ويحتمل: ما ذكرنا من قولهم: أين نحن؟ ومن أبي؟ ومن أنا؟ ونحوه، فلما أن أخبرهم بذلك كفروا به، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ): أي: ما جعل اللَّه قربانا مما جعلوا هم؛ لأنهم كانوا يجعلون ما ذكر من البحيرة والسائبة؛ وما ذكر قربانا يتقربون بذلك إلى الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها دون اللَّه، فقال: ما جعل الله من ذلك شيئًا مما جعلتم أنتم من البحيرة والسائبة، فقوله: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ...) وما ذكر، أي: ما أمر بذلك، ولا أذن به.
قيل: حرم أهل الجاهلية هذه الأشياء، منها: ما حرموه على نسائهم دون رجالهم، ومنها: ما حرموه على الرجال والنساء، ومنها: ما جعلوه لآلهتهم به.
ثم قيل: البحيرة: ما كانوا يجدعون آذانها ويدعونها لآلهتهم.
والسائبة: ما كانوا يسيبونها.
والوصيلة: ما كانت الناقة إذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبحوها، وتركوها لآلهتهم.
قال أبو عبيد: البحيرة: إذا نتجت خمسة أبطن قطعت آذانها وتركت. والسائبة: إذا ولدت خمسة أبطن سيبت؛ فلا ترد عن حوض ولا علف. والوصيلة من الغنم: إذا ولدت
عناقين تركا، وإذا ولدت عناقًا وجديًا، قالوا: وصلت العناق الجدي وتركا، وإذا نتجت جديًا ذبح. والحامي: إذا نظر إلى عشرة من ولده، قيل: حمى ظهره؛ فلا يركب، ولا يحمل عليه شيء.
وقال مجاهد: (وَلَا حَامٍ): إذا ضرب الجمل من ولد البحيرة فهو الحامي، والحامي: اسم. والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرًا أو ذكرين نحر، فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن أتأمتْ بذكر وأنثى فهي وصيلة؛ يترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا اثنتين تركتا.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحر، فأكله رجالهم ونساؤهم، وإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها، وكان حرامًا على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء.
والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه اللَّه من مرضه، أو بلغه منزله، أن يفعل ذلك.
والوصيلة من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرًا أو أنثى، قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبح لمكانها، وكان لحومهما حرامًا على النساء، وليست الأنثى حرامًا على النساء، إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء.
والحامي: الفحل إذا ركب ولد ولده. ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حمى ظهره، ولا يركب، ولا يمنع من كلأ ولا ماء.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم