ﭰﭱﭲﭳﭴﭵ

والواحدة رفرفة (١)، وقال أبو عبيدة: الرفارف البسط (٢)، وأنشد قول مقبل فقال:

وإنا لنزالون تغشى فعالنا سواقط من أصناف ربط ورفزف (٣)
وقال أبو إسحاق: قالوا الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقالوا: الرفرف الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس، وقالوا: الرفرف فضول المحابس للفرش. (٤) واختاره المبرد فقال: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره، وكأن الأقرب هذا، لأن العرب تسمي كسر الخباء والخرقة التي تحيط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه الحديث في وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- "فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة" (٥).
قال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط (٦)، فشبه ما فضل من المجالس عما تحته بطرف الفسطاط فسمى رفرفًا يؤكد هذا ما روى هارون بن عنترة، عن أبيه (٧)، عن ابن عباس، قال في قوله:
٧٦ - رَفْرَفٍ خُضْرٍ فضول المجالس، والبسط والفرش (٨) وهو قول
(١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٩٠، و"فتح القدير" ٥/ ١٤٣.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٧١، و"اللسان" ١/ ١٢ (رفف).
(٣) لم أجده عند أبي عبيدة. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٩.
(٤) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ١٠٥.
(٥) انظر: " النهاية في غريب الحديث والأثر" ٢/ ٢٤٢) رفرف).
(٦) انظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" ١/ ١٢٠٠ (رف، رفف).
(٧) هو عنترة بن عبد الرحمن الكوفي، ثقة، وهم من زعم أن له صحبة. انظر: "تقريب التهذيب" ٢/ ٨٩.
(٨) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٩٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٩.
والمحبس: المقرمة: يعني الستر، وهي التي تبسط على وجه الفراش للنوم، و"اللسان" ١/ ٥٥١ (حبس).

صفحة رقم 202

الضحاك، ومقاتل، والحسن. قالوا: المحابس والبسط (١).
قال الحسن: كان أهل الجاهلية يقولون هي البسط (٢).
قال سعيد بن جبير: وهي الرياض، وهو قول الكلبي. (٣)
وقوله: وَعَبْقَرِيٍّ قال أبو عبيدة: كل وشى من البسط عبقري قال ويروى أنها أرض يَوشى فيها (٤).
وقال الليث: عبقر موضع بالبادية كثير الجن يقال في المثل: كأنهم جن عبقر، وقال أبو عبيدة في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما ذكر عمر "فلم أر عبقريًّا يفري فريه" (٥).
قال أبو عبيدة: وإنما أصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير (٦):

يخيل عليها جِنّةٌ عَبْقَرّيةٌ جَدِيرون يوما أن ينالوا فيستعلوا
(١) انظر: "تفسير مقاتل" ١٣٧ أ، و"الوسيط" ٤/ ٢٣، و"الجامع" للقرطبي ١٧/ ١٩.
(٢) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٩٥، وفيه: هي البسط. أهل المدينة يقولون: هي البسط.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ٥/ ٣٢٧، و"جامع البيان" ٢٧/ ٩٤، و"معالم التنزيل" ٤/ ٩٧٨، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٩.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٤٦. وقوله: (أرض يوشَّى فيها) هو ما ذكر أن عَبْقَر قرية تسكنها الجن فيما زعموا فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريباً. قالوا: عبقري. ومنه عبقري للبسط التي فيها الأصباغ والنقوش وشيت بها. اللسان (عبقر).
(٥) جزء من حديث أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب، ٥/ ١٣، ومسلم في "صحيحه"، كتاب: فضائل الصحابة (١٩)، وأحمد في "المسند" ٢/ ٢٨، ٣٩.
(٦) انظر: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٤٦، و"تهذيب اللغة"، و"اللسان" ٢/ ٦٧٢ (عبقر). والبجت في "ديوان زهير" ص ١٠٣، و"المحتسب" ٢/ ٣٠٦.

صفحة رقم 203

وهذا القول هو الصحيح في العبقري، وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن أو شبهته بهم ومنه قول لبيد (١):
جِنُّ الْبَدِيٍّ رواسيًا أقدامُها
وقال آخر يصف المرأة:

جنية أو لها جن يعلِّمُها رمي القلوب بقوس ما لها وتر
وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفًا بسكناهم فسموا كل شي مبالغ فيه إليها، ويريدون بذلك أنه من عملهم وصنعتهم هذا هو الأصل (٢)، ثم صار العبقري اسما ونعتا لكل ما بولغ في صفته، ويشهد لما ذكر بيت زهير فإنه نسب الجن إلى عبقر فثبت به أنها مكانهم، ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله -صلى الله عليه وسلم- في صفة عمر (عبقريًّا).
وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر (٣).
فلو كانت عبقر مخصوصة بالوشي لما نسب إليها غير الموشى، وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة لما ذكرنا نسب إليها كلما بولغ في وصفه.
(١) وصدره:
غُلِبَ تَشَذو بالذَّخُولِ كانَّها
ومعناه: أنهم رجال غلاظ الأعناق كالأسود يهدد بعضهم بعضًا بسبب الأحقاد التي بينهم. ثم شبههم بجن هذا الموضع (البدّي) في ثباتهم في الخصام والجدل. وانظر: "ديوانه" ص ١٧٧، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص ٩٠، و"الإنصاف" ص ٧٧٢، و"الخزانة" ٤/ ١٥٧.
(٢) انظر: "اللسان" ٢/ ٦٧٢، (عبقر)، و"الجامع" للقرطبي ١٧/ ١٩٢.
(٣) انظر: "معالم التنزيل" ٤/ ٢٧٨، و"المفردات" (عبقر)، و"اللسان" ٢/ ٦٧٢ (عبقر).

صفحة رقم 204

قال ابن عباس في قوله: وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ يريد البسط والطنافس (١)، وقال الكلي: هي الطنافس المخملة (٢).
وقال قتادة: هي عتاق الزرابي (٣)، وهو قول سعيد بن جبير (٤).
وقال مجاهد: الديباج الغليظ (٥).
وعبقري هاهنا: جمع، واحده عبقرية، لذلك قال: حِسَانٍ فجمع وأما قراءة من قرأ عباقري حسان وهي تروى عن عاصم الجحدري (٦) ورويت أيضًا مرفوعة (٧)، قال أبو عبيدة: وهذا وجه لا إسناد له ولا أراه محفوظًا ولو كان له أصل لكان على ترك الإجراء؛ لأنه وجه الإعراب (٨).

(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٢/ ٤٩ أولم ينسبه لقائل.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" ٥/ ٣٢٣.
(٣) انظر: "معالم التنزيل" ٤/ ٢٧٨.
(٤) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٩٥، و"تفسير مجاهد" ٢/ ٦٤٤، ومعنى "عتاق الزرابي" أي كرام الوسائد.
(٥) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٩٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٩٢.
(٦) هو عاصم بن أبي الصباح الجحدري الضري، أخذ القراءة عرضًا عن سليمان بن قثه عن ابن عباس، وقرأ أيضًا على نصر بن عاصم، والحسن، ويحيى بن يعمر، وقراءته في الكامل والإفصاح فيها مناكير، ولا يثبت سندها، والسند إليه صحيح في قراءة يعقوب من قراءة على سلام عنه، مات قبل الثلاثين ومائة. انظر: "غاية الرواية" ١/ ٣٤٩.
(٧) انظر: "المحتسب" ٢/ ٣٠٥ "مختصر ابن خالويه" ص ١٥، و"الكشاف" ٤/ ٥٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٩١، و"البحر المحيط" ٨/ ١٩٩.
(٨) قال النحاس: (وإسنادها ليس بالصحيح، وزعم أبو عبيد أنها لو صحت لكانت وعَبَقريَّ بغير إجراء، وزعم أنه هكذا يجب في العربية، وهذا غلط بين عند جميع النحويين؛ لأنهم قد أجمعوا جميعًا أنه يقال: رجل مَدَائني، بالصرف.
انظر: "إعراب القرآن" ٣/ ٣١٧، و"معاني القرآن" للفراء ٣/ ١٩.

صفحة رقم 205

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية