قوله تعالى : مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ .
«الرفرف » : جمع رفرفة فهو اسم جنس.
وقيل : بل هو اسم جمع. نقله مكي١، وهو ما تدلى من الأسرة من عالي الثياب وقال الجوهري٢ :«والرفرف » : ثياب خضر تتخذ منها المحابس، الواحدة : رَفرفة.
واشتقاقه : من رف الطائر إذا ارتفع في الهواء، ورفرف بجناحيه إذا نشرهما للطَّيران، ورفرف السحاب هبوبه.
ويدلّ على كونه جمعاً وصفه بالجمع.
وقال الراغب٣ : رفيف الشجر : انتشار أغصانه، ورفيف الطائر نشر جناحيه، رَفَّ يَرِفُّ - بالكسر - ورفَّ فرخه يرُفُّه - بالضم - يفقده، ثم استعير للفقدِ، ومنه :«ما له حاف ولا رافّ »، أي : من يحفه ويتفقده، والرفرف : المنتشر من الأوراق.
وقوله : على رَفْرَفٍ خُضْرٍ ضرب من الثياب مشبه بالرياض.
وقيل : الرفرف طرف الفُسْطاط والخباء الواقع على الأرض دون الأطناب والأوتاد.
وذكر الحسن : أنه البُسُط.
وقال ابن جبير، وابن عباس أيضاً : رياض الجنة من رفّ النبت إذا نعم وحسن٤.
وقال ابن عيينة : هي الزَّرابي.
وقال ابن كيسان : هي المرافق.
وقال أبو عبيدة : هي حاشية الثوب.
وقيل : الفرش المرتفعة.
وقيل : كل ثوب عريض عند العرب، فهو رفرف.
قال القرطبي٥ :«وفي الخبر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم : فرُفِعَ الرَّفْرَفُ فَرأيْنَا وَجْهَهُ كأنَّهُ ورقَةٌ تُخَشْخِشُ ».
أي : رفع طرف الفسطاط.
وقيل : أصل الرفرف من رف النبت يرف إذا صار غضًّا نضيراً.
قال القتبي : يقال للشيء إذا كثر ماؤه من النعمة والغضاضة حتى يكاد يهتز : رفّ يرفّ رفيفاً. حكاه الهروي. وقد قيل : إن الرَّفرف شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به، وأهوى به كالمرجاح يميناً وشمالاً ورفعاً وخفضاً يتلذّذ به مع أنيسه، قاله الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول ».
قال : فالرفرف أعظم خطراً من الفرش، فذكر في الأوليين مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ .
وقال هنا : مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ .
فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الوليّ رفرف به، أي طار به حيثما يريد كالمرجاح.
ويروى في حديث المعراج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى، جاء الرفرف فتناوله من جبريل، وطار به إلى سند العرش، فذكر أنه طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي على ربّي، ثم لما كان الانصراف تناوله، فطار به خفضاً ورفعاً يهوي به حتى آواه إلى جبريل - عليه السلام٦ -.
ف «الرفرف » : خادم من الخدم بين يدي الله - تعالى - له خواصّ الأمور في محل الدنو والقرب كما أن البراق دابة تركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا الرفرف الذي سخره لأهل الجنتين الدَّانيتين هو مُتَّكأهما وفرشهما، يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه٧.
فصل في الكلام على قوله : خضر
قوله تعالى :«خُضْرٍ ». نعت هنا ب «خضر » ؛ لأن اسم الجنس ينعت بالجمع كقوله : والنخل بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ [ ق : ١٠ ] وحسن جمعه هنا جمع «حِسَان »٨.
وقرأ العامة :«رفرف » وقرأ عثمان٩ بن عفان ونصر بن عاصم والجحدري والفرقبي١٠ وغيرهم :«رفَارِفَ خُضْرٍ » بالجمع وسكون الضاد.
وعنهم أيضاً «خُضُر » بضم الضاد، وهي إتباع للخاء.
وقيل : هي لغة في جمع «أفْعَل » الصفة.
قال القرطبي١١ : وروى أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : متَّكئين على رفارف خضر وعباقر حسان . ذكره الثعلبي، وضم الضاد من «خُضُر » قليل.
وأنشد ل «طرفة » :[ الرمل ]
أيُّهَا الفِتْيانُ في مَجْلِسنَا *** جَرِّدُوا مِنهَا وِرَاداً وشُقُرْ١٢
وقال آخر :[ البسيط ]
ومَا انتميْتُ إلى خُورٍ ولا كُشُفٍ *** ولا لِئَامٍ غَداةَ الرَّوْعِ أوْزاعِ١٣
وقرءوا١٤ :«وعَباقِريَّ » - بكسر القاف وتشديد الياء - مفتوحة على منع الصرف، وهي مشكلة.
إذ لا مانع من تنوين ياء النَّسب، وكأن هذا القارئ توهم كونها في «مفاعل » تمنع من الصرف١٥.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «عباقريّ »١٦ منوناً ابن خالويه.
وروي عن عاصم :«رَفَارِف » بالصَّرف١٧.
وقد يقال في من منع «عَبَاقِري » : إنه لما جاور «رَفارِف » الممتنع امتنع مشاكلة.
وفي من صرف «رَفارف » : إنه لما جاور «عباقِريًّا » المنصرف صرفه للتناسب، كقوله : سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً [ الإنسان : ٤ ]. كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وقرأ أبو محمد١٨ المروزي وكان نحويًّا :«خُضَّار » ك «ضُرَّاب » بالتشديد، و«أفْعَل، وفُعَّال » لا يعرب١٩.
قوله :«وعَبْقريٍّ حِسَان ».
الجمهور على أن «عبقري » منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنها بلد الجن.
قال ابن الأنباري : الأصل فيه أن «عَبْقَرَ » قرية تسكنها الجن ينسب إليها كل فائق جليل.
وقال الخليل : كل منافس فاضل فاخر من الرجال والنساء وغيرهم عند العرب عبقري.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر - رضي الله عنه - :«فَلَمْ أرَ عَبْقريًّا من النَّاسِ يَفْرِي فرْيَه »٢٠.
وقال أبو عمرو بن العلاء، وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم :«فَلَمْ أرَ عَبْقريًّا من النَّاسِ يَفْرِي فرْيَه » ؛ فقال : رئيس قوم وجليلهم.
وقال زهير :[ الطويل ]
بِخَيْلٍ عليْهَا جنَّةٌ عبْقريَّةٌ *** جَدِيرُونَ يوماً أن ينَالُوا فَيستعْلُوا٢١
وقال الجوهري :«العَبْقَري » موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن ؛ قال لبيد :[ الطويل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** كُهُولٌ وشُبَّانٌ كَجِنَّةِ عَبْقَرِ٢٢
ثم نسبوا إليها كل شيء تعجبوا من حذقه وجودة صنعته وقوته، فقالوا :«عبقري » وهو واحد وجمع.
وفي الحديث :«أنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ على عَبْقَرِيّ »٢٣ وهو البُسُط التي فيها الأصباغ، والنقوش، والمراد به في الآية : قيل : البسط التي فيها الصّور والتماثيل وقيل : الزَّرابي.
وقيل : الطَّنافس.
وقيل : الدِّيباج الثَّخين.
و«عَبْقَرِي » جمع عبقرية، فيكون اسم جنس كما تقدم في «رفرف ».
وقيل : هو واحد دالّ على الجمع، ولذلك وصف ب «حِسَان »٢٤.
قال القرطبي٢٥ : وقرأ بعضهم :«عَباقِريٌّ حِسَان » وهو خطأ ؛ لأن المنسوب لا يجمع على نسبته.
وقال قطرب : ليس بمنسوب، وهو مثل :«كُرسيِّ وكَراسِيّ، وبُختيِّ وبخاتِي ».
٢ ينظر: الصحاح ٤/١٣٦٦..
٣ ينظر: المفردات ٢٨٩..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (١١/٢٧٨)..
٥ ينظر الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٢٤..
٦ تقدم..
٧ ينظر: القرطبي ١٧/١٢٤..
٨ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٠..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٣٦، والبحر المحيط ٨/١٩٧، ١٩٨، والدر المصون ٦/٢٥٠..
١٠ في أ: العوفي..
١١ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٢٥..
١٢ ينظر ديوانه (٤٤)، شرح المفصل ٥/٦٠، والمحتسب ١/١٦٢، والخزانة ٩/٣٧٩، والخصائص ٢/٣٣٥، وشرح شواهد الإيضاح ص ٥٨١، واللسان (غلف)، والضرائر لابن عصفور ١٩، ومجمع البيان ٣/٣١٧، والبحر ٨/١٩٨، وروح المعاني ٢٧/١٢٥..
١٣ البيت لضرار بن خطاب.
ينظر: الدرر ٦/١٣٤، والمقاصد النحوية ٤/١٥٧، والهمع ٢/١٣٦، والعيني ٤/١٥٧، وسيرة ابن هشام ص ٦٢٢، والبحر ٨/١٩٨، وروح المعاني ٢٧/١٢٥، والدر المصون ٦/٢٥٠..
١٤ ينظر: الكشاف ٤/٤٥٤، والبحر المحيط ٨/١٩٨، والدر المصون ٦/٢٥٠..
١٥ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٠..
١٦ ينظر: إعراب القراءات السبع لابن خالويه ٢/٣٤١، وجزء قراءات النبي -صلى الله عليه وسلم- للدوري ١٥٧..
١٧ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٣٦، والدر المصون ٦/٢٥٠..
١٨ ينظر: البحر المحيط ٨/١٩٨، والدر المصون ٦/٢٥٠..
١٩ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٠..
٢٠ أخرجه البخاري (٧/٢٦) كتاب فضائل الصحابة، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم "لو كنت متخذا خليلا" (٣٦٧٦) ومسلم (٤/١٨٦٠) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضل عمر حديث (١٧/٢٣٩٢) من حديث أبي هريرة..
٢١ ينظر شرح ديوان زهير ١٠٣، ومجاز القرآن ٢/٢٤٦، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٥/١٠٥، والمحتسب ٢/٣٠٦، ومجمع البيان ٩/٣١٧، ومعجم ما استعجم ١/٥٤٦، واللسان (عبقر)، والقرطبي ١٧/١٢٥ والبحر ٨/١٨٦..
٢٢ عجز بيت صدره:
ومن فاد من إخوانهم وبنيهم ***....................
ينظر ديوانه ص ٧٠، واللسان (عبقر)، والصحاح ٢/٧٣٤، (عبقر) والقرطبي ١٧/١٢٥..
٢٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٢٥)..
٢٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٠..
٢٥ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٢٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود