يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ١٠١ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ١٠٢
قال الرازي : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه، الأول : إنه تعالى لما قال «ما على الرسول إلا البلاغ» صار التقدير كأنه قال : ما بلغه الرسول إليكم فخذوه وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه الرسول إليكم فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم. الثاني : أنه تعالى لما قال :«ما على الرسول إلا البلاغ» وهذا ادعاء منه للرسالة( ؟ ) ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكيا عنهم وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [ الإسراء : ٩٠ ] - إلى قوله – قل : سبحان ربي ! هل كنت إلا بشرا رسولا ؟ [ الإسراء : ٩٣ ] والمعنى أني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام إليكم، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم، وذلك ليس في وسعي، ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم، مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا. ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك، فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم. الوجه الثالث : أن هذا متصل بقوله : والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ( ٩٩ ) فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسوءكم اه. كلام الرازي بنصه.
وأقول : إن مناسبة هاتين الآيتين لآية تبليغ الرسول للرسالة مناسبة خاصة قريبة، ولهما موقع من مجموع السورة ينبغي تذكره والتأمل فيه. ذلك أن هذه السورة آخر ما نزل من السور، وقد صرح الله تعالى في أوائلها بإكمال الدين، وإتمام النعمة به على العالمين، فناسب أن يصرح في أواخرها بأن الرسول قد أدى ما عليه من وظيفة البلاغ، وأنه ينبغي للمؤمنين أن لا يكثروا عليه من السؤال، لئلا يكون ذلك سببا لكثرة التكاليف التي يشق على الأمة احتمالها، فتكون العاقبة أن يسرع إليها الفسوق عن أمر ربها. وهو معصوم من كتمان شيء مما أمره الله بتبليغه.
فإن قيل : إذا كان الأمر كذلك فلم طال الفصل بين هذا النهي وبين الخبر بإكمال الدين، ولم يتصل به في النظم الكريم ؟ قلت : تلك سنة القرآن في تفريق مسائل الموضوع الواحد من أخبار وأحكام وغيرهما لما بيناه مرارا من حكمة ذلك، وهاك أقوى ما ورد في أسباب نزول الآيتين :
روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط وقال فيها «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتكم كثيرا» قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين١ فقال رجل : من أبي ؟ قال :«فلان» فنزلت هذه الآية : لا تسألوا عن أشياء ٢ قال الحافظ ابن كثير وقال ابن جرير : حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة في قوله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم ، قال فحدثنا أنس بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال :«لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت لا يمينا ولا شمالا إلا وجدت كل رجل لافا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه فقال : يا نبي الله من أبي ؟ قال :«أبوك حذافة» قال ثم قام عمر – أو قال فأنشأ عمر – فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا عائذا بالله – أو قال أعوذ بالله – من شر الفتن. قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لم أر في الخير والشر كاليوم قط صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط»٣ أخرجاه ( أي الشيخان ) من طريق سعيد، ورواه معمر عن الزهري عن أنس بنحو ذلك أو قريبا منه. قال الزهري فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك قالت : أكنت تأمن أن أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس ؟ فقال والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
«وقال ابن جرير أيضا : حدثنا الحرث حدثنا عبد العزيز حدثنا قيس عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال : أين أبي ؟ قال :«في النار – فقام آخر فقال : من أبي ؟ قال – أبوك حذافة» فقام عمر بن الخطأب فقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما، إنا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك والله أعلم من آباؤنا. قال فسكن غضبه ونزلت هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . إسناده جيد. «وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف منهم أسباط عن السدي – فذكر ابن كثير عنه مثل حديث أبي هريرة في جملته وزاد في آخر كلام عمر – فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي. فيومئذ قال :«الولد للفراش وللعاهر الحجر» ثم قال : قال البخاري : حدثنا الفضل بن سهل حدثنا أبو النضر حدثنا أبو خيثمة حدثنا أبو الجويرية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم حتى فرغ من الآية كلها. تفرد به البخاري.
«وقال الإمام أحمد : حدثنا منصور بن وردان الأسدي حدثنا علي بن عبد الأعلى عن أبيه عن أبي البختري وهو سعيد بن فيروز عن علي قال لما نزلت هذه الآية ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ أل عمران : ٩٧ ] قالوا : يا رسول الله ! أفي كل عام ؟ فسكت. فقالوا : أفي كل عام ؟ فسكت. قال ثم قالوا : أفي كل عام ؟ فقال :«لا ولو قلت نعم لوجبت – ولو وجبت لما استطعتم» فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ٤. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من طريق منصور بن وردان به. وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول أبو البختري لم يدرك عليا اه».
أقول منصور بن وردان ثقة كما قال ابن حبان وغيره. وأبو البختري هو سعيد ابن فيروز التابعي ثقة فيه تشيع روى عنه الجماعة كلهم، ولكن مراسيله ضعيفة.
وقد عزا السيوطي في الدر المنثور حديث علي هذا إلى أحمد والترمذي «وحسنه» وابن ماجه وابن أبي حاتم والحاكم وذكر نحوه عن ابن عباس عازيا إياه إلى عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم – قال :«وصححه» – والبيهقي في سننه. وفيه أن السائل الأقرع بن حابس. وذكر مثله أيضا عن الحسن من تخريج عبد بن حميد وفيه «ذروني ما وذرتكم» الخ وهذه الزيادة من أحاديث الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ولفظ البخاري «دعوني ما تركتكم» – ولفظ مسلم : دعوني ما تركتكم – فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم٥.
قال القسطلاني في شرحه له تبعا للحافظ ابن حجر : وسبب هذا الحديث على ما ذكره مسلم [ أقول وكذا النسائي ] من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم»- ثم قال – «ذروني ما تركتكم» الحديث وأخرجه الدارقطني مختصرا وزاد فيه فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم اه وأقول : محمد بن زياد هذا ثقة روى عنه الجماعة كلهم.
ونص سنن النسائي٦ : عن أبي هريرة قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال :«إن الله عز وجل قد فرض عليكم الحج» فقال رجل : في كل عام ؟ فسكت عنه حتى أعاده ثلاثا فقال :«لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها. ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ؛ فإذا أمرتكم بالشيء ( وفي نسخة بشيء ) فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وروي عن ابن عباس مسألة وجوب الحج وأن الأقرع بن حابس قال : كل عام يا رسول الله ؟ فسكت فقال :«لو قلت نعم لوجبت ثم إذا لا تسمعون ولا تطيعون ولكنه حجة واحدة» وفي فتح الباري أن ابن عبد البر نقل عن رواية مسلم أن السؤال عن الحج كان يوم خطب صلى الله عليه وسلم وقال :«لا يسألني أحد عن شيء إلا أخبرته».
وقال ابن جرير : حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد عن ابن عباس ( لا تسألوا عن أشياء ) قال هي البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك : ما جعل الله من كذا ولا كذا. قال وأما عكرمة فإنه قال إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك ثم قال ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) قال فقلت قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس فما لك تقول هذا ؟ فقال : هيه.
ثم روى ابن جرير مثل قول مجاهد عن سعيد بن جبير. ثم قال : وأولي الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال : نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه من أبوه، ومسألة سائله إذ قال «إن الله فرض عليكم الحج» أفي كل عام ؟ وما أشبه ذلك من المسائل، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل. وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس فغير بعيد عن الصواب. ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه. ذكر هنا القول به من أجل ذلك. على أنه غير مستنكر أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي كانت فيما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها الخ ما قاله، وفيه أن تلك الأخبار صحاح فوجب ترجيحها. يشير إلى ضعف سند رواية مجاهد لأن خصيف بن عبد الرحمن راويها عنه قد ضعفه الإمام أحمد وقال مرة : ليس بقوي. وقال أبو حاتم : تكلم في سوء حفظه. ولكن قال ابن معين فيه مرة صالح ومرة ثقة.
والطريقة المتبعة في الجمع بين أمثال هذه الأحاديث : أن يقال إن النهي في الآية يشمل كل ما ورد في سبب نزولها وكل ما هو في معناه، وليس كل ما روي في أسباب النزول كان سببا حقيقيا، بل كانوا يقولون في كل ما يدخل في معنى الآية ويشمله عمومها : إنها نزلت فيه، وكثيرا ما ينقلون كلام الرواة بمعناه فيجيء منطوقه متعارضا، وقد بينا هذه المسألة مرارا. وأبعد ما قيل في أسباب نزول هذه الآية أن بعضهم كان يسأل النبي عن الشيء امتحانا أو استهزاء، وهذا لا يصدر إلا من كافر صريح أو منافق، والخطأب في الآية للمؤمنين فلا يمكن أن يكون نهيا لهم عن سؤال الامتحان أو الاستهزاء، وإنما يجو
يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ( أشياء ) اسم جمع أو جمع لكلمة ( شيء ) وهي أعم الألفاظ مطلقا أو الألفاظ الدالة على الموجود، فتشمل السؤال عن الأحكام الشرعية، والعقائد والأسرار الخفية، والآيات الكونية إذا تحقق فيما ذكر معنى الجملتين الشرطيتين، والمقصود أولا وبالذات النهي عن سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن أشياء من أمور الدين ودقائق التكاليف، ويليه السؤال عن الأمور الغيبية أو الأسرار الخفية المتعلقة بالأعراض وغير ذلك من الأشياء التي يحتمل أن يكون إظهارها سببا للمساءة، إما بشدة التكاليف وكثرتها، وإما بظهور حقائق تفضح أهلها. ولكن حذف مفعول «تسألوا » يدل على العموم، أي ولا تسألوا غير الرسول عن أشياء يحتمل أن يكون إبداؤها سببا لمساءتكم، فهي تتضمن النهي عن الفضول وما لا يعني المؤمن.
ومن المقرر في قوانين العربية أن شرط «إن » مما لا يقطع بوقوعه. والجزاء تابع للشرط في الوقوع وعدمه، فكان التعبير بقوله «إن تبد لكم تسؤكم » دون «إذا أبديت لكم تسوءكم » دالا على أن احتمال إبدائها وكونه يسوء كاف في وجوب الانتهاء عن السؤال عنها.
وبهذا يسقط قول من يقول إن أمثلة المسائل المنهي عنها الواردة في أسباب النزول مما لا يمكن العلم بكون إبدائها يسوء السائلين عنها، بل يحتمل عندهم أن يكون مما يسر، وقد كان جواب من سأل عن أبيه سارا له. وكذلك من سأل عن الحج، إذ كان جوابه التخفيف عنه وعن الأمة ببيان كون الحج يجب على كل مستطيع مرة واحدة لا في كل عام. ويمكن أن يقال مثل هذا في كل سائل عن أمثال هذه المسائل فلا يظهر تعليل النهي بهذا الشرط. كل هذا يسقط بما ذكرنا من دلالة الجملة الشرطية المصدرة بإن على احتمال وقوع شرطها لا على القطع بوقوعه.
ويدل على هذا الذي قررناه قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي سأله عن الحج «ويحك ماذا يؤمنك أن أقول نعم ؟ ولو قلت نعم لوجبت » الخ ما تقدم، وفي رواية لابن جرير «ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنما أهلك الذين قبلكم أئمة الحرج » فهو صريح في كون احتمال قوله «نعم » كان كافيا في وجوب ترك ذلك السؤال. ويدل عليه أيضا في سؤال عبد الله بن حذافة عن أبيه قول أمه له : ما رأيت ولدا أعق منك، أتأمن أن تكون أمك قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس ؟ وسيأتي رأينا في جوابه صلى الله عليه وسلم لابن حذافة.
وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم أي وإن تسألوا عن جنس تلك الأشياء التي من شأنها أن يكون إبداؤها مما يسوءكم حين ينزل القرآن في شأنها أو حكمها لأجل فهم ما نزل إليكم فإن الله يبديه لكم على لسان رسوله. وبنحو هذا القول قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، فإنه بعد إيراد الوجوه السابقة في السؤال عند تفسير صدر الآية قال في تفسير هذه الجملة ما نصه :
«يقول تعالى ذكره للذين نهاهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما نهاهم عن مسألتهم إياه عن فرائض لم يفرضها عليهم، وتحليل أمور لم يحللها لهم، وتحريم أشياء لم يحرمها عليهم – قبل نزول القرآن بذلك - : يا أيها المؤمنون السائلون عما سألوا عنه رسولي مما لم أنزل به كتابا ولا وحيا لا تسألوا عنه، فإنكم إن أظهر ذلك لكم تبيان بوحي وتنزيل ساءكم، لأن التنزيل بذلك إذا جاءكم فإنما يجيئكم بما فيه امتحانكم واختباركم، إما بإيجاب عمل عليكم ولزوم فرض لكم، وفي ذلك عليكم مشقة ولزوم مؤنة وكلفة، وإما بتحريم ما لو لم يأت بتحريمه وحي كنتم من التقديم عليه في فسحة وسعة، وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمه وفي ذلك لكم مساءة، لنقلكم عما كنتم ترونه حقا إلى ما كنتم ترونه باطلا. ولكنكم إن سألتم عنها بعد نزول القرآن بها، وبعد ابتدائكم شأن أمرها في كتابي إلى رسولي إليكم، بين عليكم ما أنزلته إليه من إتيان كتابي، وتأويل تنزيلي ووحيي.
«وذلك نظير الخبر الذي روي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حدثنا به هناد بن السري قال حدثنا أبو معاوية عن داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني قال «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » ثم روى ( ابن جرير ) مثل هذا المعنى عن عبيد بن عمير تفسيرا للآية. وروي عن ابن عباس أنه قال : لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن منها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه اه وظاهر كلامه أن الحديث موقوف على أبي ثعلبة وستعلم أنه مرفوع.
وقال الحافظ ابن كثير في بيان هذا الوجه «أي لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها فلعله قد ينزل بسؤالكم تشديد أو تضييق. وقد ورد في الحديث «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته »٧ ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها بينت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها ( عفا الله عنها ) أي ما لم يذكره في كتابه هو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها. وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم »٨ وفي الحديث الصحيح أيضا «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها ».
أقول : أما حديث «ذروني ما تركتكم » وفي رواية بلفظ «دعوني » فهو في الصحيحين. وسببه السؤال عن الحج كما تقدم. وأما حديث أبي ثعلبة فقد عزاه الحافظ ابن كثير إلى الصحيح أيضا ولم يسنده ولا أشار إلى من خرجه. وهو في سنن الدارقطني. وأورده صاحب مشكاة المصابيح عنه في الفصل الثاني من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة قال : وعن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ». ورويناه في الأربعين النووية٩ عنه بلفظ «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » قال النووي : حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.
وثم وجه ثان في معنى الجملة وهو أنه يقول : إن تسألوا عن تلك الأشياء في زمن نزول القرآن وعهد التشريع يظهرها الله لكم – إن كانت اعتقادية ببيان ما يجب أن يعلم فيها، وإن كانت عملية ببيان حكمها، لأن لكل شيء حكما يليق به علم الله وحكمته، والله تعالى يبين لعباده بنص الخطأب ما لا بد لهم منه لصلاح أمري معادهم ومعاشهم – وبفحوى الخطأب أو الإشارة ما يفتح لهم باب الاجتهاد في كل ما له علاقة بأمور مصالحهم، فيعمل كل فرد أو هيئة حاكمة منهم بما ظهر أنه الحق والمصلحة، وينتهي عما يظهر له أنه الباطل والمفسدة، فيكون الوازع للفرد في المسائل الشخصية من نفسه بحسب درجته في العلم والفضيلة، وللمجموع في الأحكام والسياسة من أنفسهم أيضا، لأنه يتقرر بتشاور أولي الأمر منهم، وفي ذلك منتهى السعة واليسر، وإذا كان الأمر كذلك فالواجب أن يترك أمر التشريع إليه تعالى لأنه أعلم بمصالح العباد من أنفسهم، فلا تسألوا عن أشياء إن أبديت لكم أحكامها تسوؤكم وتحرجكم، ومتى سألتم عنها في عهد التشريع لا بد أن تجابوا وتبين لكم، ولكن هذا البيان قد يسد في وجوهكم باب الاجتهاد الذي فوضه الله إليكم، ويقيدكم بقيود أنتم في غنى عنها [ وسيأتي تفصيل هذا المبحث قريبا عقب تفسير الآيات ].
فحاصل هذا الوجه أن السؤال عن تلك الأشياء في زمن نزول القرآن يقتضي إبداءها لكم، وإبداؤها يقتضي مساءتكم، فيجب ترك السؤال عنها البتة.
وحاصل الوجه الأول تحريم السؤال عن الأشياء التي من شأن إبدائها أن يسوء السائلين إلا في حالة واحدة وهي أن يكون قد نزل في شأنها شيء من القرآن فيه إجمال وأردتم السؤال عن بيانه ليظهر لكم ظهورا لا مراء فيه كما وقع في مسألة تحريم الخمر بعد نزول آية البقرة ( تقدم بيانه بالتفصيل ) فعلى هذا تكون الجملة الشرطية الثانية من قبيل الاستثناء من عموم النهي. وإنما يدل هذا على جواز السؤال عن تلك الأشياء بشرطه لا على وجوبه، فالسؤال عما ذكر غير مطلوب بإطلاق.
وكل من هذين الوجهين ظاهر في السؤال عن الأشياء التي تقتضي أجوبتها تشريعا جديدا وأحكاما تزيد في مشقة التكاليف. ولا يظهر البتة في سؤال الآيات الكونية لما يعارض ذلك من النصوص الدالة على عدم إجابة مقترحي الآيات لعنادهم ومشاغبتهم وكون الإجابة تقتضي هلاكهم إذا لم يؤمنوا بها، كما هي سنة الله فيمن قبلهم ( فإن قيل ) إنما هذا الوعد للمؤمنين، وإنما كانت تلك الاقتراحات من الكافرين ( قلنا ) لو أن المؤمنين فهموا من الآية أنهم يجابون إلى ما يقترحون من الآيات لوجد كثير منهم يقترح ذلك لما للنفوس من الشوق إلى رؤية الآيات. وأما السؤال عن الأمور الواقعة التي تقتضي أجوبتها أخبارا عن أسرار خفية وأمور غيبية، فلا يظهر فيه كل من الجوابين مثل ظهوره في طلب الأحكام، ولا سيما الأشياء الشخصية كسؤال بعضهم عن أبيه، فإذا صح أنه مراد من الآية فوجهه – والله أعلم – أن زمن نزول القرآن هو زمن بيان المغيبات، وإظهارها للرسول عند الحاجة إلى معرفتها، ومنه وقت السؤال عنها، فإنه إن سئل عنها يخبره الله بها مزيدا في إثبات نبوته ورسالته، كما أخبره بالجواب عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين حين سأله اليهود عنها. وعندي أن جوابه صلى الله عليه وآله وسلم لمن سأله عن أبيه جواب شرعي لا غيبي، بدليل قوله بتلك المناسبة «الولد للفراش » فكأنه قال له : أبوك الشرعي من ولدت على فراشه وهو حذافة بن قيس. وهذا من أسلوب الحكيم المتضمن لتعليمهم ما ينفعهم من السؤال، فهو من قبيل ما ورد في تفسير يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [ البقرة : ١٨٩ ] وقد تقدم في تفسير سورة البقرة ( ج٢ ).
وهذه الآية تدل على عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة أو على أنه لا يقع – وقد غفل جمهور الأصوليين عن الاستدلال بها – وبيان ذلك أن ما يسأل عنه إما أن يكون مما يطلب العلم به كالعقائد والأخبار، وإما يكون مما يطلب العمل به وهو الأحكام. وتأخير البيان – دع تركه وعدمه – يقتضي الإقرار على الاعتقاد الباطل، أو العمل بغير الوجه المراد للشارع. ولا يدخل في هذا ولا ذاك السؤال عن الأمور الشخصية كسؤال من سأل عن ناقته، ولذلك جعلنا هذا النوع من السؤال غاية في خفاء دخوله في عموم ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) فإن كان داخلا فيها فحكمته – والله أعلم – أن عدم إبداء الجواب للسائل المؤمن ربما كان مشككا في رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم. وذهب أبو السعود مذهبا غريبا في الآية وتعليل إبداء الأشياء المسؤول عنها بما يوجب المساءة في كل من نوعيها فقال : والمراد بها ما يشق عليهم ويغمهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها، والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه، فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها، كذلك السؤال عن التكا
٨ تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل..
٩ كتاب الأربعين النووية، أول كتاب تلقيته عن الشيوخ، قرأته في بلدنا (القلون) على استاذنا وشيخ شيوخنا علامة الديار السورية بل العربية الشيخ نشابة (رحمه الله تعالى) وأجازني به وذلك قبل أن أبدأ بطلب العلم. (المؤلف)..
يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ١٠١ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ١٠٢
قال الرازي : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه، الأول : إنه تعالى لما قال «ما على الرسول إلا البلاغ» صار التقدير كأنه قال : ما بلغه الرسول إليكم فخذوه وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه الرسول إليكم فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم. الثاني : أنه تعالى لما قال :«ما على الرسول إلا البلاغ» وهذا ادعاء منه للرسالة( ؟ ) ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكيا عنهم وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [ الإسراء : ٩٠ ] - إلى قوله – قل : سبحان ربي ! هل كنت إلا بشرا رسولا ؟ [ الإسراء : ٩٣ ] والمعنى أني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام إليكم، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم، وذلك ليس في وسعي، ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم، مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا. ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك، فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم. الوجه الثالث : أن هذا متصل بقوله : والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ( ٩٩ ) فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسوءكم اه. كلام الرازي بنصه.
وأقول : إن مناسبة هاتين الآيتين لآية تبليغ الرسول للرسالة مناسبة خاصة قريبة، ولهما موقع من مجموع السورة ينبغي تذكره والتأمل فيه. ذلك أن هذه السورة آخر ما نزل من السور، وقد صرح الله تعالى في أوائلها بإكمال الدين، وإتمام النعمة به على العالمين، فناسب أن يصرح في أواخرها بأن الرسول قد أدى ما عليه من وظيفة البلاغ، وأنه ينبغي للمؤمنين أن لا يكثروا عليه من السؤال، لئلا يكون ذلك سببا لكثرة التكاليف التي يشق على الأمة احتمالها، فتكون العاقبة أن يسرع إليها الفسوق عن أمر ربها. وهو معصوم من كتمان شيء مما أمره الله بتبليغه.
فإن قيل : إذا كان الأمر كذلك فلم طال الفصل بين هذا النهي وبين الخبر بإكمال الدين، ولم يتصل به في النظم الكريم ؟ قلت : تلك سنة القرآن في تفريق مسائل الموضوع الواحد من أخبار وأحكام وغيرهما لما بيناه مرارا من حكمة ذلك، وهاك أقوى ما ورد في أسباب نزول الآيتين :
روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط وقال فيها «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتكم كثيرا» قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين١ فقال رجل : من أبي ؟ قال :«فلان» فنزلت هذه الآية : لا تسألوا عن أشياء ٢ قال الحافظ ابن كثير وقال ابن جرير : حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة في قوله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم ، قال فحدثنا أنس بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال :«لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت لا يمينا ولا شمالا إلا وجدت كل رجل لافا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه فقال : يا نبي الله من أبي ؟ قال :«أبوك حذافة» قال ثم قام عمر – أو قال فأنشأ عمر – فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا عائذا بالله – أو قال أعوذ بالله – من شر الفتن. قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لم أر في الخير والشر كاليوم قط صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط»٣ أخرجاه ( أي الشيخان ) من طريق سعيد، ورواه معمر عن الزهري عن أنس بنحو ذلك أو قريبا منه. قال الزهري فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك قالت : أكنت تأمن أن أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس ؟ فقال والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
«وقال ابن جرير أيضا : حدثنا الحرث حدثنا عبد العزيز حدثنا قيس عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال : أين أبي ؟ قال :«في النار – فقام آخر فقال : من أبي ؟ قال – أبوك حذافة» فقام عمر بن الخطأب فقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما، إنا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك والله أعلم من آباؤنا. قال فسكن غضبه ونزلت هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . إسناده جيد. «وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف منهم أسباط عن السدي – فذكر ابن كثير عنه مثل حديث أبي هريرة في جملته وزاد في آخر كلام عمر – فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي. فيومئذ قال :«الولد للفراش وللعاهر الحجر» ثم قال : قال البخاري : حدثنا الفضل بن سهل حدثنا أبو النضر حدثنا أبو خيثمة حدثنا أبو الجويرية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم حتى فرغ من الآية كلها. تفرد به البخاري.
«وقال الإمام أحمد : حدثنا منصور بن وردان الأسدي حدثنا علي بن عبد الأعلى عن أبيه عن أبي البختري وهو سعيد بن فيروز عن علي قال لما نزلت هذه الآية ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ أل عمران : ٩٧ ] قالوا : يا رسول الله ! أفي كل عام ؟ فسكت. فقالوا : أفي كل عام ؟ فسكت. قال ثم قالوا : أفي كل عام ؟ فقال :«لا ولو قلت نعم لوجبت – ولو وجبت لما استطعتم» فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ٤. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من طريق منصور بن وردان به. وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول أبو البختري لم يدرك عليا اه».
أقول منصور بن وردان ثقة كما قال ابن حبان وغيره. وأبو البختري هو سعيد ابن فيروز التابعي ثقة فيه تشيع روى عنه الجماعة كلهم، ولكن مراسيله ضعيفة.
وقد عزا السيوطي في الدر المنثور حديث علي هذا إلى أحمد والترمذي «وحسنه» وابن ماجه وابن أبي حاتم والحاكم وذكر نحوه عن ابن عباس عازيا إياه إلى عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم – قال :«وصححه» – والبيهقي في سننه. وفيه أن السائل الأقرع بن حابس. وذكر مثله أيضا عن الحسن من تخريج عبد بن حميد وفيه «ذروني ما وذرتكم» الخ وهذه الزيادة من أحاديث الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ولفظ البخاري «دعوني ما تركتكم» – ولفظ مسلم : دعوني ما تركتكم – فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم٥.
قال القسطلاني في شرحه له تبعا للحافظ ابن حجر : وسبب هذا الحديث على ما ذكره مسلم [ أقول وكذا النسائي ] من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم»- ثم قال – «ذروني ما تركتكم» الحديث وأخرجه الدارقطني مختصرا وزاد فيه فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم اه وأقول : محمد بن زياد هذا ثقة روى عنه الجماعة كلهم.
ونص سنن النسائي٦ : عن أبي هريرة قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال :«إن الله عز وجل قد فرض عليكم الحج» فقال رجل : في كل عام ؟ فسكت عنه حتى أعاده ثلاثا فقال :«لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها. ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ؛ فإذا أمرتكم بالشيء ( وفي نسخة بشيء ) فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وروي عن ابن عباس مسألة وجوب الحج وأن الأقرع بن حابس قال : كل عام يا رسول الله ؟ فسكت فقال :«لو قلت نعم لوجبت ثم إذا لا تسمعون ولا تطيعون ولكنه حجة واحدة» وفي فتح الباري أن ابن عبد البر نقل عن رواية مسلم أن السؤال عن الحج كان يوم خطب صلى الله عليه وسلم وقال :«لا يسألني أحد عن شيء إلا أخبرته».
وقال ابن جرير : حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد عن ابن عباس ( لا تسألوا عن أشياء ) قال هي البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك : ما جعل الله من كذا ولا كذا. قال وأما عكرمة فإنه قال إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك ثم قال ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) قال فقلت قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس فما لك تقول هذا ؟ فقال : هيه.
ثم روى ابن جرير مثل قول مجاهد عن سعيد بن جبير. ثم قال : وأولي الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال : نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه من أبوه، ومسألة سائله إذ قال «إن الله فرض عليكم الحج» أفي كل عام ؟ وما أشبه ذلك من المسائل، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل. وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس فغير بعيد عن الصواب. ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه. ذكر هنا القول به من أجل ذلك. على أنه غير مستنكر أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي كانت فيما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها الخ ما قاله، وفيه أن تلك الأخبار صحاح فوجب ترجيحها. يشير إلى ضعف سند رواية مجاهد لأن خصيف بن عبد الرحمن راويها عنه قد ضعفه الإمام أحمد وقال مرة : ليس بقوي. وقال أبو حاتم : تكلم في سوء حفظه. ولكن قال ابن معين فيه مرة صالح ومرة ثقة.
والطريقة المتبعة في الجمع بين أمثال هذه الأحاديث : أن يقال إن النهي في الآية يشمل كل ما ورد في سبب نزولها وكل ما هو في معناه، وليس كل ما روي في أسباب النزول كان سببا حقيقيا، بل كانوا يقولون في كل ما يدخل في معنى الآية ويشمله عمومها : إنها نزلت فيه، وكثيرا ما ينقلون كلام الرواة بمعناه فيجيء منطوقه متعارضا، وقد بينا هذه المسألة مرارا. وأبعد ما قيل في أسباب نزول هذه الآية أن بعضهم كان يسأل النبي عن الشيء امتحانا أو استهزاء، وهذا لا يصدر إلا من كافر صريح أو منافق، والخطأب في الآية للمؤمنين فلا يمكن أن يكون نهيا لهم عن سؤال الامتحان أو الاستهزاء، وإنما يجو
تفسير المنار
رشيد رضا