ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

منافعها من ألبان، وأصواف، وأوبار، وأشعار، وأسمان إلى غير ذلك، وكذلك خلق السماء، ورفعها، وأبعد سمكها، وزينها بالنجوم، وجعلها سقفا محفوظا تمر عليه آلاف السنين لا يتفطر، ولا يتصدع، ولا يتشقق، ولا يحتاج إلى إصلاح وترميم فارجع البصر هل ترى من فطور٣ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير٤ ( الملك : الآيتان ٣. ٤ )أي : من عظم ما رأى، ولذا قال هنا : بديع السماوات والأرض ( الأنعام : آية ١٠١ ) أي خالق السموات والأرض، ومخترعهما ومن فيهما.
أنى يكون له ولد وهذه الآية يفهم منها أن الملك والولدية لا يمكن أن يجتمعا، لأنهما لما ذكروا له الولد كان من رده عليهم : أنه مخترع الأرض والسماء. أي : ومن فيهما، وصانع الشيء هو مالكه، والولد لا يكون مملوكا أبدا.
وجرت العادة في القرآن : بأن الله يرد على الكفرة في ادعاء الولد بأنه مالك كل شيء، وأن الخلق عبيده، كما قال : بل عباد مكرمون لأن العبد لا يمكن أن يكون ولدا.
ومن هذه الآيات القرآنية أخد العلماء أن الإنسان إذا ملك ولده – بأن تزوج أمة لغيره-وكان ولده رقيقا واشتراه- أنه يعتق عليه بنفس الملك، ولا يمكن أن يملكه، لأن الملكية والوالدية متنافيان، ولذا قال هنا : بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد .
أنى هنا : هذا استفهام للاستبعاد والإنكار والنفي. لا يمكن أن يكون له ولد، لأن كل ما في السماوات والأرض إنما هو خلقه وملكه، فكيف سيكون له ولد من صنعه وملكه الذي خلقه وأبرزه من العدم إلى الوجود.
ولم تكن له صاحبة أي : امرأة، لأنه يتنزه( جل وعلا ) عن ذلك، ولذا قال : أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة وخلق كل شيء وجميع الكائنات خلقه، فلا يمكن أن يكون شيء من خلقه ولدا له بحال، لأن الولد كالجزء من الوالد، والخلق صنع الوالد، والجزء والصنعة متباينان لا يمكن أن يجتمعا في شيء، ولذا قال جل وعلا : وخلق كل شيء وهو-جل وعلا-بكل شيء عليم لا تخفى عليه خافية، فهو ( جل وعلا ) يعلم كل شيء، ويعلم غير الشيء، لأن ( الشيء ) عند أهل السنة والجماعة لا يطلق إلا على الوجود، والله يعلم الموجود الذي هو شيء، ويعلم المعدوم الذي هو ليس بشيء، فهو عالم بالموجودات، والمعدومات، والجائزات، والمستحيلات، حتى إنه من إحاطة علمه ليعلم المعدوم الذي سبق في علمه أنه لا يوجد، يعلم أن لو كان كيف يكون ؟ كما قد بين نصه تعالى على ذلك في هذه السورة – سورة الأنعام- فقد بيناه مفسرا في قوله : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و إنهم لكاذبون ( الأنعام : آية ٢٨ ) لأن الكفار إذا عاينوا النار ندمو على تكذيب الرسل، وتمنوا الرد للدنيا مرة أخرى ليصدقوا الرسل، ولذا قال : ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ( جل وعلا )عالم أن هذا الرد الذي تمنوه عالم أنه لا يكون، وقد صرح ( جل وعلا )أنه عالم أنه لو كان كيف يكون ؟ كما قال :{ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ( الأنعام : آية ٢٨ ) والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبدا لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بإرادته لحكمة يعلمها ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ( التوبة : آية ٤٧ ). وكقوله : ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون٧٥ ( المؤمنون : آية ٧٥ ) إلى غير ذلك من الآيات. ولذا قال هنا : وهو بكل شيء عليم ( الأنعام : آية ١٠١ )فمن أحاط علمه بكل شيء فكيف يكون جنسا له –كالولد-من لا يعلم شيئا إلا ما علمه الله ؟ يعني : فالذي تدعون من الأولاد لله لا يعلمون شيئا إلا ما علمهم الله، فكيف يكونون كالجزء والجنس لمن لا يخفى عليه شيء ؟
وقد قدمنا مرارا : أن العلم المحيط لله وحده، وأن المخلوقين يعلمون من علم الله ما علمهم الله فقط، وبينا أمثلة كثيرة لذلك، منها :
أن أعلم الخلائق – الملائكة والرسل - الملائكة قد قدمنا في سورة البقرة أن الله لما قال لهم : انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين٣١ قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ( البقرة : الآيتان ٣٢. ٣١ )فقوله : لا علم لنا النكرة إذا بنيت على الفتح مع ( لا )ف ( لا ) التي معها هي ( لا ) التي لنفي الجنس. والمعنى : أنهم نفوا جنس العلم من أصله عن أنفسهم، إلا شيئا علمهم الله إياه.
والرسل( صلوات الله وسلامه عليهم )-مع ما أعطاهم الله من الفضل والمكانة والعلم- دلت آيات كثيرة أنهم لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا.
هذا سيد الخلق ( صلوات الله وسلامه عليه )، الذي فضله الله في الأرض والسماء على جميع الخلق –نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنكم تعرفون قصة الإسراء والمعراج الثابتة بالأحاديث الصحيحة التي لا كلام فيها، أنه لما ارتفع( صلوات الله وسلامه عليه )( زيادة يقتضيها الكلام ) إلى السماء، واخترق السبع الطباق، بلغ مبلغا لم يبلغه رسول من الأنبياء، فظهرت مكانته على الجميع في العالم العلوي. ولما نزل إلى الأرض ( صلوات الله وسلامه عليه )صلى بهم، فكان هو الإمام الأعظم، بإشارة من جبريل ( صلوات الله على الجميع ) –قد رميت أحب زوجاته إليه بأعظم فرية، رموها بالفاحشة مع صفوان بن المعطل، وهو ( صلوات الله وسلامه عليه )يغدو الملك ويروح عليه بالوحي، فلما رموها كان ( صلوات الله وسلامه عليه )لا يدري أحق ما قالوا عنها أم لا ؟ ؟ حتى هجرها، وكان يقول : كيف تيكم ؟ قالت : فقدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم العطف الذي كنت أجده منه إذا مرضت. وكان يقول لها :" يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله ". لا يدري عن الحقيقة حتى أخبره المحيط علمه بكل شيء – رب السماوات والأرض-وقال له : أولائك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ( النور : آية ٢٦ )وصرح بأن المقالة التي قيلت عليهم إفك وزور إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ( النور : آية ١١ )ولما قالت لها أمها –لما نزلت برائتها في بيت أبي بكر- : قومي إليه فاحمديه. قالت ( رضي الله عنها ) : والله لا أحمده اليوم، ولا أحمد اليوم إلا الله، لأنه هو الذي برأني، فهو( صلوات الله وسلامه عليه )لم يبرئني.
وهذا نبي الله إبراهيم –وهو هو – مع ما أعطاه الله من المكانة قال إني جاعلك للناس إماما ( البقرة : آية ١٢٤ )وشهد له الله الشهادات العظيمة وإبراهيم الذي وفى ٣٧ ( النجم : آية ٣٧ ) وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ( البقرة ١٢٤ )وقيل للنبي –وهوهو –( صلوات الله وسلامه عليه ) : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ( النحل : آية ١٢٣ )ذبح عجله، وتعب هو وامرأته في إنضاج العجل، ولم يدرك أن ضيفه ملائكة حتى قدم العجل المنضج إلى الملائكة، ولما رآهم لا يمدون إليه أيديهم نكرهم وخاف منهم، كما قال تعالى : فلما رآى أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس منهم خيفة ( هود : آية ٧٠ )وصرح لهم في سورة الحجر بأنه خائف منهم فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون ( الحجر : آية( ٥٢ ) أي خائفون منكم، ولم يدر حقيقة الأمر حتى سألهم : فما خطبكم أيها المرسلون٥٧ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ٥٨ ( في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل ) ( الحجر : الآيتان ٥٧، ٥٨ )(.... ).
وهذا نراه مشاهدا اليوم، كل كفر وإلحاد، وكل خساسة في الخلق ارتكبوها، دخلوا معهم كل جحر، حتى إنه وجد واحد إفرنجي نبتت قرحة تحت أنفه ‘فلم يقدر على حلق شعرات الشارب، صاروا يتركون من ذلك شيئا، دخولا في ذلك الجحر، واتباعا لتلك القرحة، فحلقوا لحاهم، وتركوا دينهم، ودخلوا مع الإفرنج في كل جحر دخلوه ! ! وهذا من غرائب معجزاته ( صلوات الله وسلامه عليه )، حيث أقسم على هذا، وتحقق بعد عشرات القرون، والغيوب التي أخبر بها كثيرة جدا، كثير منها شاهده الناس، والباقي منها سيشاهدونه. وهذا معنى قوله ( جل وعلا ) : وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ( الأنعام : آية ١٠١ ).

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير