وهم قد كانوا فى غنى عن ذلك، وهذا شأن كثير من الناس يوقعون أنفسهم فى المشكلات بسوء صنيعهم ثم يحارون فى المخلص منها.
وذكر البخاري فى تفسير قضاء الأمر عدة وجوه:
(١) أن سنة الله قد جرت بأن أقوام الرسل إذا اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا بها يعذبهم الله عذاب الاستئصال، والله لا يريد أن يستأصل هذه الأمة التي بعث فيها خاتم رسله نبى الرحمة «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ».
(٢) أنهم لو شاهدوا الملك بصورته الأصلية لزهفت أرواحهم من هول ما يشاهدون.
(٣) أن رؤية الملك بصورته آية ملجئة يزول بها الاختيار الذي هو قاعدة التكليف.
(٤) أنهم اقترحوا ما لا يتوقف عليه الإيمان، فلو أعطوه ولم يجد ذلك معهم نفعا دل ذلك على منتهى العناد الذي يستدعى الإهلاك وعدم النظرة.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠ الى ١١]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)
تفسير المفردات
الهزؤ: (بضمتين أو ضم فسكون) والاستهزاء: السخرية. والاستهزاء بالشخص:
احتقاره وعدم الاهتمام بأمره، وحاق به المكروه يحيق حيقا: أحاط به فلم يكن له منه مخلص
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف مقترحاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم تارة يطلبون إنزال ملك مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخرى يطلبون إنزال ملك بالرسالة، وكان مبنى هذه المقالة الاستهزاء، وكان قلب الرسول يضيق بها درعا عند سماعه إياها ذكر هنا ما يخفف عنه ما يلاقيه منهم من سوء الأدب ومن الهزؤ والسخرية، فأبان له أنك لست ببدع من الرسل، فإن كثيرا منهم لاقوا من أقوامهم مثل ما لاقيت بل أشد من ذلك وأنكى، فأنزل الله بهم من العذاب ما يستحقونه كفاء أفعالهم الشنيعة وجرأتهم على من اصطفاهم ربهم من خلقه، ثم أمر هؤلاء المكذبين بأن يسيروا فى الأرض ليروا كيف كانت عاقبة المكذبين لأنبيائه.
الإيضاح
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أخبر الله رسوله بأن الكفار قد استهزءوا برسل كرام قبلك كما جاء فى قوله: «وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» فما تراه من استهزاء كفار قريش بك ليس ببدع منهم بل هم جروا فيه على آثار أعداء الرسل قبلك وقد حل بأولئك الساخرين العذاب الذي أنذرهم إياه أولئك الرسل جزاء على سوء صنيعهم، وفى الآية وجوه من العبرة:
(١) تعليم النبي ﷺ سنن الله فى الأمم مع رسلهم.
(٢) تسلية له عن إيذاء قومه له.
(٣) بشارة له بحسن العاقبة وما سيكون له من الغلبة والسلطان، وما سيحل بأولئك المستهزئين من الخزي والنكال، وقد أهلكهم الله وامتنّ على نبيه بذلك
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي