ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

تعالى. فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: خذلهم الله تعالى، حتى تركوا حظ أنفسهم أن يقدموا خيرا لها. أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: العاصين، ويقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي:
تركوا ذكر الله وما أمرهم به فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: فترك ذكرهم بالرحمة والتوفيق، ويقال:
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني: تركوا عهد الله ونبذوا كتابه وراء ظهورهم، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: أنساهم حالهم، حتى لم يعملوا لأنفسهم ولم يقدموا لها خيرا. أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: الناقضين للعهد.
ثم ذكر مستقر الفريقين، فقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، يعني: لا يستوي في الكرامة والهوان في الدنيا والآخرة، لأن أصحاب الجنة في الدنيا موفقون منعمون معتصمون، وفي الآخرة لهم الثواب والكرامة، وأصحاب النار مخذولون في الدنيا معذبون في الآخرة. ويقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ في الآخرة، لان أصحاب الجنة يتقلبون في النعيم، وأصحاب النار يتقلبون في النار والهوان. ثم قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ يعني: المستعدون الناجون، وأصحاب النار الهالكون.
ثم وعظهم ليعتبروا بالقرآن، فقال عز وجل: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ يعني:
القرآن الذي فيه وعده ووعيده لو أنزلناه على جبل، لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ يعني: خاضعا متصدعا، ويقال: يندق من خوف عذاب الله، فكيف لا يندق ولا يرق هذا الإنسان ويخشع؟ ويقال: هذا على وجه المثل، يعني: لو كان الجبل له تميز عقل، لتصدع من الخشية.
ثم قال عز وجل: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يعني: نبينها للناس، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا في أمثال الله، يعني: يعتبرون ولا يعصون الله تعالى. ثم قال:
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني:
عالم السر والعلانية، ويقال: الغيب: ما غاب عن العباد. والشهادة: ما شاهدوه وعاينوه ويقال: عالم بما كان وبما يكون، ويقال: عالم بأمر الآخرة وبأمر الدنيا. ثم قال: هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ يعني: العاطف على جميع الخلق بالرزق، الرَّحِيمُ بالمؤمنين.
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)
ثم قال عز وجل: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ يعني: مالك كل شيء،

صفحة رقم 432

وهو الملك الدائم الذي لا يزول ملكه أبدا. ثم قال: الْقُدُّوسُ يعني: الطاهر عما وصفه الكفار ولهذا سمي بيت المقدس يعني: المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب. ثم قال:
السَّلامُ يعني: يسلم عباده من ظلمه، ويقال: سمى نفسه سلاما، لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء. ثم قال: الْمُؤْمِنُ يعني: يؤمن أولياؤه من عذابه ويقال:
الْمُؤْمِنُ أي: يصدق في وعده ووعيده ويقال: الْمُؤْمِنُ يعني: قابل إيمان المؤمنين. ثم قال: الْمُهَيْمِنُ يعني: الشهيد على عباده بأعمالهم، ويقال: الْمُهَيْمِنُ يعني: المويمن فقلبت الواو هاء، وهو بمعنى الأمين. ثم قال: الْعَزِيزُ يعني: الذي لا يعجزه شيء عما أراد ويقال: الْعَزِيزُ الذي لا يوجد مثله. ثم قال: الْجَبَّارُ يعني: القاهر لخلقه على ما أراده، ويقال: الغالب على خلقه ومعناهما واحد. ثم قال: الْمُتَكَبِّرُ يعني: المتعظم على كل شيء، ويقال: الْمُتَكَبِّرُ الذي تكبر عن ظلم عباده. ثم قال: سُبْحانَ اللَّهِ يعني: تنزيها لله تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: عما وصفه الكفار من الشريك والولد، ويقال: سُبْحانَ اللَّهِ، بمعنى: التعجب يعني عجبا عما وصفه الكفار من الشريك.
قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ يعني: خالق الخلق في أرحام النساء، ويقال: خالق النطف في أصلاب الآباء، المصور للولد في أرحام الأمهات ويقال: الْخالِقُ يعني:
المقدر. الْبارِئُ الذي يجعل الروح في الجسد، ويقال: الْبارِئُ يعني: خالق الأشياء ابتداء. ثم قال: الْمُصَوِّرُ للولد في أصلاب الآباء. لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني: الصفات العلى، ويقال: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وهي تسعة وتسعون اسما، مائة غير واحد. مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ. وروى أبو هريرة- رضي الله عنه-، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مائَةً غير واحد مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.
ثم قال: يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: يخضع له ما في السموات والأرض، يعني: جميع الأشياء، كقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره. فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، فما الحكمة في أنه نهى عباده عن مدح أنفسهم ومدح نفسه؟ قيل له: عن هذا السؤال جوابان: أحدهما: أن العبد، وإن كان فيه خصال الخير فهو ناقص، وإن كان ناقصا لا يجوز له أن يمدح نفسه- والله سبحانه وتعالى تام الملك والقدرة، فيستوجب به المدح. فمدح نفسه ليعلم عباده فيمدحوه- وجواب آخر: أن العبد، وإن كان فيه خصال الخير، فتلك الخصال أفضال من الله تعالى، ولم يكن ذلك بقدرة العبد، فلهذا لا يجوز له أن يمدح نفسه. والله سبحانه وتعالى إنما قدرته وملكه له، ليس لغيره، فيستوجب به المدح. ومثال هذا أن الله تعالى نهى عباده أن لا يمنوا على أحد بالمعروف، وقد من الله تعالى على عباده للمعنى الذي ذكرناه في المدح والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

صفحة رقم 433

بحر العلوم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية