ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

قوله : وَحَسِبُواْ أَن لا تَكُونَ فِتْنَة أي حسب هؤلاء الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد اغتراراً بقولهم : نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي تَكُون بالرفع على أنّ هي المخففة من الثقيلة، وحسب بمعنى علم، لأن " أن " معناها التحقيق. وقرأ الباقون بالنصب على أن ناصبة للفعل، وحسب بمعنى الظن، قال النحاس : والرفع عند النحويين في حسبت وأخواتها أجود، ومثله :

ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي
قوله : فَعَمُواْ وَصَمُّواْ أي عموا عن إبصار الهدى، وصموا عن استماع الحق، وهذه إشارة إلى ما وقع من بني إسرائيل في الابتداء من مخالفة أحكام التوراة، وقتل شعيا، ثم تاب الله عليهم حين تابوا، فكشف عنهم القحط ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ وهذا إشارة إلى ما وقع منهم بعد التوبة من قتل يحيى بن زكريا وقصدهم لقتل عيسى، وارتفاع كَثِيرٍ على البدل من الضمير في الفعلين.
قال الأخفش : كما تقول رأيت قومك ثلاثتهم، وإن شئت كان على إضمار مبتدأ : أي العمى والصمّ كثير منهم، ويجوز أن يكون كثير مرتفعاً على الفاعلية على لغة من قال : أكلوني البراغيث، ومنه قول الشاعر :
ولكن ديافيّ أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه
وقرئ : عموا وصموا بالبناء للمفعول : أي أعماهم الله وأصمهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال : جاء نافع بن حارثة وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها من الله حق ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكفرتم منها بما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم»، قالوا : فإنا نأخذ بما في أيدينا وإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله فيهم : قُلْ يا أهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيء حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل إلى قوله : القوم الكافرين .
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله : وَحَسِبُواْ أَن لا تَكُونَ فِتْنَة قال : بلاء.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله : لقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة قال : النصارى يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكذبوا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : تفرّقت بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى، فقالت فرقة هو الله، وقالت فرقة هو ابن الله، وقالت فرقة هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة وهي مسلمة أهل الكتاب.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية