قرأ حمزةُ والكسائيُّ وأبو عمرو «تَكونُ» برفع النون، والباقون بنصبها، فمنْ رفع ف «أنْ» عنده مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمها ضميرُ الأمرِ والشأنِ محذوفٌ، تقديرُه، أنهُ، و «لاَ» نافية، و «تَكُونُ» تامة، و «فِتْنَةٌ» فاعلها، والجملةُ خبر «أن»، وهي مفسِّرةٌ لضميرِ الأمرِ والشأن، وعلى هذا، ف «حَسِبَ» هنا لليقين، لا للشكِّ؛ ومن مجيئها لليقين قولُ الشاعر: [الطويل]
صفحة رقم 451
| ٢٠٢٠ - حَسِبْتُ التُّقَى والْجُودَ خَيْرَ تِجَارةٍ | رَبَاحاً إذَا مَا المَرْءُ أصْبَحَ ثَاقِلا |
| ٢٠٢١ - أرْجُو وَآمُلُ أنْ تَدْنُوْ مَوَدَّتُهَا | وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْكَ تَنْوِيلُ |
أحدهما: أنَّ «أنْ» ناصبةٌ، وإنما أُهْمِلَتْ؛ حَمْلاً على «مَا» المصدريَّة؛ ويَدُلُّ على ذلك أنها لو كانت مخفَّفَةً، لفُصِلَ بينها وبين الجملة الفعليةِ بما سنذكره، ويكون هذا مثل قولِ الله تعالى: لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة [البقرة: ٢٣٣] ؛ وكقوله: [البسيط]
| ٢٠٢٢ - يَا صَاحِبَيَّ فَدَتْ نَفْسِي نُفُوسَكُمَا | وَحَيْثُمَا كُنْتُمَا لُقِّيتُمَا رَشَدَا |
| أنْ تَحْمِلا حَاجَةً لِي خَفَّ مَحْمَلُهَا | تَسْتوَجِبَا نِعْمَةً عِنْدِي بِهَا وَيَدَا |
| أنْ تَقْرَآنِ عَلَى أسْمَاءَ وَيْحَكُمَا | مِنِّي السَّلامَ وألاَّ تُشْعِرا أحَدَا |
| ٢٠٢٣ - إنِّي زَعِيمٌ يَا نُوَيْ | قَةُ إنْ نَجَوْتِ مِنَ الرَّزَاحِ |
| وَنَجَوْتِ مِنْ وَصَبِ الْعَدْوْ | وِ مِنَ الغُدُو إلى الرَّوَاح |
| أنْ تَهْبِطِينَ بِلاَدَ قوْ | مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطِّلاحِ |
والثاني من وجهي الجواب: أنَّ رجاءَهُ وأملَهُ قويَا حتَّى قربا من اليقينِ، فأجراهما مُجْراهُ في ذلك.
وأما قول الشاعر: [الخفيف]
| ٢٠٢٤ - عَلِمُوا أنْ يُؤمَّلُونَ فَجَادُوا | قَبْلَ أنْ يُسْألُوا بأعْظَمِ سُؤلِ |
| ٢٠٢٥ - فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد قَدْ عَلِمُوا | أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ |
ومَنْ نصب «تَكُونَ» ف «أنْ» عنده هي الناصبة للمضارعِ، دخلت على فعلٍ منفيٍّ ب «لاَ»، و «لاَ» لا يمنعُ أن يعملَ ما قبلها فيما بعدها من ناصبٍ، ولا جازم، ولا جارٍّ، فالناصبُ كهذه الآية؛ والجازم كقوله تعالى: إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ [الأنفال: ٧٣] إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله [التوبة: ٤٠]، والجارُّ نحو: «جِئْتُ بِلا زادٍ».
و «حَسِبَ» هنا على بابها من الظَّنِّ، فالناصبة لا تقعُ بعد علْم، كما أنَّ المخففة لا تقع بعده غيرِه، وقد شَذَّ وقوعُ الناصبةِ بعد يَقِينٍ، وهو نصٌّ فيه كقوله: [البسيط]
| ٢٠٢٦ - نَرْضَى عَنِ النَّاسِ إنَّ النَّاسَ قَدْ عَلِمُوا | ألاَّ يُدانِيَنَا مِنْ خَلْقِهِ بَشَرُ |
والحاصل أنه متى وقَعَتْ بعد علْمٍ، وجبَ أن تكونَ المخفَّفةَ، وإذا وقعت بعد ما صفحة رقم 453
ليس بعلمٍ ولا شكٍّ، وجَبَ أن تكونَ الناصبةَ، وإن وقعت بعد فعْلٍ يحتملُ اليقينَ والشك جاز فيها وجهان باعتباريْنِ: إنْ جعلناه يقيناً، جعلناها المخففةَ ورفعنا ما بعدها، وإن جعلناه شكّاً جعلناها الناصبةَ ونصبْنَا ما بعدها، والآيةُ الكريمةُ من هذا الباب، وكذلك قوله تعالى: أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ [طه: ٨٩] وقوله: أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا [العنكبوت: ٢] لكن لم يُقرأ في الأولى إلا بالرفعِ، ولا في الثانية إلا بالنصْب، لأن القراءة سنةٌ متبعة، وهذا تحريرُ العبارة فيها، وإنما قلنا ذلك؛ لأن بعضهم يقول: يجوزُ فيها بعد أفعال الشكِّ وجهان، فيوهمُ هذا أنه يجوزُ فيها أن تكونَ المخفَّفةَ، والفعلُ قبلها باقٍ على معناه من الشكِّ، لكن يريد ما ذكرتُه لك من الصلاحيةِ اللفظيةِ بالاعتبارين المتقدمَيْن، ولهذا قال الزمخشريُّ: «فإنْ قلْتَ: كيف دخَلَ فعلُ الحُسْبَانِ على» أن «التي هي للتحْقِيق؟ قلْتُ: نَزَّل حسبانَهم؛ لقوَّته في صدورِهِمْ منزلةَ العلْمِ» والسببُ المقتضي لوقوعِ المخفَّفةِ بعد اليقين، والناصبةِ بعد غيره، وجواز الوجهَيْن فيما تردَّد بين الشَّكِّ واليقينِ: ما ذكروه، وهو «أن» المخفَّفة تَدُلُّ على ثباتِ الأمر واستقراره؛ لأنها للتوكيدِ كالمشدَّدة، والعلمُ وبابُه كذلك، فنَاسَبَ أنْ تُوقِعَها بعد اليقين للملائمةِ بينهما، ويدلُّ على ذلك وقوعُها مشدَّدةً بعد اليقين؛ كقوله تعالى:
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين [النور: ٢٥] أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦] أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض [البقرة: ١٠٧] إلى غير ذلك، والنوعُ الذي لا يدلُّ على ثبات واستقرارٍ تقع بعده الناصبة؛ كقوله تعالى: والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي [الشعراء: ٨٢] نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ [المائدة: ٥٢] فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا [الكهف: ٨٠] أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ [المجادلة: ١٣] إلى غير ذلك، والنوعُ المحتملُ للأمرين تقع بعده تارة المخففةُ، وتارةً الناصبةُ؛ كما تقدَّم من الاعتبارَيْنِ، وعلى كلا التقديرين، أعني: كونها المخففةَ أو الناصبةَ، فهي سادَّةٌ مسدَّ المفعوليْنِ عند جمهورِ البصْريين، ومسدَّ الأولِ، والثاني محذوفٌ عند أبي الحسن، أي: حَسِبُوا عدمَ الفتنةِ كائناً أو حاصلاً، وحكَى بعض النحويِّين أنه ينبغي لِمَنْ رفع أن يَفْصِلَ «أنْ» من «لاَ» في الكتابة؛ لأنَّ الهاء المضْمَرة حائلةٌ في المعنى، ومن نصب، لم يَفْصِلْ لعدمِ الحائل بينهما، قال أبو عبد الله: «هذا ربَّما ساغَ في غير المُصْحفِ، أمَّا المُصْحَفُ، فلَم يُرْسَمْ إلا على الاتِّصَال». انتهى، وفي هذه العبارة تجوُّزٌ؛ إذ لفظُ الاتصالِ يُشْعِرُ بأنْ تُكْتَبَ «أنلا» فتوصل «أنْ» ب «لاَ» في الخطِّ، فينبغي أن يقال: لا تُثْبَتُ لها صورةٌ، أو تُثْبتُ لها صورةٌ منفصلة.
فصل
اختَلَفُوا في الفِتْنَةِ فقِيلَ: هِيَ العَذَابُ أي: وظنُّوا ألا يكون عذابٌ، وقيل: هي الابْتِلاءُ والاخْتِبَارُ بالقَحْطِ، والوَبَاء، والقَتْلِ والعَدَاوَةِ، والبَغْضَاءِ فيما بَيْنَهُم، وكُلُّ ذلك قد وقعَ بِهِم، وكُلُّ واحدٍ من المُفَسِّرين حَمَل الفِتْنَةَ على واحدٍ من هذِهِ الوُجُوه. صفحة رقم 454
واعلم أنَّ حُسْبَانَهُمْ ألاَّ تقع فِتْنَةٌ يحتمل وجهين:
إمَّا أنهم كانوا يَعْتقدُون أنَّ الواجِبَ عليْهِم في كل رَسُول جَاءَ بِشَرْعٍ آخَر؛ أنَّه يجب عَلَيْهِم قَتْلُه وتَكْذِيبُه.
وإمَّا أنهم وإن اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِم كَوْنهم مُخْطِئِين في ذلك التَّكْذِيب والقَتْلِ، إلاَّ أنَّهُم كانوا يَقُولُون: نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] وكانوا يعتقدون أنَّ نُبُوَّةَ أسْلاَفهم وآبَائِهم تَدْفَعُ عَنْهُم العذاب الذي يَسْتَحِقُّونَهُ بِسَببِ ذلِكَ القَتْلِ والتَّكْذِيب.
قوله تعالى: ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ أي: فَعَمُوا عن الحقِّ فلم يُبْصِرُوا «وصَمُّوا» بعد مُوسَى ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ ببعْثَ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - وقيل: عَمُوا وَصمُّوا في زَمَان زَكريَّا، ويحيى، وعيسى - عليهم الصلاة والسلام -، ثم تاب اللَّهُ على بعضهم، حيْثُ آمَنَ بعضُهُم به ثمَّ عمُوا وصمُّوا كثيرٌ منهم في زَمَانِ مُحَمَّدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، بأنْ أنْكَرُوا نُبُوَّتَه ورِسَالَتَهُ، وإنَّما قال «كثيرٌ مِنْهُم» ؛ لأنَّ أكثرَ اليهُود وإنْ أصَرُّوا على الكفر بمُحَمَّدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، إلاَّ أنَّ جَمْعاً آمَنُوا به كَعَبْدِ اللَّه بن سلام وأصحَابِه.
وقيل: عَمُوا حين عَبَدُوا الْعِجْلَ، ثمَّ تَابُوا عَنْهُ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِم، ثمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُم بالتعَنُّتِ، وهو طَلَبُهُم رُؤيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً، ونُزُولَ الملائِكة.
وقال القَفَّال: ذَكَرَ اللَّهُ تعالى في سُورةِ بَنِي إسْرائيل ما يجُوزُ أنْ يكُونَ تَفْسيراً لِهَذِه الآية، فقالَ تعالى: وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً [الإسراء: ٤، ٥، ٦]، فهذا في معنى «فَعَمُوا وصمَّوا» ثم قال تعالى فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً [الإسراء: ٧] فهذا في معنى قوله «فَعَمُوا وصَمُّوا».
قوله تعالى: ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ في هذا التركيب خمسة أوجه:
أحدها: أنَّ الواوَ علامةُ جمع الفاعلِ، كما يَلْحق الفعل تاءُ التأنيث؛ ليدلَّ على تأنيثِ الفاعل، ك «قَامَتْ هِنْدٌ»، وهذه اللغة جاريةٌ في المثنى وجمع الإناث أيضاً، فيقال: «قَامَا أخَواكَ، وقُمْنَ أخَوَاتُكَ» ؛ كقوله: [الطويل]
٢٠٢٧ -...................... وَقَدْ أسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وحَمِيمُ
وقوله: [الطويل]
| ٢٠٢٨ - ولَكِنْ دِيَافِيٌّ أبُوهُ وأمُّهُ | بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّليطَ أقَارِبُهْ |
الوجه الثاني: أنَّ الواوَ ضميرٌ عائدٌ على المذكورينَ العائد عليهم واو «حَسِبُوا»، و «كَثِيرٌ» بدلٌ من هذا الضمير، كقولك: «إخْوَتُكَ قَامُوا كَبِيرُهُمْ وصَغِيرُهُمْ» ونحوه. والإبْدَال كَثيرٌ في القُرْآنِ قال تعالى: الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة: ٧].
وقال تعالى: وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: ٩٧].
الوجه الثالثك أن الواو ضمير أيضاً، و «كَثِيرٌ» بدلٌ منه، والفرقُ بين هذا الوجه والذي قبله: أن الضمير في الوجْهِ الأوَّلِ مفسَّرٌ بما قبلَه وهم بنو إسْرائِيلَ، وأمَّا في هذا الوجه، فهو مفسَّرٌ بما بعده، وهذا أحدُ المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعده، وهو أن يُبْدَلَ منه ما يفسرهُ، وهي مسألةُ خلافٍ، وقد تقدَّم تحريرها.
الوجه الرابع: أن الضمير عائدٌ على مَنْ تقدَّم، و «كَثِيرٌ» خبر مبتدأ محذوف، وقدَّره مكي تقديرين: أحدهما: قال: «تقديرُه العُمْيُ والصُّمُّ كثيرٌ منهم»، والثاني: العَمَى والصَّمَمُ كثيرٌ منهم؛ ودلَّ على ذلك قوله: ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ، فعلى تقديره الأوَّل: يكون «كَثِيرٌ» صادقاً عليهم و «مِنْهُمْ» صفة ل «كَثِير» ؛ وعلى التقدير الثاني: يكون «كَثِيرٌ» صادقاً على العَمَى والصَّمَمِ لا عليهِمْ، و «مِنْهُمْ» صفةٌ له بمعنى أنه صادرٌ منهم، وهذا الثاني غيرُ ظاهرٍ، وقدَّره الزمخشريُّ فقال: «أولَئِكَ كَثِيرٌ منهم».
الوجه الخامس: أنَّ «كَثيرٌ» مبتدأ والجملةُ الفعليَّة قبله خبرٌ، ولا يُقالُ: إنَّ الفعلَ متى وقع خبراً، وجبَ تأخيرُه؛ لأنَّ ذلك مشروطٌ بكونِ الفاعل مستتراً؛ نحو: «زَيْدٌ قَامَ» ؛ صفحة رقم 456
لأنه لو قُدِّم، فقيل: «قَامَ زَيْدٌ»، لألبس بالفاعل، فإن قيلَ: وهذا أيضاً يُلْبِس بالفاعلِ في لغة «أكَلُونِي البَراغيثُ»، فالجواب: أنها لغةٌ ضعيفةٌ لا نبالي بها، وضعَّفَ أبو البقاء هذا الوجه بمعنًى آخَرَ، فقال: «لأنَّ الفعل قد وقَعَ في موضِعِه، فلا يُنْوَى به غيرُه»، وفيه نظرٌ؛ لأنَّا لا نُسَلِّم أنه وقع موقعه، وإنما كان واقعاً لو كان مجرَّداً من علامةٍ، ومثلُ هذه الآيةِ أيضاً قوله تعالى: وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ [الأنبياء: ٣].
والجمهورُ على «عَمُوا وصَمُّوا» بفتح العين والصاد، والأصل: عَمِيُوا وصَمِمُوا؛ كَشَرِبُوا، فأعِلَّ الأولُ بالحذفِ، والثَّاني بالإدغامِ، وقرأ يحيى بن وثَّاب وإبراهيم النخعي بضم العين والصاد وتخفيف الميم من «عَمُوا»، قال الزمخشريُّ: «على تقدير عَمَاهُمُ الله وصَمَّهُمْ، أي: رَمَاهُمْ وضَرَبَهُمْ بالعَمَى والصَّمَمِ؛ كما يقال: نَزَكْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بالنَّيْزَكِ، وركَبْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بِرُكْبَتِكَ»، ولم يعترضْ عليه أبو حيان - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وكان قد قال قبل ذلك بعد أن حكى القراءة: «جَرَتْ مَجْرَى زُكِمَ الرجُلُ، وأزْكَمَهُ الله، وحُمَّ وأحَمَّه الله، ولا يقال: زَكَمَهُ الله ولا حَمَّهُ؛ كما لا يقال: عَمَيْتُهُ ولا صَمَمْتُه، وهي أفعالٌ جاءت مبنيَّةً للمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه، وهي متعدِّيةٌ ثلاثيةٌ، فإذا بُنيتْ للفاعلِ، صارتْ قاصرةً، فإذا أردت بناءَها للفاعلِ متعدِّيةً، أدخَلْتَ همزة النقْلِ، وهي نوعٌ غريبٌ في الأفعال». انتهى، فقوله: «كمَا لا يُقَالُ عَمَيْتُهُ ولا صَمَمْتُهُ» يقتضي أن الثلاثيَّ منها لا يتعدَّى، والزمخشريُّ قد قال على تقدير: «عَمَاهُمُ الله وصَمَّهُمْ» فاستعملَ ثلاثيَّةُ متعدِّياً، فإن كان ما قاله أبو حيان صحيحاً، فينبغي أن يكون كلام الزمخشريِّ فاسداً أو بالعكس.
وقرأ ابن أبي عَبْلة «كَثِيراً» نصباً؛ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف، وتقدم غيرَ مرَّة أنه عند سيبويه حالٌ، وقال مكي: «ولو نَصَبْتَ» كَثِيراً «في الكلام، لجازَ أن تجعله نعتاً لمصدر محذوف، أي: عَمى وصَمَماً كثيراً»، قلت: كأنه لم يطَّلِعْ عليها قراءةً، أو لم تَصِحَّ عنده؛ لشذُوذها.
وقوله: «فَعَمُوا» عطفَه بالفاء، وقوله: ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ عطفه ب «ثُمَّ»، وهو معنى حسنٌ؛ وذلك أنهم عَقِيبَ الحُسْبَانِ، حصل لهم العمى والصَّمَمُ من غير تَرَاخٍ، وأسند الفعلين إليهم، بخلافِ قوله: فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أَبْصَارَهُمْ [محمد: ٢٣]، لأنَّ هذا فيمن لم يَسْبِقْ له هدايةٌ، وأسند الفعل الحسنَ لنفسِه في قوله: ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ، وعطف قوله: «ثُمَّ عَمُوا» بِحَرْفِ التراخِي؛ دلالةً على أنهم تمادَوْا في الضَّلال إلى وقْتِ التوبة.
فصل في معنى العمى والصّمم
المُرَادُ بهذا العمى والصّمم الجَهْلُ والكُفْرُ، وإذا كان كذلِكَ فنقول: فَاعِلُ هذا الجَهْلِ إمَّا أن يكون هو اللَّهُ - تعالى - أو العَبْدُ.
فالأول: يُبْطِلُ قول المُعْتَزِلَةِ.
والثاني: بَاطِل؛ لأنَّ الإنسان لا يَخْتَارُ ألْبَتَّةَ تَحْصِيلَ الجَهْلِ والكُفْرِ لِنَفْسِهِ.
فإن قيل: إنَّمَا اختاروا ذلك؛ لأنَّهُمْ ظَنُّوا أنَّهُ علمٌ.
قلنا: هذا الجَهْلُ يسبقه جَهْلٌ آخَر، إلاَّ أنَّ الجهالات لا تتَسَلْسَلُ، بل لا بد من انْتِهائِهَا إلى الجَهْلِ الأوَّل، ولا يجوز أنْ يَكُون هو العَبْدُ لِما ذَكَرْنَا فوَجَب أن يكون فاعله هو اللَّهُ تعالى.
ثُمَّ قال تعالى: والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ أي: مِنْ قَتْل الأنْبيَاء وتكْذِيب الرُّسُلِ المقصود منه التَّهْدِيد. صفحة رقم 458
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود