تشجيع وتنويه وتطمين للمخلصين، وتنديد وإنذار للمنافقين والكفار من أهل الكتاب موضوع الآيات السابقة.
ولقد روى ابن كثير في سياق تفسير الآية الأولى حديثا أخرجه الإمام أحمد ومسلم جاء فيه: «أنه جاء إلى رسول الله قوم من مضر حفاة عراة شديدي العياء فتغير وجهه لما رأى بهم من الفاقة، فأمر بلالا فأذّن وأقام الصلاة فصلّى بالناس ثم خطبهم فقرأ آية سورة النساء هذه: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)، ثم قرأ الآية الأولى من هذه الآيات ثم وقف عند جملة وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وقال هو تصدّق الرجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع برّه من صاع تمره حتى قال ولو بشقّ تمرة، فجاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفّه تعجز عنها بل عجزت ثم تتابع الناس حتى تكوّم كومان من طعام وثياب فتهلّل وجه رسول الله ثم قال من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».
حيث ينطوي في هذا الحديث الرائع كيف كان رسول الله ﷺ يستخرج العبرة والموعظة من الآيات ويوجّه الناس بها نحو الخير والبرّ ويشجع عليهما بمثل هذه القوة وكيف كان أصحاب رسول الله يسارعون في الاستجابة ابتغاء رضوان الله ورسوله رضي الله عنهم.
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)
(١) القدوس: المبالغ في التنزّه والطهارة.
(٢) السلام: المرجو للأمن والسلام.
(٣) المؤمن: واهب الأمن والطمأنينة. وقرئت (المؤمن) بمعنى المعتمد الذي يركن إليه ويؤمن له.
(٤) المهيمن: المراقب والمسيطر على عباده.
(٥) الخالق: قيل إن معنى الكلمة المقدّر لما يوجده على ما اقتضته حكمته.
(٦) البارئ: قيل إن معناها الموجد لما يخلقه من العدم أو المنشئ له أو المميز لأنواعه.
تعليق على الآية لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ والآيتين التاليتين لها
لم يرو المفسرون مناسبة لنزول هذه الآيات أيضا والمتبادر أنها استمرار للتعقيب على الآيات السابقة وبقصد تقرير كون ما في القرآن من الآيات والمعاني والحكمة والموعظة والقوّة الروحانية والهداية لو نزل على جبل لخشي الله وتصدّع من خشيته. وكون الذي أنزله هو الله ذو الأسماء الحسنى الذي يسبّح له ما في السموات والأرض ويعنون لعظمته وقدرته، المقدّس المنزّه عن كل شائبة الذي لا يعزب عن علمه وإحاطته شيء ظاهر وخفي وحاضر وغائب، العظيم في رحمته واهب الأمن والسلام، القوي الذي أوجد كل شيء من العدم وميّز أنواعه. الذي لا يفعل إلّا ما فيه الحكمة. المتعالي عن كلّ شريك وندّ. وكون ذلك يستوجب تأثر الناس بالقرآن وخشيتهم وخضوعهم جميعا لله اعترافا وعبادة وطاعة. وكون ذلك مما ينبّه الله تعالى إليه الناس لعلّهم يتنبهون ويتفكرون فيما يجب عليهم نحوه ويؤدونه له.
وقد انطوى فيها معنى التأنيب والتنديد للذين لا يتأثرون بالقرآن ولا يخلصون لله وهم الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، الذين حذّرت الآيات السابقة المؤمنين من أن يكونوا مثلهم.
ولقد احتوت الآيات مجموعة رائعة من أسماء الله الحسنى لم تجتمع في مجموعة قرآنية أخرى مع التنبيه على أنها وردت متفرقة في آيات متعددة. وأسلوبها نافذ من شأنه أن يثير في النفس الطيبة الشعور بهيبة الله وعظمته وقوّة القرآن الروحية.
ولقد أورد ابن كثير في سياق تفسير هذه الآيات حديثا أخرجه الإمام أحمد عن معقل بن يسار عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال حين يصبح- ثلاث مرات- أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قرأ الآيات الثلاث من آخر سورة الحشر وكّل الله به سبعين ألف ملك يصلّون عليه حتى يمسي وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا. ومن قالها حين يسمي كان بتلك المنزلة».
وفي الحديث تنويه قوي بفضل الآيات وقوّة روحانيتها. ولقد كان النبي ﷺ يخاطب بحديثه أصحابه المؤمنين المخلصين الصالحي الأعمال حيث يسوغ هذا أن يقال إن الشخص الذي يعمل به ويريد أن يحصل على المنزلة المذكورة فيه لا بد من أن يكون متحققا بالإيمان والإخلاص والصلاح في الوقت نفسه.
ولقد أورد المفسر نفسه في سياقها أيضا حديثا عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ فيه أسماء الله الحسنى أوردناه وأوردنا الأسماء الحسنى المذكورة فيه وعلقنا عليه في سياق تفسير الآية [١٨٠] من سورة الأعراف فنكتفي بهذا التنبيه.
سورة الجمعة
هذه السورة فصلان. في أولهما تنديد باليهود بسبب تفاخرهم باختصاص الله إيّاهم بالفضل على غيرهم وتكذيبهم وتحدّ لهم. وبيان ما كان من فضل الله على العرب الأميين في إرسال نبي منهم إليهم يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وفي ثانيهما تنديد بفريق من المسلمين كانوا يتركون النبي يوم الجمعة وهو يخطب ويخرجون من المسجد إذا ما رأوا لهوا أو تجارة. وحظر للبيع في وقت صلاة الجمعة. وإيجاب للسعي إليها. وإباحة ابتغاء فضل الله بالتجارة بعدها.
ولا يبدو تناسب موضوعي وظرفي بين فصلي السورة مع اقتصارها عليهما.
ولا يبدو حكمة ذلك واضحة إلى أن يكون اليهود قد أنكروا بعث الله تعالى نبيّا من الأميين ثم فاخروا المسلمين بأن توراتهم احتوت تحديد يوم لله من أيام الأسبوع ثم تفاخروا بأنهم هم وحدهم أولياء الله. فأوحى الله بفصول السورة على سبيل الردّ والتنديد والتحدي. ولقد روى البخاري ومسلم حديثا عن أبي هريرة سنورده في سياق تفسير الآيات الأولى من السورة تفيد عبارته أن سورة الجمعة نزلت دفعة واحدة. وقد يدعم هذا ما خمنّاه وما هو نتيجة ذلك من ترابط فصلي السورة. والله تعالى أعلم.
وترتيب هذه السورة في ترتيب النزول الذي يرويه المصحف الذي اعتمدناه هو الرابع والعشرون. والتراتيب المروية الأخرى مقاربة لذلك «١». مع أن محتوى السورة يدل على أنها نزلت في وقت كان في المدينة فيه فريق من اليهود وكانوا على شيء من القوة والاعتداد. ولما كان يهود بني قريظة هم آخر من بقي من
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة