قوله تعالى: أَلاَّ تَكُونَ : قرأ البصري والأَخَوان برفع النون، والباقون بنصبها. فَمَنْ رفع ف «أَنْ» عنده مخففةٌ من الثقيلة، واسمها ضميرُ الأمرِ والشأنِ محذوفٌ تقديرُه: أنه، و «لا» نافية، و «تكون» تامة، و «فتنةٌ» فاعلها، والجملةُ خبر «أن» وهي مفسِّرةٌ لضميرِ الأمرِ والشأن، وعلى هذا ف «حَسِب» هنا لليقين لا للشكِّ، ومن مجيئِها لليقين قولُ الشاعر:
| ١٧٨ - ٠- حَسِبْتُ التقى والجودَ خيرَ تجارةٍ | رَباحاً إذا ما المرءُ أصبحَ ثاقِلاً |
| ١٧٨ - ١- أرجو وآمُل أَنْ تدنُو مودتُها | وما إخالُ لدينا منكِ تنويلُ |
حملاً على «ما» المصدرية، ويَدُلُّ على ذلك انها على ذلك أنها لو كانَتْ مخففةً لفُصِل بينها وبين الجملةِ الفعليةِ بما سنذكره، ويكون هذا مثلَ قولِ الله تعالى: لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة [البقرة: ٢٣٣]، وكقوله:
| ١٧٨ - ٢- يا صاحبيَّ فَدَتْ نفسي نفوسَكما | وحيثما كنتما لُقِّيتُما رَشَدا |
| أَنْ تَحْمِلا حاجةً لي خَفَّ مَحْمَلُها | تستوجبا نعمةً عندي بها ويَدا |
| أَنْ تقرآنِ على أسماءَ ويحكما | مني السلامَ وألاَّ تُشْعِرا أحدا |
| ١٧٨ - ٣- إني زعيمٌ يا نُوَيْ | قَةُ إن نجوْتِ من الرَّزاحِ |
| ونجوتِ من وَصَبِ العدو | و [من الغدو] إلى الرَّواحِ |
| أَنْ تهبطين بلادَ قَوْ | مٍ يَرْتَعُون من الطِّلاحِ |
والثاني من وجهي الجواب: أنَّ رجاءه وأملَه قَوِيا حتى قربا من اليقين فأجراهما مُجْراه في ذلك. وأما قول الشاعر:
١٧٨ - ٤- صفحة رقم 366
| عَلِموا أَنْ يُؤَمَّلون فجادُوا | قبلَ أَنْ يُسْألوا بأعظمِ سُؤْلِ |
وجاء هنا على الواجبِ - عند بعضِهم - أو الأحسنِ - عند آخرين - وهو الفصلُ بين «أَنْ» الخفيفةِ وبين خبرِها إذا كان جملةً فعلية متصرفة غيرَ دعاءٍ، والفاصلُ: إمَّا نفيٌ كهذه الآية، / وإمَّا حرفُ تنفيس كقوله تعالى:
عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى [المزمل: ٢٠]، ومثلُه: «عَلِمْت أن سوف تقومُ» وإمَّا «قد» كقوله تعالى: وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا [المائدة: ١١٣] وإمَّا «لو» - وهي غريبة - كقوله: وَأَلَّوِ استقاموا [الجن: ١٦] أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب [سبأ: ١٤]. وتَحرَّزْتُ بالفعلية من الاسمية فإنها لا تحتاج إلى فاصل، كقولِه تعالى: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين [يونس: ١٠] وكقوله:
| ١٧٨ - ٥- في فتيةٍ كسيوفِ الهندِ قد عَلِموا | أَنْ هالِكٌ كلُّ مَنْ يَخْفَى ويَنْتَعِلُ |
| ١٧٨ - ٦- نَرْضَى عن الناسِ إنَّ الناسَ قد عَلِموا | أَنْ لا يدانِيَنا من خَلْقِه بشرُ |
والحاصلُ أنه متى وَقَعَتْ بعد علم وَجَبَ أن تكونَ المخففةَ، وإذا وقعت بعد ما ليس بعلمٍ ولا شك وَجَبَ أَنْ تكونَ الناصبةَ، وإن وقعت بعد فعلٍ يحتمل اليقين والشك جاز فيها وجهان باعتبارين: إنْ جعلناه يقيناً جعلناها المخففةَ ورفعنا ما بعدها، وإنْ جعلناه شكّاً جعلناها الناصبةَ ونصبنا ما بعدها، والايةُ الكريمةُ من هذا الباب، وكذلك قوله تعالى: أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِم [طه: ٨٩] وقوله: أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا [العنكبوت: ٢]، لكن لم يُقرأ في الأولى إلا بالرفع، ولا في الثاينة إلا بالنصب، لأن القراءة سنةٌ متبعة. وهذا تحريرٌ العبارة فيها، وإنما قلت ذلك لأن بعضَهم يقول: يجوزُ فيها بعد أفعال الشك وجهان فيوهمُ هذا أنه يجوزُ فيها أن تكونَ المخففةَ والفعلُ قبلها باقٍ على معناه من الشك، لكن يريد ما ذكرتُه لك من الصلاحيةِ اللفظيةِ بالاعتبارين المتقدمين، ولهذا قال الأستاذ الزمخشري:» فإنْ قلت: كيف دخل فعلُ الحسبان على «أَنْ» التي هي للتحقيق «قلت: نَزَّل حسبانَهم لقوته في صدروهم منزلةَ العلم» والسببُ المقتضي لوقوعِ المخففةِ بعد اليقين، والناصبةِ بعد غيره، وجوازِ الوجهين فيما تردَّد: ما ذكروه وهو «أَنْ» المخففة تَدُلُّ على ثباتِ الأمرِ واستقرارِه لأنها التوكيدِ كالمشددة، والعلمُ وبابُه كذلك فناسَبَ أَنْ تُوقِعَها بعد اليقين للملائمةِ بينهما، ويدلٌّ على ذلك وقوعُها مشددةً بعد اليقين كقوله تعالى:
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين [النور: ٢٥] أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦] أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض [البقرة: ١٠٧] إلى غير ذلك، والنوعُ الذي لا يدلُّ على ثبات واستقرارٍ / تقع بعده الناصبة كقوله تعالى: {والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ
لِي} [الشعراء: ٨٢] نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ [المائدة: ٥٢] فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا [الكهف: ٨٠] أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ [المجادلة: ١٣] إلى غير ذلك، والنوعُ المحتمل للأمرين تقع بعده تارة المخففةُ وتارةً الناصبةُ كما تقدم من الاعتبارين، وعلى كلا التقديرين أعني كونَها المخففةَ أو الناصبةَ فهي سادَّةٌ مسدَّ المفعولين عند جمهورِ البصريين، ومسدَّ الأولِ والثاني محذوفٌ عند أبي الحسن، أي: حَسِبوا عدمَ الفتنةِ كائناً أو حاصلاً. وحكى بعض النحويين أنه ينبغي لِمَنْ رفع أن يَفْصِل «أن» من «لا» في الكتابة؛ لأنها الهاء المضمرةَ حائلةٌ في المعنى، ومَنْ نَصَبَ لم يَفْصِل لعدمِ الحائل بينهما. قال أبو عبد الله: «هذا ربما ساغَ في غيرِ المصحفِ، أمَّا المصحفُ فلم يُرْسَمْ إلى على الاتصال» انتهى. قلت: «وفيه هذه العبارة تجوُّز إذ لفظُ الاتصالِ يُشْعر بأَنْ تُكْتب» أنلا «فتوصلَ» أن «ب» لا «في الخط، فينبغي أن يقال: لا تُثْبَتُ لها صورةٌ، أو تُثْبَتُ لها صورةٌ منفصلة.
قوله تعالى: ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ في هذا الكتاب خمسة أوجه، أحدها: أنَّ الواوَ علامةُ جمع الفاعل، كما يَلْحق الفعلَ تاءُ التأنيث ليدلَّ على تأنيث الفاعل، ك» قامت هند «وهذه اللغة جاريةٌ في المثنى وجمعِ الإِناث أيضاً فيقال:» قاما أخواك، وقمن أخواتك «كقوله:
| ١٧٨ - ٧-............. | وقد أَسْلَماه مُبْعَدٌ وحَميمٌ |
| ١٧٨ - ٨- ولكنْ دِيافِيٌّ أبوه وأمُّه | بِحَوْرانَ يَعْصِرنَ السَّليطَ أقاربُهْ |
الوجه الثاني: أنَّ الواوَ ضميرٌ عائدٌ على المذكورين العائدِ عليهم واو «حسبوا» و «كثير» بدلٌ من هذا الضمير، كقولك: «إخوتك قاموا كبيرُهم وصغيرُهم» ونحوه.
الوجه الثالث: أن الواو ضمير أيضاً، و «كثيرٌ» بدلٌ منه، والفرقُ بين هذا الوجه والذي قبله أن الضمير في الوجهِ الأولِ مفسَّر بما قبلَه وهم بنو إسرائيل، وأمَّا في هذا الوجه فهو مفسَّر بما بعده، وهذا أحدُ المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعده، وهو أن يُبْدَلَ منه ما يفسِّرهُ، وهي مسألةُ خلاف وقد تقدم تحريرها. الوجه الرابع: أن الضميرَ عائدٌ على مَنْ تقدَّم، و «كثير» خبر مبتدأ محذوف، وقَدَّره مكي تقديرين، أحدهما: قال: «تقديرُه العُمْيُ والصُّمُّ كثير منهم» والثاني: العَمَى والصَّمَمُ كثيرٌ منهم، ودلَّ على ذلك قوله: ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ فعلى تقديره الأول: يكون «كثير» صادقاً عليهم و «منهم» صفة ل «كثير»، وعلى التقدير الثاني يكون «كثير» صادقاً على العَمَى صفحة رقم 371
والصَّمَمِ لا عليهم، و «منهم» صفةٌ له بمعنى أنه صادر منهم، وهذا الثاني غيرُ ظاهرٍ. وقدَّره الزمخشري فقال: «أولئك كثير منهم» الوجه الخامس: أنَّ «كثير» مبتدأٌ والجملةُ الفعلية قبله خبرٌ، ولا يُقال: إنَّ الفعلَ متى وقع خبراً وجَبَ تأخيرُه لأنَّ ذلك مشروطٌ بكونِ الفاعل مستتراً نحو: «زيدٌ قام» لأنه لو قُدِّم فقيل: قام زيدٌ لألبس بالفاعل، فإنْ قيل: وهذا أيضاً يُلْبس بالفاعل في لغة «أكلوني البراغيث» فالجواب أنها لغةٌ ضعيفةٌ لا نبالي بها. وضَعَّفَ أبو البقاء هذا الوجه بمعنى آخرَ فقال: «لأنَّ الفعلَ قد وَقَع في موضِعِه فلا يُنْوَى به غيرُه» وفيه نظرٌ لأنَّا لا نُسَلِّم أنه وَقَع موقعَه، وإنما كان واقعاً موقعَه لو كان مجرداً من علامةٍ. ومثلُ هذه الآية أيضاً قولُه تعالى: وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ [الأنبيا: ٣].
والجمهورُ على «عَمُوا وَصمُّوا» بفتح العين والصاد، والأصل: عَمِيُوا وصَمِمُوا كشَرِبُوا، فأُعِلَّ الأولُ بالحذفِ، والثاني: بالإِدغام. وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي بضم العين والصاد وتخفيف الميم من «عَمُوا» قال الزمخشري: «على تقدير / عماهم الله وصَمَّهم أي: رماهم وضربهم بالعَمَى والصَّمم، كما يقال: نَزَكْتُه إذا ضربته بالنَّيْزَك وَركَبْتُه إذا ضربته بركبتِك» ولم يَعْترض عليه الشيخ، وكان قد قال قبل ذلك بعد أَنْ حكى القراءة: «جَرَتْ مَجْرى زُكِم الرجلُ وأَزْكَمَه الله، وحُمَّ وأَحَمَّه الله، ولا يقال: زَكَمه الله ولا حمَّه، كما لا يقال: عَمَيْتُه ولا صَمَمْته، وهي أفعالٌ جاءت مبنيةً
للمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه وهي متعدِّيةٌ ثلاثية، فإذا بُنيت للفاعلِ صارَتْ قاصرة فإذا أَرَدْتَ بناءَها للفاعلِ متعديةً أَدْخَلْتَ همزة النقل، وهي نوع غريب في الأفعال» انتهى. فقوله: «كما لا يُقال عَمَيْتُه ولا صَمَمْتُه» يقتضي أن الثلاثي منها لا يتعدَّى، والزمخشري قد قال على تقدير: «عَماهُم الله وصَمَّهم» فاستعمل ثلاثِيَّةُ متعدياً، فإن كان ما قاله الشيخ صحيحاً فينبغي أن يكونَ كلام أبي القاسم فاسداً أو بالعكس.
وقرأ ابن أبي عبلة «كثيراً» نصباً على أنه نعت لمصدر محذوف، وتقدم غيرَ مرة أنه عند سيبويه حالٌ. وقال مكي: «ولو نَصَبْتَ» كثيراً «في الكلام لجازَ أن تجعلَه نعتاً لمصدر محذوف، أي: عمًى وصمماً كثيراً» قلت: كأنه لم يطَّلِعْ عليها قراءةً، أو لم تَصِحَّ عنده لشذوذها.
وقوله: فَعَمُواْ عطفَه بالفاء وقوله: ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ عطفه ب «ثم»، وهو معنى حسن، وذلك أنهم عَقِيبَ الحسبانِ حَصَل لهم العَمَى والصَّمَمُ مِنْ غير تراخٍ، وأسند الفعلين إليهم، بخلافِ قولِه: فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أَبْصَارَهُمْ [محمد: ٢٣] لأنَّ هذا فيمن لم يَسْبِقْ له هدايةٌ، وأسند الفعل الحسنَ لنفسِه في قوله: ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ وعطف قوله: ثُمَّ عَمُواْ بحرفِ التراخي دلالةً على أنهم تمادَوا في الضلالِ إلى وقت التوبة.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط