١٠١ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم إلى قوله : عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم :
اختلف في سببها، فقيل : نزلت بسبب سؤال عبد الله بن حذافة السهمي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر مغضبا، فقال : " لا تسألوني(١) اليوم عن شيء إلا أخبرتكم "، فقام رجل، فقال : أين أنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " في النار " فقام عبد الله بن حذافة وكان يطعن في نسبه، فقال : من أبي ؟ فقال(٢) : " أبوك حذافة " وفي بعض الأحاديث : فقام رجل، فقال : من أبي ؟ فقال : " أبوك سالم مولى شيبة " (٣)، فقام عمر بن الخطاب، فجثا على ركبتيه وقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دبنا وبمحمد صلى الله عليه وسلم(٤) نبيا، نعوذ بالله من الفتن. وبكى الناس من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت الآية بسبب هذه الأجوبة. وقيل : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم(٥) فقال(٦) : " أيها الناس كتب عليكم الحج " وقرأ(٧). ولله على الناس حج البيت الآية(٨) [ آل عمران : ٩٧ ]، فقالوا : يا رسول الله، أفي كل عام ؟ فسكت، فأعادوا(٩) وقال(١٠) : " لا، ولو قلت : نعم لوجبت " (١١) وفي بعض الأحاديث أن الذي قال : أفي كل عام، عكاشة بن محصن. وفي بعضها محصن الأسدي(١٢)، وفي بعضها رجل من بني أسد. وقيل : نزلت بسبب قوم سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة ونحو هذا من أحكام الجاهلية. وقيل : كانوا يسألون عن الشيء وهو حلال، ولا يزالوا يسألون(١٣) حتى يحرم عليهم فإذا حرم عليهم(١٤) وقعوا فيه. وروي عن سعد(١٥) بن أبي وقاص أنه صلى الله عليه و سلم قال : " إن أعظم المسلمين على المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجله " (١٦). وقيل : نزلت بسبب قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مسائل امتحان، فقال أحدهم : من أبي ؟ وقال آخر : أين ناقتي ؟ فنهوا عن ذلك. وقيل : نزلت فيما سأله النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له، اجعل لنا الصفا ذهبا، فلم يفعل لهم ما أرادوا فكفروا(١٧). وجملة الروايات ترجع إلى أنه صلى الله عليه وسلم ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات فزجر(١٨) الله تعالى عن ذلك بهذه الآية.
وقوله تعالى : وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم :
اختلف في تأويله، فقيل : المعنى لا تسألوا عن أشياء في الإخبار عنها مساءة. أم لأجل تكليف شرعي يلزمكم، وإلا لخبر يسؤكم كما قيل للذي قال أين أنا ؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم(١٩) ربكم فحينئذ(٢٠) إن سألتم عن تفصيله وبيانه، بين لكم وأبدى، فالضمير في قوله : " عنها " عائد على نوع السؤالات لا(٢١) على الأشياء التي نهي عن السؤال عنها، وهذا القول يرجع إلى أنه أباح لهم السؤال(٢٢) عما نزل القرآن به، ونهاهم عن السؤال عما لم ينزل به القرآن. وقيل : يحتمل أن يكون هذا في معنى الوعيد، كأنه قال : لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عيب ذلك وصعوبته، لأنكم تكلفون وتستعجلون علم(٢٣) ما يسوءكم كالذي قيل له : أنت في النار.
وقوله تعالى : عفا الله عنها (٢٤) :
معناه : ما لم يكن مذكورا(٢٥) بحلال ولا حرام فهو معفو عنه فلا تبحثوا عنه(٢٦) فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم. وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال : الحلال ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله وما سكت عنه فهو معفو عنه وما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى وجه الكراهة والتنزيه(٢٧). وقالت عائشة رضي الله عنها مثل ذلك. وقال القاضي إسماعيل. وقد قال الله تعالى : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما [ الأنعام : ١٤٥ ] الآية، ومحال أن يقول الله تعالى(٢٨) ذلك فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : أجد ولكنه صلى الله عليه وسلم يسر(٢٩) للمصلحة، فنهى عن أكل السباع لأنها تقسي القلب وتغري على فعل(٣٠) المحرمات، وكذلك نهى عن التوضؤ بالماء المشمس لما يحدث في البدن، والله تعالى(٣١) أعلم. ولا يجوز مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ترك قبول قوله، ثم قال : قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ، فأخبر أن قوما من قبلنا قد سألوا آيات مثلها فلما أعطوها وفرقت عليهم كفروا بها، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وسؤال أصحاب عيسى المائدة.
٢ في (ب) و(ج) و(د): "فقال حق"..
٣ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب المواقيت الصلاة، باب١١، ص ٢١، وصحيح مسلم: كتاب الفضائل، باب ٣٧، ص ١٨٣٣ – ١٨٣٧..
٤ "صلى الله عليه و سلم" ساقطة في (هـ)..
٥ في (ب) و(ج): "الناس"..
٦ في (هـ): "وقال"..
٧ في (هـ): "فنزل"..
٨ في (هـ): "من الآية"..
٩ في (هـ): "فعادوا"..
١٠ في (ج) و(هـ): "فقال"..
١١ انظر سنن الدارمي: كتاب المناسك، باب٤، ص ٤٢٥..
١٢ في (ج): "محسن الأسدي" في (هـ): "الأسدي"..
١٣ كلمة ساقطة في (ج) و(د)..
١٤ "فإذا حرم عليهم" ساقطة في (ب) و(ج) و(د)..
١٥ (في غير (أ) و(ب) و(هـ): "سعيد"..
١٦ الحديث أخرجه البخار ي في صحيحه: كتاب الاعتصام بالسنة، باب ٣، ص ٤٢، ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل، باب ٣٧، ص ١٨٣١..
١٧ في (د) و(هـ): "كفروا"..
١٨ في (هـ): "فزج"..
١٩ في (هـ): "واقتداكم"..
٢٠ في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ): "فح"..
٢١ "اللام" ساقطة في (هـ)..
٢٢ كلمة ساقطة في (ب) و(د)..
٢٣ في (ب): "على"..
٢٤ "عنهما" ساقطة في (أ) وفي (ب): "عنها"..
٢٥ في (هـ): "مذكور"..
٢٦ في (ب): "عليه"..
٢٧ في (هـ) و(ج): "التنزه"..
٢٨ في (هـ): "الله تبارك وتعالى"..
٢٩ في (ب): "ليسر"..
٣٠ كلمة ساقطة في (هـ)..
٣١ كلمة ساقطة في (هـ)..
أحكام القرآن
ابن الفرس