ربُّ المشْرِقَين وربُّ المغربين أي : مشرقي الشمس في الصيف والشتاء، ومَغْربيها. قال ابن الحشا : المشرق الشتوي : هو النقطة التي تطلع فيها الشمس فيها في الأفق في نصف دجنبر، أقصر ما يكون النهار من أيام السنة، والمشرق الصيفي : هو النقطة التي تطلع فيها الشمس في نصف يونية، أطول ما يكون من أيام السنة. والمغربان : حيث تغرب في هذين اليومين، ومشارق الشمس ومغاربها في سائر أيام السنة ليس هذين المشرقين والمغربين. ه. وقوله : في نصف دجنبر ونصف يونية، هذا في زمانه، وأمّا اليوم فهي على ثمانية أيام ونحوها، لزيادة حركة الإقبال. قال ابن عطية : متى وقع ذكر المشرق والمغرب فهو إشارة إلى الناحيتين، أي : مشرق الصيف والشتاء ومغربهما. ومتى وقع ذكر المشارق والمغارب فهو إشارة إلى تفصيل مشرق كل يوم ومغربه، ومتى ذكر المشرقان فهو إشارة إلى نهايتي المشارق والمغارب ؛ لأنّ ذكر نهايتي الشيء ذكر لجميعه. ه.
وقوله تعالى : رَبُّ المشرقين وربُّ المغربين أي : رب مشرق شمس العرفان وقمر الإيمان، ومغربهما عند غين الأنوار والأغيار. وقال القشيري : يُشير مشرق الروح والقلب، ومغرب النفس والهوى. هـ. فإذا أشرق نور الروح والقلب غابت ظلمة النفس والهوى، وإذا استولت ظلمة النفس والهوى على الروح والقلب غربت شمسهما، فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان مع ما في ذلك في اللطائف الغامضة، والغوامض الخفية، من عدم سكون الروح والقلب إلى التجلِّي الجمالي، وعدم اضطراب النفس والهوى بالتجلِّي القهري الجلالي ؛ لأنَّ الكامل من هذه الطائفة هو الذي يُشاهد الجمالَ في الجلال، والجلالَ في الجمال، فلا يسكن إلى شيء، ولا يقف مع شيء.
وقوله تعالى : مَرَجَ البحرين يلتقيان يُشير إلى بحر علم الشريعة، وبحر علم الحقيقة، يلتقيان في الإنسان الكامل، بينهما برزخ وهو العقل، فإنه يحجز الشريعةَ أن تعدو محلها، والحقيقة أن تُجاوز محلها، فالشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، والعقل برزخ بينهما، يقوم بحُكم كل واحدة منهما، فمَن خفَّ عقله غلبت إحداهما عليه، إمّا الشريعة، فيكون يابساً جامداً لا يخلو من فسوق، وإمّا الحقيقة، فيكون إما سكراناً أو زنديقاً. فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان ؟ حيث هَدى العبدَ إلى القيام بحقهما، وإنزال كل واحدة في محلها، يَخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فيخرج من بحر الحقيقة جواهرَ الحِكم ويواقيت العلوم، ومن بحر الشريعة مَرجان تحرير النقول، وتحقيق مبانيها، والإتيان بها من معادنها، فبأي آلاء ربكما تُكذَّبان حيث وفَّق غوّاص بحر الحقيقة إلى استخراج أسرارها، وغوّاص بحر الشريعة إلى إظهار أنوارها. وله الجوارِ ، أي : سفن الأفكار الجارية في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، المنشئات في بحر الذات، مع رسوخ عقلها، كالجبل الراسي، فتعوم سفنُ أفكار العارفين في بحر الجبروت وأنوار الملكوت، ثم ترسي في مرساة العبودية، للقيام بآداب الربوبية، فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان مع عظيم هذا اللطف الكبير، والمنَّة الكريمة، حيث يتلاطم عليهم أموَاجُ بحر الذات، فيكونوا من المغرقين في الزندقة، أو ذهاب العقل بالكلية، لكن مَنْ صَحبَ رئيسا عارفاً لا يخاف من الغرق إن شاء الله.
كلُّ مَن عليها فانٍ كل مَنْ على بساط المملكة فَانٍ متلاشٍ، ويبقى وجه ربك أي : ذاته المقدسة، فلا موجود معها على الحقيقة، كما قال الشاعر :
وهذا معلوم عند أرباب الأذواق، مُقرر عند أهل الفناء والبقاء، فلا يجحده إلاَّ جهول، كما قال تعالى : فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان ؟. فَالْكُلُّ دُونَ اللَّه إِنْ حَقَّقْتَه عَدمٌ عَلَى التَّفْصِيل والإجمال
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي