الجنة، وبين الكافرين أهل النار، فالأولون ناجون فائزون بالمطلوب، والآخرون فاسقون هالكون معذبون.
٥- احتج الشافعية بآية: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ... على أن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي، وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.
مكانة القرآن وعظمة منزّله ذي الأسماء الحسنى
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)
الإعراب:
لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً منصوبان على الحال من هاء لَرَأَيْتَهُ لأن (رأيت) من رؤية البصر.
الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ الْمُصَوِّرُ من صوّر يصوّر، لا من صار يصير فهو مصيّر، وهو مرفوع على أنه وصف بعد وصف، أو خبر بعد خبر. وقرئ المصور وهو آدم عليه السلام وأولاده، والمعنى: الخالق الذي برأ المصوّر، وقرئ الْمُصَوِّرُ بالجر على الإضافة، كقولهم:
الضارب الرجل، بالجر حملا على الصفة المشبهة باسم الفاعل، كقولهم: الحسن الوجه.
البلاغة:
لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً تمثيل وتخييل مثل آية: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ...
الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ أي وجعل فيه تمييز ووعي كالإنسان. لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً خاشِعاً منقادا خاضعا، ومُتَصَدِّعاً متشققا. وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي وتلك الأمثال المذكورة يراد بها توبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن، لقساوة قلبه، وقلة تدبّره.
الْغَيْبِ ما غاب عن الحس والمشاهدة من العوالم غير المرئية. الشَّهادَةِ عالم الماديات والمرئيات المشاهدة المحسوسة، وقدم الغيب على الشهادة، لأن الغيب معدوم متقدم في الوجود، والشهادة موجود متأخر. الْقُدُّوسُ الطاهر المنزه عما لا يليق به من النقص. السَّلامُ ذو السلامة من كل نقص وآفة. الْمُؤْمِنُ المصدّق رسله فيما بلّغوه عنه بالقول، أو بخلق المعجزة على أيديهم، أو هو واهب الأمن لعباده. الْمُهَيْمِنُ الرقيب على أعمال عباده، الحافظ لكل شيء.
الْعَزِيزُ القوي الغالب. الْجَبَّارُ الذي جبر خلقه على ما أراد. الْمُتَكَبِّرُ البليغ الكبرياء والعظمة، الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصانا. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ تنزه الله عما يصفه به المشركون من الصاحبة والولد والشريك، فلا يشاركه أحد من خلقه في شيء من ذلك.
الْخالِقُ المقدّر للأشياء على مقتضى حكمته. الْبارِئُ المنشئ من العدم، الموجد للأشياء بريئا من التفاوت. الْمُصَوِّرُ الموجد لصورها وكيفياتها كما أراد. لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى: مؤنث الأحسن، وقد وصفت بالحسنى، لأنها دالة على محاسن المعاني التي تظهر في هذا الوجود، فإن جمال الكون البديع دليل على كمال صفات الموجد المبدع.
يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ينزهه جميع المخلوقات، لتنزهه عن النقائص كلها.
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الجامع للكمالات كلها المتمثلة في كمال القدرة والعلم.
المناسبة:
بعد بيان أحوال اليهود والمنافقين، وأمر المؤمنين بالتقوى والاستعداد ليوم
القيامة، عظّم الله عز وجل أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان، ونبّه إلى عظمة منزّل القرآن ذي الأسماء الحسنى الذي انقادت السموات والأرض لحكمه وأمره ونهيه، وتنزه عن النقائص.
التفسير والبيان:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي لقد بلغ من شأن القرآن وعظمته وبلاغته واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب، أنه لو أنزل على جبل من الجبال، وجعل له عقل كما جعل للبشر، لرأيت الجبل، مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة، خاشعا خاضعا متذللا منقادا، متشققا من خوف الله، حذرا من عقابه، وخوفا من عدم أداء ما يجب عليه من تعظيم كلام الله تعالى.
وهذا تعظيم لشأن القرآن، وتمثيل لعلو قدره وشدة تأثيره على النفوس، لما فيه من المواعظ والزواجر، ولما اشتمل عليه من الوعد الحق والوعيد الأكيد، فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته، لو فهم هذا القرآن لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالى:
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي وهذه الأمثال المذكورة نضربها لجميع الناس، لعلهم يتفكرون فيما يجب عليهم التفكر فيه ليتعظوا بالمواعظ، وينزجروا بالزواجر، وقد قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى الآية [الرعد ١٣/ ٣١] أي لكان هذا القرآن.
وثبت في الحديث المتواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع، وجاء النبي ﷺ ليخطب، فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند
ذلك حنّ الجذع، وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يسكّت، لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده.
والمراد بالآية التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار، وغلظ طباعهم، وتوبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن، فإذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته، لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟!! ثم عظم الله تعالى شأن القرآن بوجه آخر، وهو التنبيه على أوصاف منزّله فقال:
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ أي إن الله منزل القرآن، هو الذي لا إله إلا هو، فلا رب غيره، ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم ما غاب عن الإحساس وما حضر، يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، من جليل وحقير، وصغير وكبير، في الذرّ (النمل الأسود) في الظلمات، وأنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف ٧/ ١٥٦] وقال سبحانه: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام ٦/ ٥٤].
ثم ذكر الله تعالى أوصافا أخرى لنفسه، فقال:
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ أكد تعالى صفة الوحدانية مرة أخرى، وكرر ذلك للتأكيد والتقرير في مطلع هذه الآية كالتي قبلها، فهو تعالى الإله الواحد الذي لا شريك له، المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها، بلا ممانع
ولا مدافع، الظاهر من كل عيب، المنزه عن كل نقص، الذي سلم من كل نقص وعيب لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله، وسلم الخلق من ظلمه، والواهب الأمن والصدق لأنبيائه بالمعجزات، وأمن خلقه من أن يظلمهم، فهو المصدق لرسله بإظهار المعجزات، وللمؤمنين بما وعدهم به من الثواب، وهو الشاهد الرقيب على عباده بأعمالهم، فهو بمعنى الرقيب عليهم، كقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج ٨٥/ ٩]. وقوله: ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ [يونس ١٠/ ٤٦]. وقوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد ١٣/ ٣٣].
وهو القاهر الغالب غير المغلوب، الذي قد عزّ كل شيء، فقهره وغلب الأشياء، ذو الجبروت أي العظمة، الذي تكبر عن كل نقص، وتعظم عما لا يليق به، والكبر في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم،
قال ﷺ في الحديث القدسي الصحيح: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذّبته» «١».
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزه الله عما يصفه به المشركون من إشراكهم بالله غيره، كالصاحبة والولد والشريك.
ثم قال الله تعالى:
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ، لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى، يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي هو الله الخالق أي المقدّر للأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته، البارئ، أي المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها،
أخرجه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري بلفظ: «العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته»
وفي رواية: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما قصمته ثم قذفته في النار».
[.....]
فالخلق: التقدير، والبرء: هو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئا ورتّبه، يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل، وهو المصوّر، أي الموجد للصور على هيئات مختلفة، وصفات أرادها، كما قال: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار ٨٢/ ٨] وله الأسماء والصفات الحسنى التي لا يماثله أحد فيها، لعزته، ومن عزته كان منزها عن النقائص، أهلا للتسبيح، ينطق بتنزيهه بلسان الحال أو المقال كل ما في السموات والأرض، ومن حكمته أنه أمر المكلفين في السموات والأرض بأن يسبحوا له ليربحوا، لا ليربح هو عليهم، كما قال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء ١٧/ ٤٤].
وهو القوي الغالب القاهر الذي لا يغالبه مغالب، الشديد الانتقام من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه وشرعه وقدره، وفي كل الأمور التي يقضي فيها، فهو كامل القدرة، كامل العلم.
وإنما قدم ذكر الخالق على البارئ، لأن ترجيح الإرادة مقدم على تأثير القدرة، وقدم البارئ على المصور، لأن إيجاد الذوات مقدم على إيجاد الصفات.
وتقدم بيان أسماء الله الحسنى في الآية (١٨٠) من سورة الأعراف والآية (١١٠) من سورة الإسراء.
ويحسن
ذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر»
ورواه أيضا الترمذي وابن ماجه بالزيادة التالية، وأذكر هنا لفظ الترمذي: «هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفّار،
القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العليّ، الكبير، الحفيظ، المغيث، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقّ، الوكيل، القويّ، المتين، الوليّ، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصّمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البرّ، التوّاب، المنتقم، العفوّ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغنيّ، المعي، المعطي، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- حثّ الله تعالى، على تأمل مواعظ القرآن، وبيّن أنه لا عذر في ترك التدبّر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها، لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة أي ذليلة، متصدعة، أي متشققة من خشية الله، كما ذكر القرطبي.
٢- إن هذا المثل للناس للتفكر والتدبر، فإنه لو نزل هذا القرآن على جبل كما تقدم، لخشع لوعده وتصدّع لوعيده.
٣- الله تعالى عالم السرّ والعلانية، وما كان وما يكون، ما لم يعلم العباد ولا عاينوه، وما علموا وشاهدوا، وعالم بالآخرة والدنيا، وهو الواسع الرحمة، المنعم بجلائل النعم ودقائقها.
٤- الله تعالى مالك الملك، القدّوس (المنزّه عن كل نقص، والطاهر من كل عيب)، السلام (ذو السلامة من النقائص) المؤمن (المصدّق لرسله بإظهار معجزاته على أيديهم، ومصدّق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب) المهيمن (الرقيب الحافظ لكل شيء) العزيز (الغالب القاهر) الجبار (العظيم) المتكبر (الذي تكبر بربوبيته، فلا شيء مثله) والكبرياء في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذمّ.
وهو المنزه لجلالته وعظمته عما يشرك به المشركون، والخالق (المقدّر) والبارئ (المنشئ المخترع) والمصوّر (مركب الصور على هيئات مختلفة) وله الأسماء والصفات الحسنى، وينزهه جميع ما في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم (كامل القدرة وكامل العلم).
عن أبي هريرة قال: سألت خليلي أبا القاسم رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم، فقال: يا أبا هريرة، عليك بآخر سورة الحشر، فأكثر قراءتها، فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي.
وقال جابر بن زيد: إن اسم الله الأعظم هو الله، لمكان هذه الآية.
وعن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ سورة الحشر، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».
وقال صلى الله عليه وسلم: «ما أصاب عبدا همّ ولا حزن، فدعا بهذا الدعاء (أي بأسماء الله الحسنى) إلا أذهب الله همّه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا».
وأخرج الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر.
وفي رواية عبد الرحمن النيسابوري عن البراء عن علي رضي الله عنهما أنه قال: يا براء، إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم، فاقرأ من أول
سورة الحديد عشر آيات، وآخر الحشر، ثم قل: يا من هو كذلك، وليس شيء هكذا غيره أسألك أن تفعل لي كذا وكذا، فو الله لو دعوت علي لخسف بي.
وأخرج الديلمي عن علي وابن مسعود مرفوعا أنه قال في قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا إلى آخر السورة: هي رقية الصداع.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الممتحنةمدنيّة، وهي ثلاث عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الممتحنة (بكسر الحاء) أي المختبرة، بإضافة الفعل إلى المرأة مجازا، كما سميت سورة (براءة) : المبعثرة والفاضحة، لما كشفت عيوب المنافقين. ويقال: (الممتحنة) بفتح الحاء وهو المشهور بإضافة الفعل حقيقة إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قال الله تعالى:
فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ [١٠] الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة الحشر من وجهين:
١- ذكر في الحشر موالاة المؤمنين بعضهم بعضا، ثم موالاة الذين نافقوا للكفار من أهل الكتاب، وافتتحت هذه السورة بنهي المؤمنين عن اتخاذ الكافر أولياء، لئلا يشابهوا المنافقين في ذلك، وكرر النهي في السورة، ثم ختمت به.
٢- كانت سورة الحشر في المعاهدين من أهل الكتاب، وهذه السورة للمعاهدين من المشركين، لأنها نزلت في صلح الحديبية، فالسورتان تشتركان في بيان علاقات المسلمين مع غيرهم. صفحة رقم 115
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كغالب السور المدنية في بيان الأحكام التشريعية، وهي هنا أحكام المتعاهدين من المشركين، والذين لم يقاتلوا المسلمين، والمؤمنات المهاجرات وامتحانهن.
ابتدأت السورة بالنهي عن موالاة المشركين وأسباب ذلك وهي إيذاء المؤمنين وعداوتهم لله ولمن آمنوا، وإلجاؤهم إلى الهجرة وترك الديار والأوطان.
ثم ذكرت أن القرابة أو الصداقة غير نافعة يوم القيامة، وإنما النافع للإنسان هو الإيمان والعمل الصالح: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ...
وأعقبت ذلك بضرب الأمثال بقصة إبراهيم ومن معه من المؤمنين، وتبرؤهم من قومهم المشركين، ليتخذ المؤمن أبا الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن قدوة وأسوة طيبة: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ.. الآيات.
ثم وضعت أصول العلاقات بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب في حالتي السلم والحرب، والمودة والعداوة: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ.. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ الآيات.
وانتقل البيان عقب ما ذكر إلى حكم العلاقات مع المشركين فيما يتعلق بالنساء المؤمنات، وضرورة امتحانهن عند الهجرة لدار الإسلام، وعدم ردهن إلى الكفار في دار الكفر وإيتاء أزواجهن مهورهن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ.. الآيات.
واستتبع ذلك بيان حكم مبايعة الرسول ﷺ لهن، وشروط البيعة وبنودها، وأصولها في الإسلام وداره.
وختمت السورة بتأكيد النهي عن موالاة أعداء المؤمنين من المشركين
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي