، وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك. ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات بديل، فأخذا من متاعه إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب، ولما رجعا دفعا باقي المتاع إلى أهله ففتشوا فوجدوا الصحيفة وفيها ذكر الإناء. فقالوا لتميم وعدي: أين الإناء؟
فقالا: لا ندري والذي دفع إلينا دفعناه إليكم فرفعوا الواقعة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية. ولما نزلت هذه الآية صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العصر ودعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر ولما حلفا خلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبيلهما، ولما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا: كنا قد اشتريناه منه. فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا فقلتما لا!؟ فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك فرفعوا القصة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى قوله: فَإِنْ عُثِرَ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب أبو رفيعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر، فدفع الرسول صلّى الله عليه وسلّم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أي ذلك الطريق الذي بيناه أقرب إلى أن يؤدي الشهود الشهادة على طريقها الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة خوفا من العذاب الأخروي أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ أي أو أقرب إلى أن يخافوا أن ترد أيمانهم بعد أيمان المدعيين لانقلاب الدعوى بأن صار المدعى عليه مدعيا للملك، وصار المدعى مدّعى عليه فلذا لزمته اليمين.
والمعنى أولم يخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة؟ بل يأتوا الشهادة على غير وجهها ولكنهم يخافون الافتضاح على رؤوس الإشهاد بإبطال أيمانهم والعمل بأيمان الورثة، فينزجروا عن الخيانة المؤدية إليه فأي الخوفين وقع، حصل المقصود الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها وَاتَّقُوا اللَّهَ في أن تخونوا في الأمانات وَاسْمَعُوا مواعظ الله أي اعملوا بها وأطيعوا الله فيها وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) أي الخارجين عن الطاعة إلى ما ينفعهم في الآخرة يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ وهو يوم القيامة فيوم بدل اشتمال من مفعول «اتقوا» أو ظرف ل «يهدي».

صفحة رقم 300

والمعنى لا يهديهم إلى الجنة فَيَقُولُ لهم مشيرا إلى خروجهم عن عهدة الرسالة ماذا أُجِبْتُمْ أي أيّ إجابة أجابكم بها أممكم حين دعوتموهم في دار الدنيا إلى توحيدي وطاعتي أهي إجابة قبول أو إجابة رد؟ قالُوا تفويضا للأمر إلى العدل الحكيم العالم وعلما منهم أن الأدب في السكوت والتفويض وأن قولهم لا يفيد خيرا ولا يدفع شرا: لا عِلْمَ لَنا أي لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا لنا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا ولأن الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن وهو معتبر في الدنيا لأن الأحكام في الدنيا مبنية على الظن، وأما الأحكام في الآخرة فهي مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور ولا عبرة بالظن في القيامة فلهذا السبب قالوا: «لا علم لنا» إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) أي فإنك تعلم ما أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلمه مما أضمروه في قلوبهم.
وقرئ «شاذا علّام الغيوب» بالنصب إما على الاختصاص أو على النداء، أو على أنه بدل من اسم «إن». والكلام قد تم بقوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ أي أنت متصف بصفاتك السنية قالَ اللَّهُ بدل من يوم يجمع الله ويجوز أن يكون موضع إذ رفعا بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي اذكر إنعامي عليكما إذ طهرت أمك واصطفيتها على نساء العالمين وقويتك بجبريل لتثبت الحجة تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ أي طفلا بقولك: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠] الآية وَكَهْلًا أي إذا أنزله الله تعالى إلى الأرض أنزله وهو في صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم: إني عبد الله كما قال في المهد وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ أي الكتابة وهي الخط وَالْحِكْمَةَ أي العلوم النظرية والعلوم العملية وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وذكر الكتابين إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء عليهم السلام فإن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية يحصل إلا لمن صار ربانيا في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي تصور منه هيئة مماثلة لهيئة الطير بِإِذْنِي أي بأمري فَتَنْفُخُ فِيها أي في الهيئة المصورة فالضمير راجع للكاف وهي دالة على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي أي فتصير تلك الصورة خفاشا تطير بين السماء والأرض بإرادتي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ أي الأعمى المطموس البصر وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي أي بأمري وإرادتي وقدرتي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي أي بفعلي ذلك عند دعائك وعند قولك للميت: اخرج بإذن الله من قبرك وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ أي منعت اليهود الذين أرادوا قتلك عن مطلوبهم بك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ بما ذكر وما لم يذكر كالإخبار بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم ونحو ذلك فأل للجنس فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠).

صفحة رقم 301

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية