ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

الْفَاعِلُ وَيُعَزِّرُهُ الْحَاكِمُ بِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَفَاتَ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَرِضِينَ أَنَّ الْعِقَابَ الْمَنْصُوصَ فِي الْآيَةِ خَاصٌّ بِالْمُحَارِبِينَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ الَّذِينَ يُكَاثِرُونَ أُولِي الْأَمْرِ، وَلَا يُذْعِنُونَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَتِلْكَ الْحُدُودُ إِنَّمَا هِيَ لِلسَّارِقِينَ وَالزُّنَاةِ أَفْرَادًا، الْخَاضِعِينَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ
فِعْلًا، وَقَدْ ذُكِرَ حُكْمُهُمْ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُفْرَدِ كَقَوْلِهِ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (٥: ٣٨) وَ (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (٢٤: ٢) وَهُمْ يَسْتَخْفُونَ بِأَفْعَالِهِمْ وَلَا يَجْهَرُونَ بِالْفَسَادِ حَتَّى يَنْتَشِرَ بِسُوءِ الْقُدْوَةِ بِهِمْ، وَلَا يُؤَلِّفُونَ لَهُ الْعَصَائِبَ لِيَمْنَعُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الشَّرْعِ بِالْقُوَّةِ، فَلِهَذَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمُفْسِدُونَ، وَالْحُكْمُ هُنَا مَنُوطٌ بِالْوَصْفَيْنِ مَعًا، وَإِذَا أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْمُحَارِبِينَ فَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ الْمَحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ; لِأَنَّ الْوَصْفَيْنِ مُتَلَازِمَانِ.
وَلَا تَتَحَقَّقُ مُحَارَبَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ بِمُحَارَبَةِ الشَّرْعِ، وَمُقَاوَمَةِ تَنْفِيذِهِ وَإِفْسَادِ النِّظَامِ عَلَى أَهْلِهِ إِلَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلِلْكُفَّارِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَحْكَامٌ أُخْرَى كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، وَأَحْكَامُهُمْ تُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، لَا فِي كِتَابِ الْمُحَارَبَةِ أَوِ الْحَرَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ فَطِنَ لِهَذَا الْمَعْنَى بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَمَامَ الِاتِّضَاحِ، فَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمُحَارِبُونَ الْمُفْسِدُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ إِفْسَادُهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَا فَصْلَ حِينَئِذٍ فِيهِمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ أَوْ ذِمِّيِّينَ أَوْ مُعَاهِدِينَ أَوْ حَرْبِيِّينَ. كُلُّ مَنْ قَدَرْنَا عَلَيْهِ مِنْهُمْ نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْمُحَارِبِينَ فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُحَارِبُ عِنْدَنَا مَنْ حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِصْرٍ أَوْ خَلَاءٍ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ ثَائِرَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ، وَلَا دَخَلَ وَلَا عَدَاوَةَ، قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ وَالطَّرِيقِ وَالدِّيَارِ، مُخْتَفِيًا لَهُمْ بِسِلَاحِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ، لَيْسَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِيهِ عَفْوٌ وَلَا قَوْدٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي مَسْأَلَةِ إِثْبَاتِ الْمُحَارَبَةِ فِي الْمِصْرِ عَنْ مَالِكٍ فَأَثْبَتَهَا مَرَّةً وَنَفَاهَا أُخْرَى. نَقُولُ: وَالصَّوَابُ الْإِثْبَاتُ ; لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ مَذْهَبِهِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ انْتِفَاءَ الْعَدَاوَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَسْبَابِ ; لِيَتَحَقَّقَ كَوْنُ ذَلِكَ مُحَارَبَةً لِلشَّرْعِ وَمُقَاوَمَةً لِلسُّلْطَةِ الَّتِي تُنَفِّذُهُ، وَفِي حَاشِيَةِ الْمُقْنِعِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ تَلْخِيصٌ لِمَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، هَذَا نَصُّهُ: " يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِينَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: (١) أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ فَلَيْسُوا مُحَارِبِينَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مَنْ يَقْصِدُهُمْ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، فَإِنْ
عَرَضُوا بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَةِ فَهُمْ مُحَارِبُونَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسُوا مُحَارِبِينَ.

صفحة رقم 296

(٢) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ لَمْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلِأَنَّ فِي الْمِصْرِ يَلْحَقُ الْغَوْثُ غَالِبًا، فَتَذْهَبُ شَوْكَةُ الْمُعْتَدِينَ، وَيَكُونُونَ مُخْتَلِسِينَ، وَالْمُخْتَلِسُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حُكْمُهُمْ فِي الْمِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ لِتَنَاوُلِ الْآيَةِ بِعُمُومِهَا كُلَّ مُحَارِبٍ ; وَلِأَنَّهُ فِي الْمِصْرِ أَعْظَمُ ضَرَرًا فَكَانَ أَوْلَى.
(٣) أَنْ يَأْتُوا مُجَاهَرَةً وَيَأْخُذُوا الْمَالَ قَهْرًا، فَأَمَّا إِنْ أَخَذُوهُ مُخْتَفِينَ فَهُمْ سُرَّاقٌ، وَإِنِ اخْتَطَفُوهُ وَهَرَبُوا فَهُمْ مُنْتَهِبُونَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ خَرَجَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ عَلَى آخِرِ قَافِلَةٍ فَاسْتَلَبُوا مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ، وَإِنْ خَرَجُوا عَلَى عَدَدٍ يَسِيرٍ فَقَهَرُوهُمْ، فَهُمْ قُطَّاعُ طَرِيقٍ " انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْمُسْتَقِلِّينَ بِالْفَهْمِ: إِنَّ أَكْثَرَ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ، لَا يُوجَدُ لَهَا أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ دَلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى أَنَّ هَذَا الْعِقَابَ خَاصٌّ بِمَنْ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بِالسَّلْبِ وَالنَّهْبِ، أَوِ الْقَتْلِ، أَوْ إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ - أَوْ مِنْهُ - الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْأَعْرَاضِ إِذَا كَانُوا مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بِقُوَّةٍ يَمْتَنِعُونَ بِهَا مِنَ الْإِذْعَانِ وَالْخُضُوعِ لِشَرْعِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا حَيْثُ يُقَامُ شَرْعُهُ الْعَادِلُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. فَمَنِ اشْتَرَطَ حَمْلَهُمُ السِّلَاحَ أَخَذَ شَرْطَهُ مِنْ كَوْنِ الْقُوَّةِ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا ذَانِكَ الْأَمْرَانِ إِنَّمَا هِيَ قُوَّةُ السِّلَاحِ، وَهُوَ لَوْ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ يُوجَدُ أَوْ سَيُوجَدُ مَوَادُّ تَفْعَلُ فِي الْإِفْسَادِ وَالْإِعْدَامِ وَتَخْرِيبِ الدُّورِ، وَكَذَا فِي الْحِمَايَةِ وَالْمُقَاوَمَةِ أَشَدَّ مِمَّا يَفْعَلُ السِّلَاحُ - كَالدِّينَامِيتِ الْمَعْرُوفِ الْآنَ - أَلَا تَرَاهُ فِي حُكْمِ السِّلَاحِ؟ يَقُولُ: بَلَى، وَمَنِ اشْتَرَطَ خَارِجَ الْمِصْرِ رَاعَى الْأَغْلَبَ، أَوْ أَخَذَ مِنْ حَالِ زَمَنِهِ أَنَّ الْمِصْرَ لَا يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ. وَمَا اشْتَرَطَ أَحَدٌ شَرْطًا غَيْرَ صَحِيحٍ أَوْ غَيْرَ مُطَّرِدٍ إِلَّا وَلَهُ وَجْهٌ انْتَزَعَهُ مِنْهُ.
أَمَّا ذَلِكَ الْجَزَاءُ الَّذِي يُعَاقَبُ بِهِ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْمُفْسِدِينَ بِالْقُوَّةِ فَهُوَ (أَنْ يُقَتَّلُوا
أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ). التَّقْتِيلُ: هُوَ التَّكْثِيرُ، أَوِ التَّكْرَارُ، أَوِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْقَتْلِ، فَأَمَّا مَعْنَى التَّكْرَارِ أَوِ التَّكْثِيرِ فَلَا يَظْهَرُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كُلَّمَا ظَفِرْتُمْ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ مِنْهُمْ فَاقْتُلُوهُ، وَأَمَّا الْمُبَالَغَةُ فَتَظْهَرُ بِكَوْنِ الْقَتْلِ حَتْمًا لَا هَوَادَةَ فِيهِ، وَلَا عَفْوَ مِنْ وَلِيِّ الدَّمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ إِذَا قَدَرْنَا عَلَى الْقَاتِلِ مِنْهُمْ نَقْتُلُهُ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الدَّمِ أَوْ رَضِيَ بِالدِّيَةِ. وَالتَّصْلِيبُ: التَّكْرَارُ أَوِ الْمُبَالَغَةُ فِي الصَّلْبِ، فَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي التَّقْتِيلِ، وَيُمْكِنُ تَكْرَارُ صَلْبِ الْوَاحِدِ عَلَى قَوْلِ

صفحة رقم 297

مَنْ قَالَ: إِنِ الصَّلْبَ يَكُونُ بَعْدَ الْقَتْلِ لِأَجْلِ الْعِبْرَةِ، فَيُصْلَبُ الْمُجْرِمُ فِي النَّهَارِ، وَتُحْفَظُ جُثَّتُهُ لَيْلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ فِي النَّهَارِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصْلَبُ بَعْدَ الْقَتْلِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُصْلَبُونَ أَحْيَاءَ لِيَمُوتُوا بِالصَّلْبِ كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ الصَّلْبُ عُقُوبَةً ثَانِيَةً، وَأَصْلُ مَعْنَى الصَّلَبِ بِالتَّحْرِيكِ وَالصَّلِيبِ فِي اللُّغَةِ: الْوَدَكُ (الدُّهْنُ) أَوْ وَدَكُ الْعِظَامِ الَّتِي يُعَدُّ صُلْبُ الظَّهْرِ جِذْعَ شَجَرَتِهَا، وَالصَّدِيدُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْمَيِّتِ. قَالَ فِي اللِّسَانِ: وَالصَّلْبُ مَصْدَرُ صَلَبَهُ يَصْلِبُهُ - بِكَسْرِ اللَّامِ - صَلْبًا، وَأَصْلُهُ مِنَ الصَّلِيبِ، وَهُوَ الْوَدَكُ أَوِ الصَّدِيدُ، وَالصَّلْبُ هَذِهِ الْقِتْلَةُ الْمَعْرُوفَةُ مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ صَلَبَهُ يَصْلُبُهُ صَلْبًا، وَصَلَّبَهُ شُدِّدَ لِلتَّكْثِيرِ... وَالصَّلِيبُ: الْمَصْلُوبُ. انْتَهَى. وَيَعْنِي بِالْقِتْلَةِ الْمَعْرُوفَةِ أَنْ يُرْبَطَ الشَّخْصُ عَلَى خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ مَمْدُودَ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَمُوتَ، وَكَانُوا يَطْعَنُونَ الْمَصْلُوبَ لِيُعَجِّلُوا مَوْتَهُ، وَالشَّكْلُ الَّذِي يُشْبِهُ الْمَصْلُوبَ يُسَمَّى صَلِيبًا.
وَأَمَّا تَقْطِيعُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ، فَمَعْنَاهُ إِذَا قُطِعَتِ الْيَدُ الْيُمْنَى تُقْطَعُ الرِّجْلُ الْيُسْرَى، وَفِي هَذَا نَوْعٌ مَا مِنَ التَّكْرَارِ، فَصِيغَةُ التَّفْعِيلِ فِيهِ أَظْهَرُ مِمَّا قَبْلَهُ. وَمَا قُطِعَ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ يُحْسَمُ فِي الْحَالِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَالْحَسْمُ: كَيُّ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ بِالنَّارِ أَوْ بِالزَّيْتِ وَهُوَ يَغْلِي ; لِكَيْلَا يَسْتَنْزِفَ الدَّمُ وَيَمُوتَ صَاحِبُهُ، وَفِي مَعْنَى الْحَسْمِ كُلُّ عِلَاجٍ يَحْصُلُ بِهِ الْمُرَادُ، وَرُبَّمَا كَانَ الْأَفْضَلُ مَا كَانَ أَسْرَعَ تَأْثِيرًا وَأَقَلَّ إِيلَامًا وَأَسْلَمَ عَاقِبَةً، عَمَلًا بِحَدِيثِ " إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ.
وَأَمَّا النَّفْيُ مِنَ الْأَرْضِ فَيَحْتَمِلُ لَفْظُ الْآيَةِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً مَعْطُوفَةً عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَأَنْ يَكُونَ " أَوْ " بِمَعْنَى " إِلَّا أَنْ " أَيْ جَزَاؤُهُمْ مَا ذُكِرَ قَبْلُ، إِلَّا أَنْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ بِالْمُطَارَدَةِ، وَيُخْرَجُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ الَّتِي لَا حُكْمَ وَلَا سُلْطَانَ لِلْإِسْلَامِ فِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وَعَنِ السُّدِّيِّ وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُمْ يُطْلَبُونَ حَتَّى يُؤْخَذُوا أَوْ يَضْطَرُّهُمُ الطَّلَبُ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ وَالْحَرْبِ إِذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُضْطَرُّ إِلَى الدُّخُولِ فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْمُخْتَارِ أَنْ يُنْفَى الْمُحَارِبُونَ مِنْ بَلَدِهِمْ أَوْ قُطْرِهِمُ الَّذِي أَفْسَدُوا فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ; أَيْ إِذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ، فَإِذَا كَانُوا كُفَّارًا جَازَ نَفْيُهُمْ إِلَى بَعْضِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَإِلَى بِلَادِ الْكُفْرِ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْأَرْضِ فِي الْآيَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ فِيهِ لِبِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَكُونَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ الْفَسَادُ مِنْهَا. وَحِكْمَةُ نَفْيِهِمْ إِلَى غَيْرِ تِلْكَ الْأَرْضِ وَرَاءَ كَوْنِ النَّفْيِ عِقَابًا ظَاهِرَةٌ ; وَهِيَ أَنَّ بَقَاءَهُمْ فِي الْأَرْضِ الَّتِي أَفْسَدُوا فِيهَا يُذَكِّرُهُمْ، وَيُذَكِّرُ أَهْلَهَا دَائِمًا بِمَا كَانَ مِنْهُمْ، وَهِيَ

صفحة رقم 298

ذِكْرَى سَيِّئَةٌ قَدْ تَعْقُبُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا التَّفْسِيرَ لِلنَّفْيِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقِيلَ: يُنْفَى إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَيُسْجَنُ فِيهِ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ: إِنِ النَّفْيَ هُوَ السَّجْنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَغْرَبُ الْأَقْوَالِ، فَالْحَبْسُ عُقُوبَةٌ غَيْرُ عُقُوبَةِ النَّفْيِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الْأَرْضِ، تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَالْمَقَامُ مَقَامُ بَيَانِ حُدُودِ اللهِ، لَا التَّعْزِيرُ الْمُفَوَّضُ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الْعُقُوبَتَيْنِ فِي بَيَانِ اللهِ لِنَبِيِّهِ مَا كَانَ يَكِيدُ لَهُ الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) (٨: ٣٠) رَوَى أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ أَنَّ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ سَأَلَهُ: هَلْ تَدْرِي مَا ائْتَمَرُوا بِكَ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُرِيدُونَ أَنْ يَسْجُنُونِي أَوْ يَقْتُلُونِي أَوْ يُخْرِجُونِي ".
هَذِهِ أَرْبَعُ عُقُوبَاتٍ لِلْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي كَيْفِيَّةِ تَنْفِيذِهَا ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ لِلتَّخْيِيرِ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُمْ، بِمَا شَاءَ مِنْهَا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا لِتَفْصِيلِ أَنْوَاعِ الْعِقَابِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، جَعَلَ
اللهُ لِهَذَا الْإِفْسَادِ دَرَجَاتٍ مِنَ الْعِقَابِ ; لِأَنَّ إِفْسَادَهُمْ مُتَفَاوِتٌ ; مِنْهُ الْقَتْلُ، وَمِنْهُ السَّلْبُ، وَمِنْهُ هَتْكُ الْأَعْرَاضِ، وَمِنْهُ إِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ ; أَيْ قَطْعُ الشَّجَرِ، وَقَطْعُ الزَّرْعِ، وَقَتْلُ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ جَرِيمَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، فَلَيْسَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِي مُعَاقَبَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِمَا شَاءَ مِنْهَا، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُعَاقِبَ كُلًّا بِقَدْرِ جُرْمِهِ وَدَرَجَةِ إِفْسَادِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِقَدْرِ الْجَرَائِمِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَجَاءُوا فِيهِ بِفُرُوعٍ كَثِيرَةٍ تَرْجِعُ إِلَى الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِي التَّقْدِيرِ وَمُرَاعَاةِ مَا وَرَدَ مِنَ الْحُدُودِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ، كَقَتْلِ الْقَاتِلِ وَقَطْعِ آخِذِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ كَالسَّارِقِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالسَّلْبِ، وَالنَّفْيِ لِمَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ مَالًا، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَعْضِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا تَنْفِيهِ ; فَهُوَ اجْتِهَادٌ حَسَنٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بِهَا، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ كَافٍ ; لِأَنَّ لِلْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ أَعْمَالًا أُخْرَى أَشَرْنَا إِلَى أُمَّهَاتِهَا آنِفًا، فَإِذَا قَامَتْ عِصَابَةٌ مُسَلَّحَةٌ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ بِخَطْفِ الْعَذَارَى أَوِ الْمُحْصَنَاتِ لِأَجْلِ الْفُجُورِ بِهِنَّ، أَوْ بِخَطْفِ الْأَوْلَادِ لِأَجْلِ بَيْعِهِمْ أَوْ فِدْيَتِهِمْ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا تُعَدُّ مِنَ الْمُخَرِّبِينَ الْمُفْسِدِينَ، فَمَا حُكْمُ اللهِ فِيهِمْ؟ إِنَّ الْآيَةَ حَدَّدَتْ لِعِقَابِ الْمُفْسِدِينَ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ وَالْعَصَبِيَّةِ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَتَرَكَتْ لِأُولِي الْأَمْرِ الِاجْتِهَادَ فِي تَقْدِيرِهَا بِقَدْرِ جَرَائِمِهِمْ، فَلَا هِيَ خَيَّرَتِ الْإِمَامَ بِأَنْ يَحْكُمَ بِمَا شَاءَ مِنْهَا عَلَى مَنْ شَاءَ بِحَسَبِ هَوَاهُ، وَلَا هِيَ جَعَلَتْ لِكُلِّ مَفْسَدَةٍ عُقُوبَةً مُعَيَّنَةً مِنْهَا، وَالْحِكْمَةُ فِي عَدَمِ تَعْيِينِ الْآيَةِ وَتَفْصِيلِهَا لِلْفُرُوعِ وَالْجُزْئِيَّاتِ هِيَ أَنَّ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ كَثِيرَةٌ

صفحة رقم 299

وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَضَرَرُهَا يَخْتَلِفُ كَذَلِكَ، وَالْفُرُوعُ تَكْثُرُ فِيهَا، حَتَّى إِنَّ تَفْصِيلَهَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا فِي صُحُفٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْ خَصَائِصِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كِتَابُ هِدَايَةٍ رُوحِيَّةٍ، لَيْسَ لِأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْهُ إِلَّا الْحَظُّ الْقَلِيلُ ; إِذْ وَكَلَ أَكْثَرَهَا إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَيَّنَ بِإِيجَازِهِ الْمُعْجِزِ الضَّرُورِيَّ مِنْهَا بِعِبَارَةٍ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا مَا يَمْلَأُ عِدَّةَ صُحُفٍ، كَهَذِهِ الْآيَةِ وَآيَاتِ الْمَوَارِيثِ، وَالْقَاعِدَةُ فِي الْإِسْلَامِ: أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ بِخُصُوصِهِ يَسْتَنْبِطُ أُولُو الْأَمْرِ حُكْمَهُ مِنَ النُّصُوصِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي دَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَحِفْظِ الْمَصَالِحِ. وَالْعُلَمَاءُ
الْمُسْتَقِلُّونَ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ، فَلِهَذَا بَيَّنُوا مَا وَصَلَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ ; لِيُسَهِّلُوا عَلَى الْحُكَّامِ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ فَهْمَ النُّصُوصِ، وَيُمَهِّدُوا لَهُمْ طُرُقَ الِاجْتِهَادِ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ، وَلَوْ كَانَ مُسْلِمُو هَذَا الْعَصْرِ كَمُسْلِمِي السَّلَفِ لَفَعَلَ أَئِمَّتُهُمْ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ مِنْ جَمْعِ أُولِي الْأَمْرِ (أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَكُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ) لِلتَّشَاوُرِ فِي كُلِّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا سُنَّةً مُتَّبَعَةً، وَلَاسْتَشَارُوهُمْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِقَدْرِ تَأْثِيرِ الْمَفَاسِدِ وَضَرَرِهَا، وَأَنْفَذُوا مَا يَتَقَرَّرُ بَعْدَ الشُّورَى فِي كُلِّ مَا حَدَثَ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ. رَاجِعْ تَفْسِيرَ (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٤: ٥٩) (ص١٤٦ - ١٨٠ ج٥ ط الْهَيْئَةِ).
وَعُلِمَ بِهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ قَالَهُ عُلَمَاءُ السَّلَفِ لَهُ وَجْهٌ، وَإِنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ قَوْلَ بَعْضٍ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فَوَجْهُهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَطْفُ بِأَوْ، لَا يَعْنِي بِالتَّخْيِيرِ أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ بِالْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، بَلْ بِالِاجْتِهَادِ وَمُرَاعَاةِ مَا تُدْرَأُ بِهِ الْمَفْسَدَةُ وَتَقُومُ الْمَصْلَحَةُ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْأَمْرِ، كَيْفَ وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لِلْحُكْمِ؟ وَمَنْ وَضَعَ كُلَّ عُقُوبَةٍ بِإِزَاءِ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُفْسِدِينَ فَإِنَّمَا بَيَّنَ رَأْيَهُ وَاجْتِهَادَهُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَدْرَأُ الْمَفْسَدَةَ، وَتَقُومُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ، كَمَا يُبَيِّنُونَ فَهْمَهُمْ وَاجْتِهَادَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَلَا يُوجِبُونَ، بَلْ لَا يُجِيزُونَ لِأَحَدٍ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَتَّخِذَ فَهْمَهُمْ أَوْ رَأْيَهُمْ دِينًا يُتَّبَعُ، وَإِنَّمَا هُوَ إِعَانَةٌ لِلْبَاحِثِ وَالنَّاظِرِ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْمُسْتَقِلَّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِذَا نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَعْرِفْ لِغَيْرِهِ رَأَيًا فِيهَا يَكُونُ مَجَالُ نَظَرِهِ أَضْيَقَ مِنْ مَجَالِ مَنْ عَرَفَ أَقْوَالَ النَّاسِ وَآرَاءَهُمْ، وَكَمْ مِنْ عَالِمٍ مُجْتَهِدٍ قَالَ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ; إِمَّا إِلَى رَأْيِهِمْ، وَإِمَّا إِلَى رَأْيٍ جَدِيدٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَانَ لِلشَّافِعِيِّ مَذْهَبٌ قَدِيمٌ وَمَذْهَبٌ جَدِيدٌ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَقِلِّينَ إِنَّ أَكْثَرَ مَا قَالُوهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ.
إِذَا عَلِمْتَ هَذَا، فَهَاكَ أَشْهَرُ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ صَاحِبُ (الْمُقْنِعِ) مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ فِي بَابِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ ; فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ، وَأَخَذَ

صفحة رقم 300

الْمَالَ قُتِلَ حَتْمًا، وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ (مِنْ فُقَهَائِهِمْ) :
" يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلْبِ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ. وَإِنْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ، فَهَلْ يُقْتَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ " إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي عَزَوْنَاهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ تَفْصِيلٍ وَذِكْرِ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَالَ مُحَشِّيهِ مَا نَصُّهُ: " قَوْلُهُ وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ... إِلَخْ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَحَمَّادٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ ; لِأَنَّ (أَوْ) تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو الزِّنَادِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ فَرَآهُ الْإِمَامُ جَلْدًا ذَا رَأْيٍ قَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَا رَأْيَ لَهُ قَطَعَهُ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِعْلُهُ " انْتَهَى. أَيْ إِنَّ مَالِكًا يَعْتَبِرُ حَالَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي الْعِقَابِ، لَا عَمَلُهُ وَحْدَهُ، وَالْجَلْدُ: الْقَوِيُّ صَاحِبُ الثَّبَاتِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْقُوَّةُ مَعَ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ كَانَ الْفَسَادُ أَقْوَى، وَالْعَاقِبَةُ شَرًّا. وَذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ أَقْوَالًا كَثِيرَةً لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ; مِنْهَا أَقْوَالُ أَئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ، فَلْيُرَاجِعْهَا مَنْ شَاءَ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الْعِقَابِ خِزْيٌ لِأُولَئِكَ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ; أَيْ ذُلٌّ وَفَضِيحَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ; لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَقَالَ: (لَهُمْ خِزْيٌ) وَلَمْ يَقُلْ " خِزْيٌ لَهُمْ " ; لِيُفِيدَ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِمْ، دُونَ الْأَفْرَادِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ، وَمُغْتَرِّينَ بِالْقُوَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّ عَذَابَهُمْ فِي الْآخِرَةِ يَكُونُ عَظِيمًا بِقَدْرِ تَأْثِيرِ إِفْسَادِهِمْ فِي تَدْنِيسِ أَرْوَاحِهِمْ وَتَدْسِيَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَا لَهُ مِنْ تَأْثِيرٍ!.
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) اسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنَ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، الَّذِينَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأَشَدِّ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ، مَنْ يَتُوبُونَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَتَمَكُّنِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ عِقَابِهِمْ ; فَإِنَّ تَوْبَتَهُمْ، وَهُمْ فِي قُوَّتِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ، جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ تَوْبَةً نَصُوحًا، مَنْشَؤُهَا الْعِلْمُ بِقُبْحِ عَمَلِهِمْ، وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ، لَا الْخَوْفُ مِنْ عِقَابِ الدُّنْيَا، وَهَبْ أَنَّهُ الْخَوْفُ مِنْ عِقَابِ الدُّنْيَا، أَلَيْسُوا قَدْ تَرَكُوا الْإِفْسَادَ وَمُحَارَبَةَ شَرْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَصَارُوا كَسَائِرِ النَّاسِ؟ بَلَى! وَإِذًا لَا يُجْمَعُ لَهُمْ بَيْنَ أَشَدِّ عِقَابِ الشَّرْعِ
فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ ; وَلِذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ بِهَذِهِ التَّوْبَةِ أَهْلًا لِمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَقَالَ: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أَيْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ، وَيَرْحَمُهُمْ بِرَفْعِ الْعِقَابِ عَنْهُمْ، وَهَلِ الَّذِي يَرْتَفِعُ عَنْهُمْ عِقَابُ الْآخِرَةِ فَقَطْ كَمَا قَالُوا فِي تَوْبَةِ السَّارِقِ؟ (وَسَيَأْتِي حَدُّهُ وَحُكْمُهُ بَعْدَ ثَلَاثِ آيَاتٍ) أَمْ يَرْتَفِعُ عَنْهُمْ

صفحة رقم 301

حَقُّ اللهِ كُلُّهُ مِنْ عِقَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ إِلَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ؟ وَإِذًا يَكُونُ لِمَنْ سَلَبَ التَّائِبُ أَمْوَالَهُمْ أَيَّامَ إِفْسَادِهِ أَنْ يُطَالِبُوهُ بِهَا، وَلِمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَنْ يُطَالِبُوهُ بِدَمِهِ، وَلَهُمُ الْخِيَارُ كَغَيْرِهِمْ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْعَفْوِ، أَمْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ حُقُوقُ اللهِ كُلُّهَا، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ كُلُّهَا أَيْضًا؟ احْتِمَالَاتٌ آخِرُهَا أَضْعَفُهَا، وَأَوْسَطُهَا أَقْوَاهَا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ إِسْقَاطُ الْحَدِّ عَمَّنْ تَابَ، وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ أَنَّ أَحَدًا تَقَاضَى التَّائِبَ حَقًّا، وَلَمْ يَسْمَعْ لَهُ الْإِمَامُ. وَإِذَا جَازَ إِسْقَاطُ الْحَدِّ مُطْلَقًا عَنِ التَّائِبِ فَلَا يَجُوزُ إِسْقَاطُ الْمَالِ عَنْهُ مُطْلَقًا؛ بَلْ يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَوْبَتَهُ لَا تَصِحُّ إِلَّا إِذَا أَعَادَ الْأَمْوَالَ الْمَسْلُوبَةَ إِلَى أَرْبَابِهَا، فَإِذَا رَأَى أُولُو الْأَمْرِ إِسْقَاطَ حَقٍّ مَالِيٍّ عَنِ الْمُفْسِدِينَ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَجَبَ أَنْ يَضْمَنُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي هَؤُلَاءِ التَّائِبِينَ، فَقِيلَ إِنَّهُمُ الْمُحَارِبُونَ الْمُفْسِدُونَ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا تَابُوا عَنِ الْكُفْرِ وَالْحَرْبِ وَالْفَسَادِ وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَهُمُ الَّذِينَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ كُلُّ حَقٍّ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مُطْلَقًا، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا فِي الْمُحَارِبِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ كَانَ مُحَارِبًا فِي عَهْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، فَطَلَبَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ مِنِ ابْنِ جَعْفَرٍ، عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ، أَنْ يَسْتَأْمِنَ لَهُ عَلِيًّا، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، فَأَتَى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ فَقَبِلَهُ. (قَالَ الرَّاوِي) : فَلَمَّا صَلَّى عَلِيٌّ الْغَدَاةَ أَتَاهُ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَقَرَأَ عَلِيٌّ الْآيَتَيْنِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: وَإِنْ كَانَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ، قَالَ: فَهَذَا حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ جَاءَ تَائِبًا، فَهُوَ آمِنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَجَاءَ بِهِ فَبَايَعَهُ، وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ حُقُوقِ النَّاسِ. وَقَدِ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي التَّائِبِ أَنْ يَسْتَأْمِنَ الْإِمَامَ
فَيُؤَمِّنَهُ، كَمَا فَعَلَ حَارِثَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْبَلَ كُلَّ تَائِبٍ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ وَاقِعَةَ مُحَارِبٍ جَاءَ أَبَا مُوسَى تَائِبًا، وَكَانَ عَامِلَ عُثْمَانَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَقَبِلَ مِنْهُ، وَوَاقِعَةَ عَلِيٍّ الْأَسَدِيِّ الَّذِي حَارَبَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَصَابَ الدَّمَ، ثُمَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) (٣٩: ٥٣) الْآيَةَ، فَاسْتَعَادَهَا، فَأَعَادَهَا الْقَارِئُ، فَغَمَدَ سَيْفَهُ، وَجَاءَ الْمَدِينَةَ تَائِبًا بَعْدَ أَنْ عَجَزَتِ الْحُكُومَةُ وَالنَّاسُ عَنْهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَاءَ بِهِ إِلَى وَالِي الْمَدِينَةِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَقَالَ لَهُ: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَلَا قَتْلَ، فَتُرِكَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

صفحة رقم 302

(خُلَاصَةُ الْآيَتَيْنِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِ وَطَاعَةُ الْأَئِمَّةِ) قَدْ عُلِمَ مِنَ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ خَاصَّتَانِ بِعِقَابِ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ; أَيِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَعْمَالًا مُخِلَّةً بِالْأَمْنِ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، مُعْتَصِمِينَ فِي ذَلِكَ بِقُوَّتِهِمْ، غَيْرَ مُذْعِنِينَ لِلشَّرِيعَةِ بِاخْتِيَارِهِمْ. فَيَجِبُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْحُكَّامِ أَنْ يُطَارِدُوهُمْ وَيَتْبَعُوهُمْ، فَإِذَا قَدَرُوا عَلَيْهِمْ عَاقَبُوهُمْ بِتِلْكَ الْعُقُوبَاتِ، بَعْدَ تَقْدِيرِ كُلِّ مَفْسَدَةٍ بِقَدْرِهَا، وَمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَسَدِّ ذَرِيعَةِ الْفَسَادِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا يُعَاقَبُ بِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ النَّاسِ.
وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْخَوَارِجِ، وَأَوْرَدُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُنْبِئَةِ بِصِفَاتِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فِي عَهْدِ خِلَافَتِهِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ قَاتَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَوَارِجَ بِرَأْيِ مَنْ مَعَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعَامِلْهُمْ بِعُقُوبَاتِ آيَةِ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُمُ الْإِفْسَادَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَخْرِيبَ الْعُمْرَانِ وَإِزَالَةَ الْأَمْنِ، وَإِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ بَعْدَ الْبَيْعَةِ مُتَأَوِّلِينَ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ زَلَّ عَنْ صِرَاطِ الْحَقِّ، وَتَجَاوَزَ تَحْكِيمَ الشَّرْعِ إِلَى الرَّأْيِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَحُكْمِ مَنْ يَخْرُجُ ; لِاخْتِلَافِ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالصَّبْرِ وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَمُقَاوَمَةِ
الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ، وَلَمْ أَرَ قَوْلًا لِأَحَدٍ جَمَعَ بِهِ بَيْنَ كُلِّ مَا وَرَدَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَوَضَعَ كُلًّا مِنْهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ وُرُودِهِ، مُرَاعِيًا اخْتِلَافَ الْحَالَاتِ فِي ذَلِكَ، مُبَيِّنًا مَفْهُومَاتِ الْأَلْفَاظِ بِحَسَبِ مَا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ بِهِ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ. مِثَالُ هَذَا لَفْظُ " الْجَمَاعَةِ " إِنَّمَا كَانَ يُرَادُ بِهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تُقِيمُ أَمْرَ الْإِسْلَامِ بِإِقَامَةِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ صَارَتْ كُلُّ دَوْلَةٍ أَوْ إِمَارَةٍ مِنْ دُوَلِ الْمُسْلِمِينَ تَحْمِلُ كَلِمَةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنْ هَدَمَتِ السُّنَّةَ وَأَقَامَتِ الْبِدْعَةَ وَعَطَّلَتِ الْحُدُودَ وَأَبَاحَتِ الْفُجُورَ، وَمِثَالُ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ تَعَدُّدُ الدُّوَلِ؛ فَأَيُّهَا تَجِبُ طَاعَتُهُ وَالْوَفَاءُ بِبَيْعَتِهِ؟ وَإِذَا قَاتَلَ أَحَدُهَا الْآخَرَ؛ فَأَيُّهَا يُعَدُّ الْبَاغِيَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُ حَتَّى يَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ؟ كُلُّ قَوْمٍ يُطَبِّقُونَ النُّصُوصَ عَلَى أَهْوَائِهِمْ مَهْمَا كَانَتْ ظَاهِرَةً.
وَمِنَ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا قَوْلًا وَاعْتِقَادًا أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، " وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ "، وَأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى الْحَاكِمِ الْمُسْلِمِ إِذَا ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَاجِبٌ، وَأَنَّ إِبَاحَةَ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ; كَالزِّنَا وَالسُّكْرِ وَاسْتِبَاحَةِ إِبْطَالِ الْحُدُودِ، وَشَرْعِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، كُفْرٌ

صفحة رقم 303

وَرِدَّةٌ، وَأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الدُّنْيَا حُكُومَةٌ عَادِلَةٌ تُقِيمُ الشَّرْعَ وَحُكُومَةٌ جَائِرَةٌ تُعَطِّلُهُ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُ الْأُولَى مَا اسْتَطَاعَ، وَأَنَّهُ إِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أُخْرَى، وَجَرَّدَتْ عَلَيْهَا السَّيْفَ، وَتَعَذَّرَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِتَالُ الْبَاغِيَةِ الْمُعْتَدِيَةِ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ، وَمَا وَرَدَ فِي الصَّبْرِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ - إِلَّا إِذَا كَفَرُوا - مَعَارَضٌ بِنُصُوصٍ أُخْرَى، وَالْمُرَادُ بِهِ اتِّقَاءُ الْفِتْنَةِ وَتَفْرِيقُ الْكَلِمَةِ الْمُجْتَمِعَةِ، وَأَقْوَاهَا حَدِيثُ: " وَأَلَّا تُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا ". قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعْصِيَةُ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُنَازَعَةَ الْإِمَامِ الْحَقِّ فِي إِمَامَتِهِ لِنَزْعِهَا مِنْهُ لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا كَفَرَ كُفْرًا ظَاهِرًا، وَكَذَا عُمَّالُهُ وَوُلَاتُهُ، وَأَمَّا الظُّلْمُ وَالْمَعَاصِي فَيَجِبُ إِرْجَاعُهُ عَنْهَا مَعَ بَقَاءِ إِمَامَتِهِ وَطَاعَتِهِ فِي الْمَعْرُوفِ دُونَ الْمُنْكَرِ، وَإِلَّا خُلِعَ وَنُصِّبَ غَيْرُهُ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ خُرُوجُ الْإِمَامِ الْحُسَيْنِ سِبْطِ الرَّسُولِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِمَامِ الْجَوْرِ وَالْبَغْيِ الَّذِي وَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقُوَّةِ وَالْمَكْرِ، يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ خَذَلَهُ اللهُ وَخَذَلَ مَنِ انْتَصَرَ لَهُ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَالنَّوَاصِبِ
الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يَسْتَحِبُّونَ عِبَادَةَ الْمُلُوكِ الظَّالِمِينَ عَلَى مُجَاهَدَتِهِمْ لِإِقَامَةِ الْعَدْلِ وَالدِّينِ. وَقَدْ صَارَ رَأْيُ الْأُمَمِ الْغَالِبُ فِي هَذَا الْعَصْرِ وُجُوبَ الْخُرُوجِ عَلَى الْمُلُوكِ الْمُسْتَبِدِّينَ الْمُفْسِدِينَ، وَقَدْ خَرَجَتِ الْأُمَّةُ الْعُثْمَانِيَّةُ عَلَى سُلْطَانِهَا عَبْدِ الْحَمِيدِ خَانْ، فَسَلَبَتِ السُّلْطَةَ مِنْهُ وَخَلَعَتْهُ بِفَتْوَى مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَتَحْرِيرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِمُصَنَّفٍ خَاصٍّ، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَرَجَّحَ الْحَقَّ عَلَى الْهَوَى.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ).
ذَكَرَ الرَّازِيُّ أَنَّ وَجْهَ الِاتِّصَالِ وَالتَّنَاسُبِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا قَبْلَهَا، يَرْجِعُ إِلَى سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ جَاءَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ السِّيَاقِ أَنَّ الْيَهُودَ قَدْ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الرَّسُولِ وَبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ بِالسُّوءِ وَقَصْدِ الِاغْتِيَالَ، لِمَا

صفحة رقم 304

كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعُتُوِّ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَشِدَّةِ الْإِيذَاءِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا هُمْ وَالنَّصَارَى مَغْرُورِينَ بِدِينِهِمْ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، فَأَرْشَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَّقُوهُ وَيَبْتَغُوا إِلَيْهِ وَحْدَهُ الْوَسِيلَةَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا يَكُونُوا كَأَهْلِ الْكِتَابِ فِي افْتِتَانِهِمْ وَغُرُورِهِمْ، هَذَا مَعْنَى مَا قَالَهُ، وَالْوَجْهُ فِي التَّنَاسُبِ عِنْدِي أَنْ يُبْنَى عَلَى أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ الَّذِي امْتَازَ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَثَانِيَ لِلْهِدَايَةِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ، لَا تَبْلَى جِدَّتُهُ، وَلَا تُمَلُّ قِرَاءَتُهُ، وَالرَّكْنُ الْأَوَّلُ لِهَذَا الْأُسْلُوبِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ مُخْتَصَرًا مُفِيدًا، تَتَخَلَّلُهُ أَسْمَاءُ اللهِ وَصِفَاتُهُ، وَالتَّذْكِيرُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَوُجُوبِ تَقْوَاهُ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَبِالدَّارِ الْآخِرَةِ وَالْجَزَاءِ فِيهَا عَلَى الْأَعْمَالِ، فَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ قَفَّى اللهُ
تَعَالَى عَلَى قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ وَمَا نَاسَبَهَا مِنْ بَيَانِ حُدُودِ الَّذِينَ يَبْغُونَ عَلَى النَّاسِ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى، وَمِنْهَا اتِّقَاءُ الْحَسَدِ وَالْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْخِزْيِ وَالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، رَجَاءَ الْفَلَاحِ وَالْفَوْزِ بِالسَّعَادَةِ، وَبِوَعِيدِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَتَّقُونَ اللهَ وَلَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ بِمَا يُرْضِيهِ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) اتِّقَاءُ اللهِ هُوَ اتِّقَاءُ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ. وَسَخَطُهُ وَعِقَابُهُ أَثَرٌ لَازِمٌ لِمُخَالَفَةِ سُنَنِهِ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ، وَمُخَالَفَةِ دِينِهِ وَشَرْعِهِ الَّذِي يَعْرُجُ بِالْأَرْوَاحِ إِلَى سَمَاءِ الْكَمَالِ. وَالْوَسِيلَةُ إِلَيْهِ هِيَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهِ ; أَيْ مَا يَجْرِي أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَثُوبَةِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إِلَّا بِتَعْرِيفِهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِهَذَا التَّعْرِيفِ بِوَحْيِهِ إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْوَسِيلَةُ التَّوَصُّلُ إِلَى الشَّيْءِ بِرَغْبَةٍ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْوَصِيلَةِ ; لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الرَّغْبَةِ... وَحَقِيقَةُ الْوَسِيلَةِ إِلَى اللهِ مُرَاعَاةُ سَبِيلِهِ بِالْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، وَتَحَرِّي مَكَارِمِ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ كَالْقُرْبَةِ. انْتَهَى. وَرُوِيَ تَفْسِيرُ الْوَسِيلَةِ بِالْقُرْبَةِ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، وَرَوَى هُوَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَفْسِيرُهَا بِالْمَحَبَّةِ، قَالَ: أَيْ تَحَبَّبُوا إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) (١٧: ٥٧) وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا الْمَسْأَلَةُ وَالْقُرْبَةُ، وَرَوَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْوَسِيلَةِ فَقَالَ: الْحَاجَةُ، قَالَ: وَهَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ عَنْتَرَةَ وَهُوَ يَقُولُ:

إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ إِنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي
وَلَمْ يَرْوِ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا، وَاسْتَدَلَّ بِالْبَيْتِ عَلَى تَفْسِيرِ الْوَسِيلَةِ بِالْقُرْبَةِ، وَإِرَادَةُ الْقُرْبَةِ مِنَ الْبَيْتِ أَظْهَرُ مِنْ إِرَادَةِ الْحَاجَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ، كَمَا لَا يُنَافِيهِ تَفْسِيرُهَا بِالْمَحَبَّةِ، فَإِنَّ

صفحة رقم 305

طَلَبَ الْحَاجَةِ مِنَ اللهِ وَمَحَبَّةَ اللهِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، وَتَفْسِيرُ الْوَسِيلَةِ بِمَا فَسَّرْنَاهَا بِهِ أَعَمُّ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلُّغَةِ. قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْوَسِيلَةُ فِي الْأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ، وَيُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَسَّرَ الْوَسِيلَةَ بِالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الْمَلِكِ وَبِالْقُرْبَةِ، وَقَالَ:
وَوَسَلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً، إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيْهِ، وَالْوَاسِلُ الرَّاغِبُ، قَالَ لَبِيدٌ:

أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِمْ بَلَى كُلُّ ذِي رَأْيٍ إِلَى اللهِ وَاسِلُ
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ مَعَانِيهَا الْوَصْلَةَ وَالْقُرْبَى. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَصْلُ الْمَعْنَى، وَيُرَجَّحُ بِهِ بَعْضُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَلَى بَعْضٍ. وَلِلْوَسِيلَةِ مَعْنًى فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مَعْنَاهَا هُنَا.
رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ، أَيِ الْأَذَانَ: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ "، وَتَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْوَسِيلَةِ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ نَقَلَةِ اللُّغَةِ أَنَّ مِنْ مَعَانِيهَا الْمَنْزِلَةَ عِنْدَ الْمَلِكِ، فَيَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْوَسِيلَةَ الْخَاصَّةَ هِيَ أَعْلَى مَنَازِلِ الْجَنَّةِ، فَمَنْ دَعَا اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّفَاعَةِ، وَهِيَ دُعَاءٌ أَيْضًا، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَالْوَسِيلَةُ فِي الْحَدِيثِ اسْمٌ لِمَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مُعَيَّنَةٍ، وَفِي الْقُرْآنِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ.
(وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) أَيْ جَاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ بِكَفِّهَا عَنِ الْأَهْوَاءِ، وَحَمْلِهَا عَلَى الْتِزَامِ الْحَقِّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَجَاهِدُوا أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يُقَاوِمُونَ دَعْوَتَهُ وَهِدَايَتَهُ لِلنَّاسِ ; فَالْجِهَادُ مِنَ الْجَهْدِ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ، وَسَبِيلُ اللهِ هِيَ طَرِيقُ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ ; فَكُلُّ جَهْدٍ يَحْمِلُهُ الْإِنْسَانُ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ، أَوْ فِي تَقْرِيرِهَا وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهَا، فَهُوَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أَيِ اتَّقُوا مَا يَجِبُ تَرْكُهُ، وَابْتَغَوْا مَا يَجِبُ فِعْلُهُ مِنْ أَسْبَابِ مَرْضَاةِ اللهِ وَقُرْبِهِ، وَاحْتَمِلُوا الْجَهْدَ وَالْمَشَقَّةِ فِي سَبِيلِهِ رَجَاءَ الْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.

صفحة رقم 306

(فَصَلٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ) بَيَّنَّا مَعْنَى الْوَسِيلَةِ فِي الْآيَةِ، وَمَا قَالَهُ رُوَاةُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ فِيهَا، وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيٍّ وَلَا أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ أَوْ عَامَّتِهِمْ أَنَّ الْوَسِيلَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى تُبْتَغَى بِغَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللهُ لِلنَّاسِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ، إِلَّا كَلِمَةً رُوِيَتْ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، لَمْ تَصِحَّ عَنْهُ، بَلْ صَحَّ عَنْهُ مَا يُنَافِيهَا، وَقَدْ حَدَثَ فِي الْقُرُونِ الْوُسْطَى التَّوَسُّلُ بِأَشْخَاصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الْمُتَّقِينَ ; أَيْ تَسْمِيَتُهُمْ وَسَائِلَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَالْإِقْسَامُ عَلَى اللهِ بِهِمْ، وَطَلَبُ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَدَفْعِ الضُّرِّ وَجَلْبِ النَّفْعِ مِنْهُمْ عِنْدَ قُبُورِهِمْ أَوْ فِي حَالِ الْبُعْدِ عَنْهَا، وَشَاعَ هَذَا وَكَثُرَ حَتَّى صَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسُ يَدْعُونَ أَصْحَابَ الْقُبُورِ فِي حَاجَاتِهِمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَوْ يَدْعُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَ " الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ " - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) (٧٢: ١٨) وَيَقُولُ: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) (٧: ١٩٤) وَيَقُولُ: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (٣٥: ١٣، ١٤) لَكِنَّ بَعْضَ الْمُصَنِّفِينَ زَعَمَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ وَيَسْتَجِيبُونَ لِلدَّاعِي، وَالْعَوَامُّ يَأْخُذُونَ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى؛ لِعُمُومِ الْجَهْلِ. وَمِنَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مَنْ يَتَأَوَّلُ لَهُمْ بِأَنَّ هَذَا مِنَ التَّوَسُّلِ بِهِمْ، وَقَدْ حَقَّقَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ الْمَوْضُوعَ بِجَمِيعِ فُرُوعِهِ، فَكَانَ مَا كَتَبَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا حَافِلًا أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ (قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ) وَقَدْ طَبَعْنَاهُ مَرَّتَيْنِ، وَمِمَّا جَاءَ فِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ بَيَانِ مَعْنَى الْوَسِيلَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ:
" وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّوَجُّهُ بِهِ فِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ، فَيُرِيدُونَ بِهِ التَّوَسُّلَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَالتَّوَسُّلُ بِهِ فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، يُرَادُ بِهِ الْإِقْسَامُ بِهِ وَالسُّؤَالُ بِهِ، كَمَا يُقْسِمُونَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَمَنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الصَّلَاحَ.
" وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ التَّوَسُّلِ بِهِ يُرَادُ بِهِ مَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى ثَالِثٌ لَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ، فَأَمَّا الْمَعْنَيَانِ الْأَوَّلَانِ الصَّحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ فَأَحَدُهُمَا
هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ، وَالثَّانِي دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَذَانِ جَائِزَانِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: " اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا "؛ أَيْ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) أَيِ الْقُرْبَةَ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ طَاعَتُهُ، قَالَ تَعَالَى:

صفحة رقم 307

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) (٤: ٨٠). فَهَذَا التَّوَسُّلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ، وَهَذَا لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ، فَإِنَّهُ تَوَسُّلٌ بِدُعَائِهِ لَا بِذَاتِهِ، وَلِهَذَا عَدَلُوا عَنِ التَّوَسُّلِ بِهِ إِلَى التَّوَسُّلِ بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَلَوْ كَانَ التَّوَسُّلُ هُوَ بِذَاتِهِ لَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِنَ التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ، فَلَمَّا عَدَلُوا عَنِ التَّوَسُّلِ بِهِ إِلَى التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ عُلِمَ أَنَّ مَا يَفْعَلُ فِي حَيَاتِهِ قَدْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ، بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَالطَّاعَةُ لَهُ ; فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ دَائِمًا.
" فَلَفَظُ التَّوَسُّلِ يُرَادُ بِهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ (أَحَدُهَا) : التَّوَسُّلُ بِطَاعَتِهِ، فَهَذَا فَرْضٌ لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ (وَالثَّانِي) : التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ وَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ (وَالثَّالِثُ) : التَّوَسُّلُ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ عَلَى اللهِ بِذَاتِهِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ تَكُنِ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ، لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ، لَا عِنْدَ قَبْرِهِ، وَلَا غَيْرِ قَبْرِهِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَدْعِيَةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ; مَرْفُوعَةٍ وَمَوْقُوفَةٍ، أَوْ عَمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً، كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
" وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَنَهَوْا عَنْهُ ; حَيْثُ قَالُوا: لَا يُسْأَلُ بِمَخْلُوقٍ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ فِي الْفِقْهِ الْمُسَمَّى بِشَرْحِ الْكَرْخِيِّ فِي بَابِ الْكَرَاهَةِ: وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ إِلَّا بِهِ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ، أَوْ بِحَقِّ خَلْقِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِهِ، هُوَ اللهُ، فَلَا أَكْرَهُ هَذَا، وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ فُلَانٍ أَوْ بِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ
وَرُسُلِكَ، وَبِحَقِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، قَالَ الْقُدُورِيُّ: الْمَسْأَلَةُ بِحَقِّهِ لَا تَجُوزُ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْخَلْقِ عَلَى الْخَالِقِ ; فَلَا تَجُوزُ وِفَاقًا.
" وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَنَّ اللهَ لَا يُسْأَلُ بِمَخْلُوقٍ، لَهُ مَعْنَيَانِ (أَحَدُهُمَا) : هُوَ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ أَنْ يُقْسِمَ أَحَدٌ بِالْمَخْلُوقِ، فَإِنَّهُ إِذَا مُنِعَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى مَخْلُوقٍ بِمَخْلُوقٍ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْخَالِقِ بِمَخْلُوقٍ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَهَذَا بِخِلَافِ إِقْسَامِهِ، سُبْحَانَهُ، بِمَخْلُوقَاتِهِ ; كَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا، وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَإِنَّ إِقْسَامَهُ بِمَخْلُوقَاتِهِ يَتَضَمَّنُ مِنْ ذِكْرِ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ مَا يَحْسُنُ مَعَهُ إِقْسَامُهُ، بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ إِقْسَامَهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ شِرْكٌ بِخَالِقِهَا، كَمَا فِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ". وَقَدْ

صفحة رقم 308

صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي لَفْظٍ " فَقَدْ كَفَرَ "، وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ "، وَقَالَ: " لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَإِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ "، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ". وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِالْمَخْلُوقَاتِ الْمُحْتَرَمَةِ، أَوْ بِمَا يَعْتَقِدُ هُوَ حُرْمَتَهُ ; كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمَلَائِكَةِ وَالصَّالِحِينَ، وَالْمُلُوكِ وَسُيُوفِ الْمُجَاهِدِينَ، وَقُرْبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِيمَانِ السَّدْقِ وَسَرَاوِيلِ الْفُتُوَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ.
" وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقَدْ حُكِيَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: هِيَ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، حَتَّى قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: لَأَنْ أَحَلِفَ بِاللهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِ اللهِ صَادِقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللهِ شِرْكٌ، وَالشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنَ الْكَذِبِ، وَإِنَّمَا نَعْرِفُ النِّزَاعَ فِي الْحَلِفِ بِالْأَنْبِيَاءِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِوَايَتَانِ: (إِحْدَاهُمَا) لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ: مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
(وَالثَّانِيَةُ) يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَالْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَافَقَ هَؤُلَاءِ،
وَقَصَرَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ النِّزَاعَ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وَعَدَّى ابْنُ عَقِيلٍ هَذَا الْحُكْمَ إِلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقٍ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْغَايَةِ، مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ وَالنُّصُوصِ، فَالْإِقْسَامُ بِهِ عَلَى اللهِ وَالسُّؤَالُ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ، هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ.
" وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ اللهُ تَعَالَى بِمَخْلُوقٍ، لَا بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(أَحَدُهُمَا) : الْإِقْسَامُ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ، كَمَا يُنْهَى أَنْ يُقْسَمَ عَلَى اللهِ بِالْكَعْبَةِ وَالْمَشَاعِرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
(وَالثَّانِي) السُّؤَالُ بِهِ، فَهَذَا يُجَوِّزُهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَنُقِلَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي دُعَاءِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، لَكِنْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، كُلُّهُ ضَعِيفٌ، بَلْ مَوْضُوعٌ، وَلَيْسَ عَنْهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةً إِلَّا حَدِيثَ الْأَعْمَى الَّذِي عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: " أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ".
" وَحَدِيثُ الْأَعْمَى لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا تَوَسَّلَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

صفحة رقم 309

وَشَفَاعَتِهِ، وَهُوَ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءَ، وَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: " اللهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ " وَلِهَذَا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ لَمَّا دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ مِنْ آيَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَوْ تَوَسَّلَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُمْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يَدْعُ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّؤَالِ بِهِ لَمْ يَكُنْ حَالُهُمْ كَحَالِهِ.
" وَدُعَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَوْلُهُ: " اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ الْمَشْرُوعَ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، لَا السُّؤَالُ بِذَاتِهِ ; إِذْ لَوْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا لَمْ يَعْدِلْ عُمَرُ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَنِ السُّؤَالِ بِالرَّسُولِ إِلَى السُّؤَالِ بِالْعَبَّاسِ، وَسَاغَ النِّزَاعُ فِي السُّؤَالِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ
دُونَ الْإِقْسَامِ بِهِمْ ; لِأَنَّ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْإِقْسَامِ فَرْقًا ; فَإِنَّ السَّائِلَ مُتَضَرِّعٌ ذَلِيلٌ يَسْأَلُ بِسَبَبٍ يُنَاسِبُ الْإِجَابَةَ، وَالْمُقْسِمُ أَعْلَى مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ طَالِبٌ مُؤَكِّدٌ طَلَبَهُ بِالْقَسَمِ، وَالْمُقْسِمُ لَا يُقْسِمُ إِلَّا عَلَى مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَبِرُّ قَسَمَهُ، فَإِبْرَارُ الْقَسَمِ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَأَمَّا إِجَابَةُ السَّائِلِينَ فَعَامٌّ، فَإِنَّ اللهَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو اللهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ ; إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مِثْلَهَا، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مِثْلَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَنْ نُكْثِرُ، قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ " (ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ).
" وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِالْأَنْبِيَاءِ بِمَعْنَى السُّؤَالِ بِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. لَيْسَ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ، فَمَنْ نَقَلَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ التَّوَسُّلَ بِهِ، بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ بِهِ أَوِ السُّؤَالِ بِهِ، فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ مَالِكٌ إِنَّ هَذَا سَبٌّ لِلرَّسُولِ أَوْ تَنْقُصٌ بِهِ، بَلِ الْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلدَّاعِي أَنْ يَقُولَ: يَا سَيِّدِي سَيِّدِي! وَقَالَ: قُلْ كَمَا قَالَتِ الْأَنْبِيَاءُ: " يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، يَا كَرِيمُ "، وَكَرِهَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ! فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَأْثُورٍ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ مِثْلَ هَذَا الدُّعَاءِ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا عِنْدَهُ أَنْ يُسْأَلَ اللهُ بِمَخْلُوقٍ، نَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا أَجْدَبُوا عَامَ الرَّمَادَةِ لَمْ يَسْأَلُوا اللهَ بِمَخْلُوقٍ، لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ قَالَ عُمَرُ: " اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا "، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَجْدَبُوا إِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِسْقَائِهِ،

صفحة رقم 310

لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ اللهَ تَعَالَى بِمَخْلُوقٍ، لَا بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، لَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَا غَيْرِهِ. وَحَدِيثُ الْأَعْمَى سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَلَوْ كَانَ السُّؤَالُ بِهِ مَعْرُوفًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ
لَقَالُوا لِعُمَرَ: إِنِ السُّؤَالَ وَالتَّوَسُّلَ بِهِ أَوْلَى مِنَ السُّؤَالِ وَالتَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ، فَلِمَ نَعْدِلُ عَنِ الْأَمْرِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي كُنَّا نَفْعَلُهُ فِي حَيَاتِهِ، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِأَفْضَلِ الْخَلْقِ، إِلَى أَنْ نَتَوَسَّلَ بِبَعْضِ أَقَارِبِهِ؟ وَفِي ذَلِكَ تَرْكُ السُّنَّةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَعُدُولٌ عَنِ الْأَفْضَلِ، وَسُؤَالُ اللهِ تَعَالَى بِأَضْعَفِ السَّبَبَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَعْلَاهُمَا، وَنَحْنُ مُضْطَرُّونَ غَايَةَ الِاضْطِرَارِ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْجَدْبِ، وَالَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ فَعَلَ مِثْلَهُ مُعَاوِيَةُ بِحَضْرَةِ مَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَتَوَسَّلُوا بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيِّ، كَمَا تَوَسَّلَ عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ.
" وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ يُتَوَسَّلُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِدُعَاءِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، قَالُوا: وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقَارِبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ أَفْضَلُ، اقْتِدَاءً بِعُمَرَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يُسْأَلُ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ بِمَخْلُوقٍ ; لَا بِنَبِيٍّ وَلَا بِغَيْرِ نَبِيٍّ.
" وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ سُؤَالَ الرَّسُولِ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، أَوْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ مَالِكٍ ; كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا - فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ بَعْضَ الْجُهَّالِ يَنْقُلُ هَذَا، وَيَسْتَنِدُ إِلَى حِكَايَةٍ مَكْذُوبَةٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَمْ يَكُنِ التَّوَسُّلُ الَّذِي فِيهَا هُوَ هَذَا، بَلْ هُوَ التَّوَسُّلُ بِشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُحَرِّفُ نَقْلَهَا، وَأَصْلُهَا ضَعِيفٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى " انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِيطَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِلْمًا تَفْصِيلِيًّا فَلْيَقْرَأْ كِتَابَ (قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ) كُلَّهُ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْجُمْلِيُّ الْجَامِعُ فَهُوَ أَنَّ الْوَسِيلَةَ مَا تَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَتَرْجُو أَنْ تَصِلَ بِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَهُوَ مَا شَرَعَهُ لَكَ لِتَزْكِيَةِ نَفْسِكَ؛ إِذْ جَعَلَ مَدَارَ الْفَلَاحِ عَلَى تَزْكِيَتِهَا. وَالتَّوَسُّلُ هُوَ ابْتِغَاءُ الْوَسِيلَةِ، الْمَأْمُورُ بِهِ هُنَا ; أَيِ الْعَمَلُ بِالْمَشْرُوعِ لِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَقَدْ دَلَّ كِتَابُ اللهِ فِي جُمْلَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ عَلَى أَنَّ مَدَارَ النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (٥٣: ٣٩ - ٤١) (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) (٢٠: ١٥) (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
(٢٧: ٩٠). نَعَمْ، دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِ لِغَيْرِهِ قَدْ يَنْفَعُهُ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا اللهَ وَسَأَلَهُ أَلَّا يَجْعَلَ بَأْسَ أُمَّتِهِ بَيْنَهَا فَلَمْ يُعْطِهِ ذَلِكَ، وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَرِيصًا عَلَى إِيمَانِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ

صفحة رقم 311

(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (٢٨: ٥٦) وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ دَعْوَةً وَاحِدَةً مُسْتَجَابَةً قَطْعًا، فَمَا عَدَاهَا بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ ; وَلِذَلِكَ خَبَّأَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَوْتَهُ لِيَشْفَعَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَعْلَمُ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا، وَالْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا، أَنَّ دُعَاءَ غَيْرِكَ لَكَ لَا يَطَّرِدُ نَفْعُهُ مَهْمَا كَانَ الدَّاعِي صَالِحًا، فَهَلْ يَكُونُ شَخْصٌ غَيْرُكَ وَسِيلَةً وَقُرْبَةً لَكَ إِلَى اللهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْعُ لَكَ؟ هَذَا شَيْءٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا عَقْلٌ إِنْ جَازَ أَنْ يُحَكَّمَ الْعَقْلُ فِي قُرُبَاتِ الشَّرْعِ. فَالْعُمْدَةُ فِي تَقَرُّبِ الْإِنْسَانِ إِلَى اللهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ وَحُسْنِ جَزَائِهِ هُوَ إِيمَانُهُ وَعَمَلُهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْمَلْ لِنَفْسِكَ مَا شَرَعَهُ اللهُ لَكَ وَجَعَلَهُ سَبَبَ فَلَاحِكَ، وَلَمْ يَدْعُ لَكَ غَيْرُكَ بِذَلِكَ؛ فَكَيْفَ تَكُونُ قَدِ ابْتَغَيْتَ إِلَى اللهِ الْوَسِيلَةَ؟ وَهَلْ تَسْمِيَتُكَ بَعْضَ عِبَادِ اللهِ الْمُكْرَمِينَ وَسِيلَةٌ؟ أَوْ طَلَبُكَ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يَشْفَعَ لَكَ - أَيْ يَدْعُو لَكَ - يُعَدُّ امْتِثَالًا مِنْكَ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) ؟ كَلَّا! إِنَّ الطَّلَبَ مِنَ الْمَيِّتِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. وَإِذَا فُرِضَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَمَسْمُوعٌ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ هَلْ كَانَ مَقْبُولًا أَمْ غَيْرَ مَقْبُولٍ! فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ الْغَيْبِيِّ، " وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ " وَحْدَهُ، وَمِنْهُ أَمْرُ الشَّفَاعَةِ، فَهِيَ لَا تُنَالُ بِالسُّؤَالِ هُنَا، وَإِنَّمَا تُفَوَّضُ إِلَيْهِ تَعَالَى (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) (٣٩: ٤٤) (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٢: ٢٥٥) (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (٢١: ٢٨). فَسُنَّةُ الْفِطْرَةِ فِي الدُّنْيَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَشْبَعُ إِذَا أَكَلَ عِنْدَهُ وَالِدُهُ أَوْ أُسْتَاذُهُ أَوْ أَحَدُ الصَّالِحِينَ، وَلَا يُشْفَى مِنْ مَرَضِهِ إِذَا تَرَكَ الدَّوَاءَ وَشَرِبَهُ غَيْرُهُ عَنْهُ، وَلَا تُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهِ أَوْ تَظْهَرُ فِي أَعْمَالِهِ أَخْلَاقُ غَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ أَوِ الْوَلِيُّ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَيْهِ جَوَادًا سَخِيًّا شُجَاعًا أَمِينًا، لَا يَبْذُلُ هُوَ الْمَالَ بِذَلِكَ السَّخَاءِ، وَلَا النَّفْسَ بِتِلْكَ الشَّجَاعَةِ، وَلَا يُؤَدِّي الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا بِتِلْكَ الْأَمَانَةِ ; لِأَنَّ أَعْمَالَهُ تَصْدُرُ عَنْ أَخْلَاقِهِ، لَا عَنْ أَخْلَاقِ الرَّسُولِ أَوِ الْوَلِيِّ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ فِي الدُّنْيَا
أَلَّا تَعِيشَ بِأَخْلَاقِ غَيْرِكَ، وَلَا بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، وَهِيَ دَارُ الْكَسْبِ وَالتَّعَاوُنِ، فَكَيْفَ يَنْفَعُكَ إِيمَانُ غَيْرِكَ وَصَلَاحُهُ (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (٨٢: ١٩) ؟
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) هَذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ مَا قَبْلَهُ مِنْ كَوْنِ مَدَارِ الْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَالتَّوَسُّلِ إِلَيْهِ بِالْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ شَأْنُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ. فَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ مَدَارَ النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ، لَا عَلَى مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهَا، كَمَا يَتَوَهَّمُ الْكُفَّارُ فِي أَمْرِ الْفِدْيَةِ، فَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، وَبَذَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً لِيَكُونَ فِدَاءً لَهُمْ يَفْتَدُونَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يُصِيبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَتَقَبَّلُهُ اللهُ تَعَالَى مِنْهُمْ، وَلَا يُنْقِذُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ ; لِأَنَّ سُنَّتَهُ الْحَكِيمَةَ قَدْ مَضَتْ بِأَنَّ سَبَبَ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاةِ

صفحة رقم 312

إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، لَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكُونُ خَارِجَهَا (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (٩١: ٩، ١٠) وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ الْأَلَمِ قَدِ اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، وَمَا اسْتَتْبَعَهُ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِمْ ; اتِّكَالًا مِنْهُمْ عَلَى الْفِدْيَةِ وَالشُّفَعَاءِ، وَهَذَا فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ وَاضِحٌ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ ; فَالْإِسْلَامُ دِينُ الْفِطْرَةِ، وَسُنَّةُ اللهِ تَعَالَى فِيهَا أَنَّ سَعَادَةَ الْإِنْسَانِ الْبَدَنِيَّةَ وَالنَّفْسِيَّةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِنْ نَفْسِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ ; فَالنَّصَارَى يَعْتَقِدُونَ أَنَّ خَلَاصَهُمْ وَنَجَاتَهُمْ وَسَعَادَتَهُمْ بِكَوْنِ الْمَسِيحِ فِدْيَةً لَهُمْ يَفْتَدِيهِمْ بِنَفْسِهِ مَهْمَا كَانَتْ حَالُهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ يَضُمُّونَ إِلَى الْمَسِيحِ الرُّسُلَ وَالْقِدِّيسِينَ، وَيَرَوْنَ أَنَّ اللهَ يَحِلُّ مَا يَحِلُّونَهُ، وَيَعْقِدُ مَا يَعْقِدُونَهُ، وَأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ لَهُمْ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ بِالْإِيمَانِ وَالْفَضَائِلِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ; فَبِذَلِكَ تَصْلُحُ نُفُوسُهُمْ، وَتَكُونُ أَهْلًا لِرِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ دَسَّى نَفْسَهُ بِالشِّرْكِ وَالْفِسْقِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ لَا يَكُونُ أَهْلًا لِمَرْضَاةِ اللهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِدَاءٌ، وَلَا تَنْفَعُهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ.
(يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) يُرِيدُ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ دَارِ الْعَذَابِ وَالشَّقَاءِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهَا، وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ
مِنْهَا أَلْبَتَّةَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَأْكِيدُ النَّفْيِ بِالْبَاءِ، ثُمَّ أَكَّدَ مَضْمُونَ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الْعَذَابِ الْمُقِيمِ لَهُمْ، وَالْمُقِيمُ هُوَ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يُظْعِنُ، وَالْآيَةُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ ; إِذْ مِنْ شَأْنِ مَنْ سَمْعِ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا أَنْ تَسْتَشْرِفَ نَفْسُهُ لِلسُّؤَالِ عَنْ حَالِ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُمْ فِدَاءٌ مَهْمَا جَلَّ وَعَظُمَ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالْجَوَابِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الْمُحَارِبُونَ: الْمُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ جَهْرَةً، وَيَنْتَزِعُونَهَا مِنْهُمْ

صفحة رقم 313

عَنْوَةً، وَاللُّصُوصُ يَأْكُلُونَهَا كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا خِفْيَةً، فَلَمَّا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى عِقَابَ أُولَئِكَ، وَأَمْرَ بِالتَّقْوَى وَابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَهِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي يَكْمُلُ بِهَا الْإِيمَانُ، وَتَتَهَذَّبُ بِهَا النُّفُوسُ حَتَّى تَنْفِرَ مِنَ الْحَرَامِ - بَيَّنَ عِقَابَ هَؤُلَاءِ أَيْضًا، جَمْعًا بَيْنَ الْوَازِعِ النَّفْسِيِّ ; وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالصَّلَاحُ، وَالْوَازِعِ الْخَارِجِيِّ ; وَهُوَ الْخَوْفُ مِنَ الْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) أَيْ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ مِمَّا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُهُمَا، وَيُبَيَّنُ لَكُمْ حَدُّهُمَا، كَمَا بُيِّنَ لَكُمْ حَدُّ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ مِثْلِهِمَا، فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. أَوِ التَّقْدِيرُ: وَكُلٌّ مِنَ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، كَمَا تَقْطَعُونَ أَيْدِيَ الْمُحَارِبِينَ إِذَا سَلَبَا الْمَالَ مِثْلَهُمَا، وَالْمُرَادُ قَطْعُ يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا ; أَيْ إِذَا سَرَقَ الذَّكَرُ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَإِذَا سَرَقَتِ الْأُنْثَى تُقْطَعُ يَدُهَا، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْيَدَ، وَلَمْ يَقُلْ يَدَيْهِمَا ; لِأَنَّ فُصَحَاءَ الْعَرَبِ يَسْتَثْقِلُونَ إِضَافَةَ الْمُثَنَّى إِلَى ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ ; أَيِ الْجَمْعَ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) (٦٦: ٤).
وَالْوَصْفُ هُنَا مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنَى الشَّرْطِ، فَقَرَنَ خَبَرَهُ بِالْفَاءِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدَّ
عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِّ الزِّنَا ; لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الذَّنْبَيْنِ يَقَعُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَأَرَادَ اللهُ زَجْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَتَغْلِيبِ وَصْفِ الذُّكُورَةِ وَضَمَائِرِهَا فِي الْكَلَامِ إِلَّا مَا خَصَّ الشَّرْعُ بِهِ الرِّجَالَ ; كَالْإِمَامَةِ وَالْقِتَالِ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْيَدِ أَنَّهَا الْكَفُّ إِلَى الرُّسْغِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ: (وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (٥: ٦) وَإِنَّمَا تَقَعُ السَّرِقَةُ بِالْكَفِّ مُبَاشَرَةً، وَالسَّاعِدُ وَالْعَضُدُ يَحْمِلَانِ الْكَفَّ كَمَا يَحْمِلُهُمَا مَعَهَا الْبَدَنُ، فَلَا يُقَالُ إِنَّ الْيَدَ لَا تَعْمَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ إِيقَاعُ الْعَذَابِ عَلَى الْعُضْوِ الْمُبَاشِرِ لِلْجَرِيمَةِ، قَالُوا: إِنَّ الْيُمْنَى هِيَ الَّتِي تُقْطَعُ ; لِأَنَّ التَّنَاوُلَ يَكُونُ بِهَا إِلَّا مَا شَذَّ.
(جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ) هَذَا تَعْلِيلٌ لِلْحَدِّ ; أَيِ اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً لَهُمَا بِعَمَلِهِمَا وَكَسْبِهِمَا السَّيِّئِ، وَنَكَالًا وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِمَا ; فَالنَّكَالُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّكْلِ، وَهُوَ بِالْكَسْرِ قَيْدُ الدَّابَّةِ، وَنَكَلَ عَنِ الشَّيْءِ: عَجَزَ أَوِ امْتَنَعَ لِمَانِعٍ صَرَفَهُ عَنْهُ، فَالنَّكَالُ هُنَا: مَا يُنَكِّلُ النَّاسَ وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ يَسْرِقُوا. وَلَعَمْرِ الْحَقِّ إِنَّ قَطْعَ الْيَدِ الَّذِي يَفْضَحُ صَاحِبَهُ طُولَ حَيَاتِهِ، وَيَسِمُهُ بِمَيْسَمِ الذُّلِّ وَالْعَارِ هُوَ أَجْدَرُ الْعُقُوبَاتِ بِمَنْعِ السَّرِقَةِ وَتَأْمِينِ النَّاسِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَكَذَا عَلَى أَرْوَاحِهِمْ ; لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ كَثِيرًا مَا تَتْبَعُ الْأَمْوَالَ إِذَا قَاوَمَ أَهْلُهَا السُّرَّاقَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِمْ (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَهُوَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، حَكِيمٌ فِي صُنْعِهِ وَفِي شَرْعِهِ، فَهُوَ يَضَعُ الْحُدُودَ وَالْعُقُوبَاتِ بِحَسَبَ الْحِكْمَةِ الَّتِي تُوَافِقُ الْمَصْلَحَةَ.

صفحة رقم 314

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ مِنَ السَّرِقَةِ، فَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، أَنَّهُ يَثْبُتُ الْقَطْعُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ; عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ " لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلَيْهِ الْخَوَارِجُ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَمِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي سَرِقَةِ رُبُعِ دِينَارٍ (أَيْ رُبُعِ مِثْقَالٍ مِنَ الذَّهَبِ) أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَالشَّافِعِيُّ جَعَلَ رُبُعَ الدِّينَارِ هُوَ الْأَصْلَ فِي تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ الْمَسْرُوقَةِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلًّا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَصْلٌ مُعْتَبَرٌ فِي نَفْسِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى - قِيلَ إِنَّهَا الْمَشْهُورُ عَنْهُ - أَنَّ التَّقْوِيمَ بِدَرَاهِمِ الْفِضَّةِ أَصْلٌ مُعْتَبَرٌ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنِ
الْعُرُوضَ تُقَوَّمُ بِمَا كَانَ غَالِبًا فِي نُقُودِ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ وَفِي هَذَا الْخِلَافِ فِي التَّقْدِيرِ، حَدِيثُ عَائِشَةَ " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ يَدَ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ مَرْفُوعًا " لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، فَصَاعِدًا " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلنَّسَائِيِّ مَرْفُوعًا " لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَا ثَمَنُ الْمِجَنِّ؟ قَالَتْ: رُبُعُ دِينَارٍ "، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ الثَّلَاثِ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ " وَفِي رِوَايَةٍ " قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ " وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنِ الْأَعْمَشَ رَاوِيَهُ فَسَّرَ الْبَيْضَةَ بِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ الَّتِي تُلْبَسُ لِلْحَرْبِ، وَهِيَ كَالْمِجَنِّ (التُّرْسِ) وَقَدْ يَكُونُ ثَمَنُهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ النِّصَابَ الْمُوجِبَ لِلْقَطْعِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَكْثَرُ، وَلَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْهَا، وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي تَقْدِيرِ ثَمَنِ الْمِجَنِّ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، وَرَجَّحُوهَا عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ بِإِدْخَالِهَا فِي عُمُومِ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَدْ عَنْعَنَ، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ مُعَنْعَنًا، فَكَيْفَ يُعَارِضُ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ، بَلِ الْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ؟ وَهُنَالِكَ مَذَاهِبُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ فِي قَدْرِ النِّصَابِ، لَا نَذْكُرُهَا لِضَعْفِ أَدِلَّتِهَا، بَلْ بَعْضُهَا لَا يُعْرَفُ لَهُ دَلِيلٌ.
وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي أَنَّ الثَّمَرَ وَالْكَثَرَ (وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ: جُمَّارُ النَّخْلِ) لَا قَطْعَ فِيهَا، وَأَمَّا الثَّمَرُ بَعْدَ إِحْرَازِهِ فَكَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِ، وَقِيلَ: لَا قَطْعَ فِيهِ، وَاشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ فِي الْقَطْعِ أَنْ يُسْرَقَ الشَّيْءُ مِنْ حِرْزٍ مِثْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا مَحْفُوظًا فَلَا قَطْعَ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَشُرُوحِهَا.
وَتَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ، وَيَسْقُطُ الْحَدُّ بِالْعَفْوِ عَنِ السَّارِقِ قَبْلَ رَفْعِ أَمْرِهِ إِلَى الْإِمَامِ (الْحَاكِمِ) وَكَذَا بَعْدَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ، وَوَرَدَ

صفحة رقم 315

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية