قوله تعالى : يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض فيه وجهان(١) :
أحدهما : أنه مستأنف.
والثاني : أنه حال من «وجه »، والعامل فيه «يبقى » أي يبقى مسئولاً من أهل السماوات والأرض.
وفيه إشكال ؛ لأنه لما قال : ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض ؟.
قال ابن الخطيب(٢) : والجواب من وجوه.
الأول : أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني : أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة ؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث : أن قوله :«ويبقى » للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع : أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل ؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه(٣).
قال ابن عباس وأبو صالح : أهل السماوات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق(٤)، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج : تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض(٥).
قال القرطبي(٦) : وفي الحديث :«إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ »(٧)
وقال ابن عطاء : إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله :«فِي شأن ».
والشأن : الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ » قال :«مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين »(٨).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال : يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيبُ داعياً(٩).
وقيل : من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر : الدّهر كله يومان :
أحدهما : مدة أيام الدنيا.
والآخر : يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة : الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون : في قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل : من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي : هو سوق المقادير المواقيت(١٠).
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له : أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى : فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين [ المائدة : ٣١ ] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى [ النجم : ٣٩ ] فما بال الإضعاف ؟.
فقال الحسين : يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة ؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل : إن ندم «قابيل » لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى [ النجم : ٣٩ ]، فمعناه : ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه(١١).
٢ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٩٥..
٣ ينظر: السابق ٢٩/٩٦..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٢) عن ابن عباس.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٦) عن أبي صالح وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر..
٥ ذكره السيوطي "الدر المنثور" (٦/١٩٦) وعزاه إلى ابن المنذر..
٦ ينظر: القرطبي ١٧/١٠٩..
٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٠٩)..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٢) وابن حبان (١٧٦٣ – موارد) وابن ماجه (٢٠٢) والبزار (٣/٧٣) رقم (٢٢٦٧) من حديث أبي الدرداء وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٧) وزاد نسبته إلى الحسن بن سفيان في "مسنده" والطبراني وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان وابن عساكر"..
٩ أخرجه البزار (٣/٧٤) رقم (٢٢٦٨ – كشف) من حديث ابن عمر..
١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٧٠)..
١١ ينظر: القرطبي ١٧/١٠٩..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود