ومن جملة ما وقع السؤال عنه : البحيرة وما معها، فأجابهم الحق –تعالى- بقوله :
مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ
قلت : البحيرة : فعيلة بمعنى مفعولة، من بَحَرَ، إذا شق، وذلك أن الناقة كانت إذا ولدت عندهم في الجاهلية عشرة أبطن، شقوا أذنها، وتركوها ترعى، ولا ينتفع بها، وأما السائبة فكان الرجل يقول : إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي، فناقتي سائبة، فإذا قدم أو برئ سيّبها لآلهتهم، فلا تُحلَب، ولا تُركب، ولا تُمنَع من شجر، وقد يُسَيّبُون غير الناقة، فإذا سيّبوا العبد فلا يكون عليه ولاء لأحد، وإن قال ذلك، اليوم، فحمله على العتق، وولاؤه للمسلمين، وفعل ذلك اليوم في الحيوان حرام، كما يفعله جهلة النساء في الديك الأبيض ؛ يحرر حتى يموت، فإذا فعل ذلك ذبح وأكل.
وأما الوصيلة : فكانوا إذا ولدت الناقة ذكرًا وأنثى متصلين، قالوا : وصلت الناقة أخاها، فلم يذبحوها، وأما الحام : فكانوا إذا نتج من الجمل عشرة أبطن، قالوا : قد حُمي ظهرُه، فلا يُركب ولا يُحمل عليه.
يقول الحقّ جلّ جلال : في إبطال هذه الأشياء : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام أي : ما شرع الله شيئًا من ذلك، ولا أمر به، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب بتحريم ذلك، ونسبته إليه، وأكثرهم لا يعقلون ، أي : جُلهم لا عقل لهم، بل هم مقلدون غيرهم في تحريم ذلك، وتقليد الآباء والرؤساء في تحريم ما أحل الله تعالى شرك ؛ لأنهم نَزَّلَوا غير الله منزلته في التحريم والتحليل، وهو كفر.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي