ولم تكن بهم حاجة إليه، وهذا كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [المنافقون: ٣] وكان (١) الطبع معاقبة لهم على الكفر بعد الإيمان، فكذلك قوله: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ أي: نعاقبهم باللبس بما لبسوا على أنفسهم، فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم علي ما كان منهم من التخليط في السؤال (٢).
١٠ - قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ الآية. قال المفسرون (٣): (هذه الآية تعزية للنبي - ﷺ - وتسلية له عما يرى من تكذيب المشركين إياه واستهزائهم به؛ إذ جعل إسوته في ذلك بالأنبياء الذين كانوا قبله، وتحذير المشركين الذين فعلوا بنبيهم ما فعل من قبلهم من مكذبي الرسل فحل بهم العذاب).
وقوله تعالى: فَحَاقَ قال النضر (٤): (يقال: حاق بهم العذاب كأنه وجب عليهم. قال: يقال: حاق العذاب يحيق، فهو حائق) (٥).
وقال الليث (٦): (الحيق: ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء بعمله
(٢) لم أقف عليه. وانظر: "تفسير الماوردي" ٢/ ٩٧، و"تفسير ابن عطية" ٥/ ١٣٣، و"بدائع التفسير" ٤/ ١٤٢.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ١٥٣، والسمرقندي في "تفسيره" ١/ ٤٧٥، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ١٣١، والزمخشري في "تفسيره" ٢/ ٧، وابن عطية في "تفسيره" ٥/ ١٣٤، والقرطبي في "تفسيره" ٦/ ٣٩٤، وابن كثير في "تفسيره" ٢/ ١٤١.
(٤) النضر بن شميل المازني، أبو الحسن البصري، توفي سنة ٢٠٤ هـ تقدمت ترجمته.
(٥) "تهذيب اللغة" ١/ ٧٠٨.
(٦) الليث بن نصر بن سيار الخراساني، ويقال: الليث بن المظفر بن نصر بن سيار، إمام لغوي، صاحب نحو وغريب وشعر، ومن أصحاب الخليل، ويقال: إنه هو الذي ألف كتاب "العين". انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٤٧، و"إنباه الرواة" ٣/ ٤٢، =
فنزل ذلك به. كقول: أحاق الله بهم مكرهم وحاق بهم مكرهم) (١) سلمة (٢) عن الفراء في قوله: وَحَاقَ بِهِمْ [الأحقاف: ٢٦] هو في كلام العرب عاد عليهم) (٣).
قال ابن عباس في رواية (٤) عطاء في قوله تعالى: فَحَاقَ (يريد: فحَلَّ)
وقال الربيع (٥): (نزل) (٦).
وقال الفراء (٧): (يقال: حاق بهم يحيق حيقًا وحيوقًا وحيقانًا، بفتح الحاء والياء) (٨).
(١) "تهذيب اللغة" ١/ ٧٠٨، وانظر: "العين" ٣/ ٢٥٦ (حاق).
(٢) سلمة بن عاصم البغدادي، أبو محمد، إمام لغوي نحوي، تقدمت ترجمته.
(٣) "معاني الفراء" ٣/ ٥٦، وزاد فيه: (وجاء في التفسير نزل بهم).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٧٥ ب والواحدي في "الوسيط" ١/ ١٣، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ١٣٠ عن عطاء فقط.
(٥) الربيع بن أنس بن زياد البكري البصري نزيل خراسان، تقدمت ترجمته.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٧٥ ب، والواحدي في "الوسيط" ١/ ١٣، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ١٣٠.
(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٣ دون (وحيقانا)، ولم أقف عليه في معناه، ولعله من كتاب المصادر المفقود.
(٨) انظر: الطبري في "تفسيره" ٧/ ١٥٤، والقرطبي في "تفسيره" ٦/ ٣٩٤، و"البحر" ٤/ ٨٠، و"الدر المصون" ٤/ ٥٤٦، وفي "القاموس" ص ٨٧٧. قال: (حاق به يحيق حيقًا وحيوقًا وحيقانًا أحاط به). وانظر: "الصحاح" ٤/ ١٤٦٦، و"المجمل" لابن فارس ١/ ٢٥٩، و"مقاييس اللغة" ٢/ ١٢٥، و"المفردات" ص ٢٦٦، و"اللسان" ٢/ ١٠٧٢ (حاق).
قال الضحاك: فَحَاقَ: (أي: أحاط) (١)، وهو اختيار الزجاج؛ لأنه قال في قوله: وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [هود: ٨]: أي: أحاط بهم العذاب الذي هو جزاء ما كانوا (٢) يستهزئون به، كما تقول: أحاط بفلان عمله وأهلكه كسبه، أي: أهلكه جزاء كسبه) (٣).
قال الأزهري: (جعل أبو إسحاق حاق بمعنى أحاط، وكأن مأخذه من الحوق (٤)، وهو ما استدار بالكمرة (٥). قال: وجائز أن يكون الحوق فعلًا من حاق يحيق كأنه كان في الأصل حيقًا فقلبت الياء واوًا لانضمام ما قبلها) (٦).
(٢) في (ش): (ما كانوا به).
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣١ - ٣/ ٤١، و"تهذيب اللغة" ١/ ٧٠٨، وفي "معاني الزجاج" ٤/ ٢٧٥ - قال: (يحيق: يحيط). والأقوال متقاربة، وأكثرهم على أنه بمعنى نزل وأحاط بهم العذاب، قال الرازي ١٢/ ١٦٣: (في تفسيره وجوه كثيرة وهي بأسرها متقاربة) ا. هـ. وانظر "مجاز القرآن" ١/ ١٨٥، و"تفسير الطبري" ٧/ ١٥٤، و"معاني النحاس" ٢/ ٤٠٣، والسمرقندي في "تفسيره" ١/ ٢٧٥، و"الكاشف" ٢/ ٧، وابن عطية ٥/ ١٣٤.
(٤) قال السمين في "الدر" ٤/ ٥٤٦: (حاق ألفه منقلبة عن ياء، بدليل يحيق كباع يبيع، والمصدر حيق وحيوق وحيقان، وزعم أنه من الحوق وهو المستدير بالشيء، وهذا ليس بشيء؛ لاختلاف المادة، إلا أن يراد الاشتقاق الأكبر، وأيضًا هو دعوى جردة من غير دليل) ا. هـ. ملخصًا. ونحوه قال أبو حيان في "البحر" ٤/ ٨٠، وانظر: "روح المعاني" ٧/ ١٠٢.
(٥) الكمرة، بالفتح: رأس الذكر. انظر: "القاموس" ص ٤٧١.
(٦) "تهذيب اللغة" ١/ ٧٠٨ (حاق).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي