يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم١٠١ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين [ المائدة : ١٠١ ١٠٢ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه وظيفة الرسول وأنها تبليغ الرسالة وبيان شرع الله ودينه فحسب، وبذا تبرأ ذمته ـ ناسب أن يصرح بأن الرسول قد أدى وظيفة البلاغ الذي كمل به الإسلام ـ وأنه لا ينبغي للمؤمنين أن يكثروا عليه من السؤال، لئلا يكون ذلك سببا لكثرة التكاليف التي يشق على الأمة احتمالها، فيسرع إليها الفسوق عن أمر ربها.
روي أن هذه الآية نزلت من جراء أن قوما كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم امتحانا له أحيانا، واستهزاء أحيانا أخرى، فيقول له بعضهم من أبي ؟ ويقول بعضهم إذا ضلت ناقته أين ناقتي ؟ ونحو ذلك.
روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثله وقال فيها : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، قال فغطى أصحاب رسول الله وجوههم، لهم حنين وبكاء مرتفع من الصدر، فقال رجل : من أبي ؟ قال فلان فنزلت هذه الآية لا تسألوا عن أشياء وروى ابن جرير عن قتادة في قوله : يا أيها الذين آمنوا الآية، قال فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم، فصعد المنبر فقال : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت لا يمينا ولا شمالا إلا وجدت كل رجل لافا رأسه في ثوب يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه، فقال : يا نبي الله من أبي ؟ قال :" أبوك حذافة " قال ثم قام عمر فقال : رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا أعوذ بالله من شر الفتن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط ".
قال الزهري : فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك، أكنت تأمن أن أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس ؟ فقال والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم ) ثم قال :( ذروني ما تركتكم )، فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله : لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين ودقائق التكاليف، أو من الأمور الغيبية أو الأسرار الخفية أو غير ذلك مما يحتمل أن يكون إظهاره سببا للمساءة إما بشدة التكاليف وكثرتها، وإما بظهور حقائق تفضح أهلها.
وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم أي وإن تسألوا عن جنس تلك الأشياء التي من شأنها أن يكون إبداؤها مما يسوءكم حين ينزل القرآن في شأنها أو حكمها لأجل فهم ما نزل إليكم، فإن الله يبديه لكم على لسان رسوله.
قال الحافظ ابن كثير : أي لا تستأنفوا السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث :( أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ) ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها بينت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها.
وخلاصة ذلك : تحريم السؤال عن الأشياء التي من شأن إبدائها أن يسوء السائلين إلا في حال واحدة وهي أن يكون قد نزل في شأنها شيء من القرآن فيه إجمال وأردتم السؤال عن بيانه ليظهر لكم ظهورا لا مراء فيه كما وقع في مسألة تحريم الخمر بعد نزول آية البقرة.
عفا الله عنها والله غفور حليم أي إن هذه الأشياء مما نهيتم عن السؤال عنها، لأنها مما عفا الله عنها بسكوته في كتابه وعدم تكليفكم إياها فاسكتوا عنها أيضا، ومما يؤيد هذا حديث أبي ثعلبة الخشني قال صلى الله عليه وسلم :( إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ).
وقد يكون المعنى عفا الله عما كان من مسألتكم قبل النهي فلا يعاقبكم عليها لسعة مغفرته وحلمه، فيكون هذا كقوله في الآية الأخرى عفا الله عما سلف [ المائدة : ٩٥ ] وقوله : إلا ما قد سلف [ النساء : ٢٢ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه وظيفة الرسول وأنها تبليغ الرسالة وبيان شرع الله ودينه فحسب، وبذا تبرأ ذمته ـ ناسب أن يصرح بأن الرسول قد أدى وظيفة البلاغ الذي كمل به الإسلام ـ وأنه لا ينبغي للمؤمنين أن يكثروا عليه من السؤال، لئلا يكون ذلك سببا لكثرة التكاليف التي يشق على الأمة احتمالها، فيسرع إليها الفسوق عن أمر ربها.
روي أن هذه الآية نزلت من جراء أن قوما كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم امتحانا له أحيانا، واستهزاء أحيانا أخرى، فيقول له بعضهم من أبي ؟ ويقول بعضهم إذا ضلت ناقته أين ناقتي ؟ ونحو ذلك.
روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثله وقال فيها : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، قال فغطى أصحاب رسول الله وجوههم، لهم حنين وبكاء مرتفع من الصدر، فقال رجل : من أبي ؟ قال فلان فنزلت هذه الآية لا تسألوا عن أشياء وروى ابن جرير عن قتادة في قوله : يا أيها الذين آمنوا الآية، قال فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم، فصعد المنبر فقال : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت لا يمينا ولا شمالا إلا وجدت كل رجل لافا رأسه في ثوب يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه، فقال : يا نبي الله من أبي ؟ قال :" أبوك حذافة " قال ثم قام عمر فقال : رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا أعوذ بالله من شر الفتن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط ".
قال الزهري : فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك، أكنت تأمن أن أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس ؟ فقال والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم ) ثم قال :( ذروني ما تركتكم )، فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .
تفسير المراغي
المراغي