وبعد ذلك ينقلنا الحق إلى قوله سبحانه :
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم( ٣٨ ) :
جاء الحق من قبل بعقاب قطاع الطريق والمفسدين في الأرض، وهنا يأتي بقضية أخرى يريد أن يصون بها ثمرة حركة المؤمن في مجتمعه لأن الإيمان يحب من المؤمن أن يتحرك وحتى يتحرك الإنسان لا بد أن يضمن الإنسان ثمرة حركته أما إن تحرك الإنسان وجاءت الثمرة ثم جاء من يأخذها فلا بد أن يزهد المتحرك في الحركة، وحين يزهد الإنسان في الحركة يتوقف تقدم الوجود، لذلك من حظنا أن تستمر حركة الحياة، ولا تستمر حركة الحياة إلا إذا أمن الإنسان على حركته، وأن تكون حركته فيما شرع الله.
وحين يتحرك الإنسان فيما شرع الله ويكسب من حلال، فليس لأحد دخل، لأن حركة هذا الإنسان تفيد المجتمع سواء أكان ذلك في باله أم لم يكن.
وقلنا من قبل : إن الرجل الذي يملك مالا يكتنزه يجد الحق يأمره بأن يستثمر هذا المال، لأنه سبحانه أمر بفتح أبواب الخير لمن يجد المال، فيدفع بخاطر بناء عمارة شاهقة في قلب صاحب المال، فيقول الرجل لنفسه : إن المال عندي مكتنز فلأبني لنفسي عمارة، ويزين له الحق هذا الأمر، ويفكر الرجل في أن يبني عمارة من عشرة طوابق وفي كل طابق أربع شقق، وليكن إيجار كل شقة مائة جنيه، وهو حصيلة شهرية لا بأس بها.
لقد حسب الرجل المسألة وهو لا يدري أن الله سبحانه وتعالى يقذف في باله الخواطر، فيسرع ليشتري قطعة الأرض وبعد ذلك يأتي بمن يصمم بنيان العمارة ومن يقوم بالبناء وتخرج النقود المكتنزة، وهكذا نرى أن الثري قبل أن ينتفع بعمارته كان غيره قد انتفع بماله حتى أكثر طبقات المجتمع فقرا، ويحدث كل ذلك بمجرد الخاطر، ولكل إنسان خواطره فالبخيل له من يسرف في ماله، والكريم له من يكتنز من ماله وإياك أن تظن أن هناك حركة في الوجود خارجة عن إرادة الله فالحق يقول :
إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ( من الآية٨٩سورة آل عمران ).
وهم يفعلون ذلك لأن الذنوب تطاردهم فيعوضون ذلك بإصلاح أعمالهم ولذلك نجد أن الخير إنما يأتي من المسرفين على أنفسهم فيريدون إصلاح أمورهم وليس هناك من يستطيع أن يأخذ شيئا من وراء الله.
إن الحسنات يذهبن السيئات ( من الآية١١٤سورة هود ).
كأن الحق سبحانه وتعالى بمجرد الخواطر يدفع الناس إلى ما يريد نعم فهو غيب قيوم، ولذلك يكون تدبيره في الكون غيبا وفي قرانا يخصصون يوما للسوق، ونرى ساحته في اليوم المخصص ونتأملها فنتعجب من إبداع محرك الكون، ففي الصباح يسير رجال إلى السوق ومعهم عصيهم ولا يحملون شيئا، وهؤلاء ذاهبون لشراء ما يحتاجون إليه، وآخرون يسوقون أمامهم العجول أو الحمير، وهؤلاء يذهبون لبيع بضائعهم ونرى نساء تحمل كل واحدة منهن صنفا من الخضار فنعرف أنهن يذهبن للبيع في السوق ونرى أخريات يحملن سلالا فارغة ونعرف أن كلا منهن ذاهبة للشراء، وفي آخر النهار نرى المسألة معكوسة من كان يحمل في الصباح شيئا حمله غيره، فمن الذي هيج الخواطر ليذهب من يرغب في البيع إلى السوق ليبيع ؟.
من الذي حرك الشاري للشراء ؟ هو الحق سبحانه يحقق للراغب في البيع أن يوجد المشتري، ويحقق للراغب في الشراء أن يوجد البائع إنه ترتيب الحي القيوم، ونسمع من يقول : لقد أنزلنا في السوق اليوم عشرين طنا من الطماطم وأربعين طنا من الكوسة وغيرها من الأطنان ونجد آخر النهار أن كل شيء قد بيع، إنها خواطر الله المتوازنة في الناس والتي توازن المجتمع.
إذن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المتحرك، ويورد أيضا ألا يقتات الإنسان أو يتمتع بغير مجهود، لأن من يسرق إنما يأخذ مجهود غيره، وهذا الفعل يزهد الغير في العمل.
إن في الإسلام قاعدة هي : عندما تكثر البطالة يقال لك لا تتصدق على الناس بنفوذ من ملكك، ولكن افتح أي مشروع ولو لم تكن في حاجة إليه كأن تحفر بئرا وتردمها بعد ذلك وأعط الأجير أجره حتى لا يتعود الإنسان على الكسل بل يجب تعويده على العمل ومن لا يقدر على العمل فلا بد له من ضمان، فضمان الإنسان لقوته يكون من عمله أولا، فإن لم يكن قادرا على العمل فضمانه من أسرته وقرابته، فإن لم توجد له أسرة أو قرابة، فأهل محلته مسئولون عنه، وإن لم يستطع أهل القرية أو المحلة أن يوفروا له ذلك فبيت المال عليه أن يتكفل بالفقراء.
إذن فالأرضية الإيمانية تحثنا على أن نضمن للإنسان العمل، أو نعوله ونقوم بما يحتاج إليه إن كان عاجزا، ولكن الآفة أن بعضا من الناس يحبون عملا بذاته، فهذا يرغب في التوظف في وظيفة لا عمل فيها ونقول له : في العالم المعاصر أزمة عمالة زائدة فتعلم أي مهارة، فما ضنت الحياة أبدا على طالب قوت من عمل.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة حين أقام أول مزاد في الإسلام عندما جاء له رجل من الأنصار يسأله فقال له :( أما في بيتك شيء قال الرجل : بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب أي قدح نشرب فيه من الماء، قال : إيتني بهما، فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال : من يشتري هذين ؟ قال رجل : أنا آخذهم بدرهم قال : من يزيد على درهم ؟ مرتين أو ثلاثا قال رجل : أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما للأنصاري وقال : اشتر بأحدهما طعاما فانبذه أي ألقه إلى أهلك ؟ واشتر بآخر قدوما فائتني به )١.
إذن أشار النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل وأمره بأن يحضر الحلس الذي ينام عليه والقدح الذي يشرب فيه، حتى يعرف الرجل أنه تاجر في شيء يملكه، لا في عطاء من أحد، وجاء الرجل إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ووجد أن النبي قد سوى له يدا للقدوم وقال الرجل :( اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما )٢.
وذهب الرجل يحتطب ويبيع امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وجاء بعد خمسة عشر يوما وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة )٣.
هذه هي التربية.
إذن فالغرض الأساسي أن يحمي الإسلام أفراد المجتمع، فالذي لا يجد قوته نساعده بالرأي وبالعلم والقدرة والقوة، والخير أن نعلمهم أن يعملوا لأنفسهم، ولذلك جاء الحق لنا بقصة ذي القرنين المليئة بالعبر : حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا( ٩٣ ) ( سورة الكهف ).
أي أنه لا توجد صلة للتفاهم ولكنهم قالوا : قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا( ٩٤ ) ( سورة الكهف ).
وها هو ذو القرنين يعلن أنه في غير حاجة إليهم ولكن يكلفهم بعمل حتى يحقق لهم مرادهم :
آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا( ٩٦ ) ( سورة الكهف ).
ومن العجيب أن القرآن عندما يحكي أمرا فهو لا يحكيه إلا لهدف، هم طلبوا من ذي القرنين أن يبني سدا، لكنه اقترح أن يجعل لهم ردما، ما الفرق ؟ لقد تبين من العلم الحديث أن السد قد تحدث له هزة من أي جانب فينهدم كله، أما الردم فإن حدثت له هزة يزدد تماسكا ولم يعمل ذو القرنين لهم، ولكن علمهم كيف يصنعون الردم، وذلك حتى لا يعيشوا مع الإحساس بالعجز، وهكذا يعلمنا القرآن أن الإنسان لا بد له من عمل لكن ماذا إذا سرق ؟.
أولا ما هي السرقة ؟ إنها أخذ مال مقوم خفية. فإن لم يكن الأخذ خفية فهو اغتصاب، ومرة أخرى يكون خطفا ومرة رابعة يكون اختلاسا.
فالأخذ له أنواع متعددة، فالتاجر الذي يقف في دكانه ليبيع أي شيء، وجاء طفل صغير وخطف قطعة من الحلوى وجرى ولا يستطيع التاجر أن يطول الطفل أو أن يقدر على الإمساك به، هذا خطف، أما الذي يغتصب فهو الذي قهر صاحب الشيء على أن يتركه له، أما الاختلاس فهو أن يكون هناك إنسان أمين على مال فيأخذه منه، أما السرقة فهي أخذ لمال مقوم خفية وأن يكون في حرز مثله، أي يكون في مكان لا يمكن لغير المالك أن يدخله أو يتصرف فيه إلا بإذنه، أما الذي يترك بابه مفتوحا أو يترك بضاعته في الشارع فهو المقصر، فكما يأمرنا الشرع بألا يسرق أحد أحدا، كذلك يأمر بعدم الإهمال، بل لا بد للإنسان أن يعقل أشياءه ويتوكل وسبحانه هو المشرع العدل الذي يقيم اليقظة على الجانبين، حدد الشرع السرقة بما قيمته ربع دينار، وربع دينار في ذلك الزمن كان يكفي لأن يأكل إنسان هو وعياله ويزيد، بل إن الدرهم كان يكفي أن يقيم أود أسرة في ذلك الوقت.
وكيف نقوّم ربع الدينار في زماننا ؟ إن كان لا يكفي لمعيشة فيجب أن ترفع النصاب إلى ما يُعيش، ومادام الدينار كان في ذلك الزمان ذهبا، فربع الدينار ترتفع قيمته، وقديما كان الجنيه الذهب يساوي سبعة وتسعين قرشا ونصف القرش، أما الجنيه الذهب حاليا فهو يساوي أكثر من مائتين وسبعين جنيها، وقد يكون هناك إنسان يسرق لأنه محتاج أو جائع، ولذلك وضع الشرع له قدرا لا يتجاوزه المحتاج لحفظ حياته وحياة من يعول هو الدرهم، وسرقة الدرهم لا حد فيها كما لا إثم فيها، وذلك إذا استنفد كل الطرق المشروعة في الحصول على القوت، ونعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الدرهم للرجل وقال :( اشتر طعاما لك ولأسرتك ).
وكان الدرهم كما قلنا يكفي في ذلك الزمن والدرهم جزء من اثني عشر جزءا من الدينار، فربع الدينار ثلاثة دراهم، والدرهم يساوي في زمننا هذا أكثر من عشرين جنيها.
والسطحيون يقولون : إن سيدنا عمر ألغى حد السرقة في عام الرمادة، ونقول لهم : لم يسقط عمر بن الخطاب الحد، فالحد باق ولكنه لم يدخل الحادثة التي حصلت فيما يوجب الحد، والحادثة التي حدثت في عام الرمادة أو عام الجوع هي وجود الشبهة وبفطنته كأول أمير للمؤمنين، لم يدخل الحوادث فيما يوجب الحد، وفي مسألة عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة عندما سرق غلمانه فماذا حدث ؟ قال الغلمان لعمر كنا جوعى ولم يكن ابن أبي بلتعة يعطينا الطعام ودرأ سيدنا عمر الحد بالشبهة.
إذن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المتحرك وثمرة حركة المتحرك، لكن بعض السطحيين في الفهم يقولون مثل ما قال المعري :
يد بخمس مئين عسجد وُديت **** ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له **** وأن نعود بمولانا من النار
وهنا رد عليه العالم المؤمن فقال :
أنت تعترض لأننا نعطي دية اليد خمسمائة دينار، وعندما يسرق إنسان نقطع يد السارق لأنها أخذت ربع دينار.
وقال العالم المؤمن :
عز الأمانة أغلاها وأرخصها **** ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
ونلاحظ أن التشريعات الجنائية وتشريعات العقوبات ليست تشريعات بشرية، لكنها تشريعات في منتهى الدقة بالله لو أن مقننا يقنن للسارق أو السارقة، ويقنن للزاني والزانية ماذا يكون الموقف ؟.
إن الذي يتكلم هو رب العالمين فقال هنا :" والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ". والسرقة عادة ما تكون رغبة في الحاجة وهي غالبا ما تكون من عمل الرجل أما في الزاني والزانية فلو أن الرجل لم يهيج ويستثر بجمال امرأة لما فكر في الزنا، إذن فهي صاحبة البداية وينص سبحانه على العقوبة وجاء ب
٢ رواه أحمد وأبو داود في الزكاة وابن ماجة في التجارات..
٣ رواه أحمد وأبو داود في الزكاة وابن ماجة في التجارات.
.
تفسير الشعراوي
الشعراوي