ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

ويقول الحق بعد ذلك :
ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ( ١٠٣ ) .
وهذه الآية جاءت في السورة التي أحل الله فيها بهيمة الأنعام، وحرم منها ما حرم. فهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يستبقي حياته من قوت، وما يستبقي نوعه بالتزاوج. وإذا كان الحق هو الذي جعل الإنسان خليفة في الأرض فقد أعد له كل هذه المقومات للحياة من قبل آدم عليه السلام، أعد سبحانه لخلقه الأرض والسماء والماء والهواء، ومما ذخر وخبأ وأوجد في الأرض من أقوات لا تنتهي إلى يوم القيامة.
ولنا أن نلتفت إلى فارق مهم بين ( الخلق )، وبين ( الجعل ). فالخلق شيء، والجعل شيء آخر. والخلق هو إيجاد من عدم. والجعل هو توجيه مخلوق لله إلى مهمته في الحياة. فخلق الله لا يخلقون شيئا، إنما الخلق والإيجاد له سبحانه. وعلينا – نحن الخلق - أن نخصص كل شيء لمهمته في حياته التي أرادها الله، أي أن نترك ( الجعل ) لله ولا نتدخل فيه، بمعنى أن الخالق سبحانه وتعالى خلق الخنزير – على سبيل المثال – ليأكل من القاذورات وليحمي الإنسان من أمراض وأضرار كثيرة، وعلى الإنسان – إذن – أن يخصص الخنزير لهذه المهمة فلا يحوله إلى غير مهمته كأن يأكله مثلا ؛ لأن تحويل مهمة مخلوق لله إلى غير مهمته هو أمر يضر بالإنسان الذي أراده الله سيدا مستخلفا في الكون.
وأبلغ سبحانه الناس أنه قد أحل أشياء وحرم أشياء، وعلى الإنسان أن يرضخ لما حلله الله فيقبل عليه، وأن يرضخ بالابتعاد عما حرم الله. والخالق سبحانه وتعالى هو الذي ( خلق ) وهو الذي ( جعل ) وهو القائل :
جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ( من الآية ٩٧ سورة المائدة )
وهو القائل :
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ( من الآية ١ سورة الأنعام )
والحق سبحانه وتعالى ينهانا عن أن نجعل له أندادا.
يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون( ٢١ ) الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماءا فأخرج به من الثمرات ورزقا لكم فلا تجعلوا لله أنداد وأنتم تعلمون ( ٢٢ ) ( سورة البقرة ).
فسبحانه وتعالى موجود وواحد أحد، فلا يصح أن تجعلوا له أندادا ؛ لأن ذلك عبث. ويثبت لنا سبحانه أن قضية الفساد في الأرض تنشأ من تعدي الناس إلى الجعل المخلوق لله فيحولونه إلى غير ما خلقه الله له.
والخلق في حياتهم اليومية يحرصون على أن يستخدموا الأشياء فيما هي مخصصة له. ومثال ذلك : أنت تستقبل من صانع الجبن قالبا من جبن. وتستقبل من صانع الصابون قالبا من الصابون، ثم تجيء بالجبن والصابون إلى المنزل، فتخبر أهل البيت بأن الجبن للأكل والصابون للغسيل، ويطيع الجميع هذه التوجيهات. لكن إن استخدم أحد الصابون للأكل والجبن للغسيل يحدث إفساد في صحة أفراد الأسرة. وكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى لنا أبناء من أصلابنا، فكيف نأخذ أبناء من غير أصلابنا لنجعلهم أبناء لنا ؟ إن هذا خطأ في الجعل.
لذلك قال الحق :
وما جعل أدعياءكم أبناءكم ( من الآية ٤ سورة الأحزاب ).
إن الداعي هو في حقيقة أمره من غير صلبك، وزوجتك ليست أما له، فكيف تجعله ابنا لك، وتمكنه من أن يجلس في حجر امرأة غير أمه ويشب على ذلك وينظر إلى غير محارمه على أن ذلك حلال ومباح له، إنه بذلك يفقد التميز بين الحلال والحرام ؛ لذلك فالتبني إفساد في الجعل.
إن كل فساد ينشأ في الكون حينما نجعل مخلوقا لله في مهمة غير تلك التي جعلها الله له، والحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يقيته، وما يحفظ نوعه، فعلينا أن نتبع ما يأمر به الحق من اتباع ما هو حلال، والابتعاد عما هو حرام. وإن قال قائل : ولماذا حرم الله بعض الأشياء التي خلقها ؟ ونقول : إن الذي خلقها جعلها لمهمة غير التي يريد الإنسان أن يوجهها له، ومثال ذلك تحريم أكل لحم الخنزير.
والإنسان منا إذا ما رأى صورة من معيشة الحيوانات في الغابة. بتعجب، ففضلات حيوان هي غذاء لحيوان آخر. وسم الثعبان هو حماية وعلاج. ونعرف أن الإنسان يستخلص سم الثعبان ليستخرج منه علاجا لبعض الأمراض ولقتل بعض الجراثيم.
ولذلك يقول الحق سبحانه :
قل أرئيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل أالله أذن لكم أم على الله تفترون ( ٥٩ ) ( سورة يونس )
كيف إذن نجعل من أنفسنا مشرعين نحلل الحرام ونحرم الحلال ؟ إن الله الذي خلق كل شيء لم يمنحنا الإذن بذلك. وعلينا أن نسلم بأن كل شيء مخلوق لمهمة فلا يصح أن نوجه شيئا إلى غير مهمته. وتوجيه أشياء إلى غير ما جعلت له أنتج آثارا ضارة، ومثال ذلك استخدامنا لمبيدات الحشرات في الحقول، تلك المبيدات أبادت الضار في نظرنا، وأبادت النافع أيضا. وعلى الإنسان – إذن – أن ينتبه جيدا فلا يساوي بين الحرام والحلال، وأن ينتبه تماما فلا يتعدى الجعل المخلوق لله، يقول سبحانه :
ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ( ١٠٣ ) ( سورة المائدة ).
والبحيرة هي الناقة التي تشق أذنها كعلامة على أنها محرمة فلا يتعرض لها أحد. لا ترد عن مرعى، ولا ترد عن ماء، ولا يشرب لبنها، ولا يركب ظهرها، ولا يجز صوفها، لأنهم قالوا : نتجت خمسة أبطن آخرها ذكر. و ( السائبة ) وهي الناقة التي يقدمها الرجل إن برئ من مرضه أو قدم من سفره كنذر سائب، فلا يربطها، وتأكل كما تريد، وتشرب ما تريد، وتنام في أي مكان، ولا أحد يتعرض لها أبدا، وقد سميت ( سائبة ) بمعنى مأخوذة من الماء السائب. ونعرف أن صفة الماء وطبيعته الأساسية هي الاستطراق، فإن سقط الماء على قمم الجبال فهو يملأ الوديان أولا، ثم يصعد إلى الأعالي، هكذا يكون استطراق الماء ما لم يتحكم فيه الإنسان بإقامة السدود والمضخات وشبكات توزيع المياه.
والوصيلة هي الناقة التي تصل أخاها، فالناقة عندما تحمل وتضع المولود، هنا ينظر أصحاب الناقة إلى جنس المولود، فإن كان ذكرا أكلوه، أما إن كان المولود أنثى فهي لهم يستبقونها لأنها وعاء إنجاب لنتاج جديد ويكفي فحل واحد لإخصاب عشرات الإناث. فإن نتجت الناقة في بطن واحد ذكرا وأنثى فإنهم لا يذبحونها ويقال :( وصلت الأنثى أخاها ) فحرمته علينا.
في ريفنا المصري نجد الأطفال يتمنون أن يأتي وليد الجاموسة أو البقرة ذكرا حتى يأكلوا من لحمه حتى يشربوا من لبن الجاموسة أو البقرة كما يهوون. ذلك أن الطفل ينظر إلى مصلحته المباشرة، أما الكبار فهم يتمنون دائما أن يكون وليد البهيمة أنثى ؛ لأن الأنثى وعاء لنتاج جديد.
وال ( حام ) هو الفحل الذي يحمي ظهره من أن يركب، ويتركونه لينطلق كما يريد. وهو الذي لقح عشرة أجيال من الإناث، أو هو الذي نتجت من صلبه عشرة أبطن. وكان من الضوابط لهذه العملية أن يعرفوا أن حفيد هذا الفحل – ابن ابنه – يمكنه أن يلقح.
وكل هذه المسائل : البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، هي من اختراعات أهل الكفر الذين يفترون على الله، فالحق سبحانه وتعالى خلق هذه الأنعام ليستمتع الإنسان بأكلها وشرب لبنها وتسخيرها إلى ما يفيده.
ومعنى ( يفتري الكذب ) أي أنه يختلق كذبا ويدعيه ليطرأ به على صدق ليخفيه. فالكذب ستر لحقيقة كانت قائمة والحقيقة القائمة منذ أن خلق الله الخلق أن هذه الأنعام جميعها مسخرة لخدمة الإنسان. وأبلغ سبحانه آدم بمنهجه، وكان من المفروض أن يبلغ كل جيل الجيل الذي يليه، لكن طول الزمن والغفلة هما السببان وراء نسيان الناس لبعض الأحكام ؛ لذلك بعث الله الرسل ليذكروا الناس بالمنهج، وليزيلوا الكفر عن وعي الناس، فالكافرون أناس ستروا منهج الله، وستروا البلاغ عن الله، وهم بذلك يفترون الكذب على الله.
ومثال ذلك قصة دخول الأصنام إلى الكعبة، فقد سافر رجل اسمه عمرو بن لحي إلى بلاد الشام، فوجد أوثانا وأصناما فنقل منها صنما يقال له :( هبل ) إلى مكة، وكان هو أول من أدخل الأصنام إلى مكة. وكما فعل عمرو بن لحي فعل غيره بوضع قوانين وقواعد لم يأت بها الله، كالوصيلة والبحيرة والسائبة والحام. وكان ذلك افتراء على منهج الله وتغييرا لمنهج الحق، وعلى فرض أنه لا منهج قد وصلهم من الله، ألم يكن من ضرورة التعقل أن ينظروا في أمر هذه البدع والضلالات ؟
إن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع العقل من أن يصل إلى حقيقة كونية سليمة. ولكن قد يجهد العقل ويتعب بالتجربة الطويلة حتى يصل إلى حقيقة ما. لذلك أراد سبحانه حماية الناس من شقاء التجارب القاسية فأنزل منهجه ليحدد الحرام من الحلال. قال سبحانه :
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركين ( ٣٢ )
( سورة التوبة )، ويقول في موضع آخر من القرآن الكريم :
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ( ٣٨ ) ( سورة الفتح ).
ولقائل أن يقول : لماذا إذن وجد في العالم أديان أخرى. كاليهودية والنصرانية، ولماذا إذن هناك ملاحدة مادام الله قد قرر ألا يوجد مع الإسلام دين آخر ؟
ونقول : أنت لم تفهم مراد الآيتين الكريمتين، إن الحق سبحانه يقرر مرة أن الدين سيظهر ولو كره المشركون، ومعنى ذلك أن هناك كافرين ومشركين، وأهل ديانات أخرى وسيظهر الإسلام عليهم، ويجعله الله هو السائد بالحجة والبرهان وبشهادة الكافرين والملحدين والوثنيين أنفسهم، لأن أمور الحياة ستتعبهم في كل قضايا حياتهم، لا يجدون حلولا لهذه المتاعب إلا بأن يذهبوا إلى قضية الإسلام، لا لأنه إسلام، ولكن لأن أسلوب وقواعد الإسلام هي التي ستخلصهم من مشكلاتهم، ولجوؤهم إلى أقضية تتفق مع الإسلام – مع كفرهم بالإسلام – هو شهادة قوية على أن الإسلام جاء دين الفطرة، ودين العقل، وأن الكل سيحتاج إليه قهرا عنه. ومن لم يأخذه دينا فسيضطر إلى أن يأخذه نظاما.
وإذا كان الحق سبحانه قد ذيل الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها بقوله عز وجل : وأكثرهم لا يعقلون فلأنه سبحانه ينبهنا إلى أنهم لو تعقلوا الأمر لما جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام من المحرمات عليهم.
ولنا أن نتساءل : أجعلتم هذه الأشياء حراما تكريما لها أم زهدا فيها ؟. فإن كان هو الزهد، فمعنى ذلك أنهم أخرجوها عما خلق الله ؛ لأن الله خلقها لنأكل لحمها وننتفع بها. وإن كان هو التكريم، فهل من التكريم أن يترك الإنسان الحيوان الذي خدمه دون حماية من ذئب، ودون طعام يعده له ويتركه يلغ في أرض الغير ؟. إن هذا أسلوب يدل على عدم الوفاء للحيوان الذي خدم الإنسان، ومثل هذا السلوك لا يستبقي حياة هذا الحيوان، بل يعرضها للخطر، لهذا يأبى العقل السوي هذا الزهد وذلك التكريم. فإن كان عمر بن لحي أو غيره قد جاءوا بأشياء وتقاليد لم يجعلها الله، فعلينا أن نشكر الحق سبحانه لأنه جاء بالإسلام ليعدل من هذه المسائل.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير