و كلما : ظرف لكذبوا أو يقتلون، و كثير ؛ بدل من فاعل عموا وصموا.
وحسبوا أي : ظنوا ألا تكون فتنة أي : لا يقع بهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء عليهم السلام، وتكذيبهم، فعموا عن أدلة الهدى، أو عن الدين، وصموا عن استماع الوعظ والتذكير، كما فعلوا حيث عبدوا العجل، ثم تاب الله عليهم لما تابوا، ثم عموا وصموا لما قتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء، واستمر على ذلك كثير منهم ، وقليل منهم بقوا على العهد والله بصير بما يعملون فيجازيهم وفق أعمالهم.
الإشارة : لقد أخذ الله العهد على جميع بني آدم في شأن حمل الأمانة، التي حملها أبوهم آدم، وبعث الأنبياء والأولياء يجددون العهد في حملها، ويعرفون الناس بشأنها، وهي المعرفة الخاصة، التي هي شهود عظمة الربوبية في مظاهر العبودية، وحملها لا يكون إلا بمخالفة الهودى وخرق عوائد النفوس، ولا يطيقها إلا الخصوص، فلذلك كثر الإنكار على الأنبياء والأولياء ؛ إذ لم يأت أحد بخرق العوائد إلا عودي وأنكر، فكلما جاءهم رسول أو ولي بما لا تهوى أنفسهم فريقًا منهم كذبوا وفريقًا يقتلون، وظنوا أن الله لا يعاقبهم على ذلك، ولا تصيبهم فتنة في قلوبهم على ما هنالك، فعموا عن مشاهدة أنوار الحق، وصموا عمن يذكرهم بالحق، وقد تلمع لهم تارة قبس من أنوارهم، فيتوبون، ثم يُصّرون على الإنكار. والله بصير بما يعملون.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي