وبعد ذلك يقول الحق :
بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ( ١٠١ ) .
الحق سبحانه وتعالى قال في آيات أخرى.
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ( من الآية ٥٧ سورة غافر ).
فإن كنت ترى في نفسك عجائب كثيرة، وكل يوم يعطيك العلم التشريحي أو علم وظائف الأعضاء سرا جديدا فلا تتعجب من هذا الأمر ؛ لأن السماء والأرض إيجاد من عدم، سبحانه هنا يقول :( بديع ) أي أنه – سبحانه – خلقهما على غير مثال سابق، فمن الناس من يصنع أشياء على ضوء خبرات أو نماذج سابقة، لكن الحق سبحانه بديع السماوات والأرض، وقد عرفنا بالعلم أن الأرض التي نعيش عليها وهي كوكب تابع من توابع الشمس، وقديما كانوا يقولون عن توابع الشمس إنها سبعة، ولذلك خدع كثير من العلماء والمفكرين وقالوا : إن السبعة التوابع هي السماوات، فأراد الحق أن يبطل هذه المسألة بعد أن قالوا سبعة، فقد اكتشف العلماء تابعا ثامنا للشمس، ثم اكتشفوا التاسع، ثم صارت التوابع عشرة، ثم زاد الأمر إلى توابع لا نعرفها. وأين هذه المجموعة الشمسية من السماوات ؟ وكلها مجرد زينة للسماء الدنيا، وعندما اكتشف المجهر والآلات التي تقرب البعيد رأينا ( الطريق اللبني ) أو ( سكة التبانة ) ووجدناها مجرة وفيها مجموعة شمسية لا حصر لها، وجدنا مليون مجموعة مثل مجموعتنا الشمسية. هذه مجرة واحدة، وعندنا ملايين المجرات، ونجد عالما في الفلك يقول : لو امتلكنا آلات جديدة فسنكتشف مجرات جديدة.
ولنسمع قول الله :
والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ( ٤٧ ) ( سورة الذاريات )
إذن يجب أن نأخذ خلق السماوات والأرض في مرتبة أهم من مسألة خلق الناس.
بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ( ١٠١ ) ( سورة الأنعام ).
ومادام سبحانه بديع السماوات والأرض، وهو بقدرته الذاتية الفائقة خلق السماوات والأرض الأكبر من خلق الناس، إذن فإن أراد ولدا لطرأ عليه هذا الابن بالميلاد، ولا يمكن أن يسمى ولدا إلا إذا ولد، وسبحانه منزه عن ذلك، ثم لماذا يريد ولدا، وصفات الكمال لن تزيد بالولد، ولم يكن الكون ناقصا قبل ادعاء البعض أن للحق سبحانه ولدا. إن الكون مخلوق بذات الحق سبحانه وتعالى، والناس تحتاج إلى الولد لامتداد الذكرى، وسبحانه لا يموت ؛ مصدقا لقوله :
كل شيء هالك إلا وجهه ( من الآية ٨٨ سورة القصص ).
والبشر يحتاجون إلى الإنجاب ليعاونهم أولادهم، وسبحانه هو القوي الذي خلق وهو حي لا يموت ؛ لذلك فلا معنى لأن يدعى عليه ذلك وما كان يصح أن تناقش هذه المسألة عقلا، ولكن الله – لطفا بخلقه – وضح وبين مثل هذه القضايا.
ويقول جل وعلا : ولم تكن له صاحبة . ماذا يريد الحق من الصاحبة ؟ إنه لا يريد شيئا، فلماذا هذه اللجاجة في أمر الألوهية ؟. فلا الولد ولا الصاحبة يزيدان له قدرة تخلق، ولا حكمة ترتب، ولا علما يدبر، ولا أي شيء، ومجرد هذا اللون من التصور عبث، فإذا كان الشركاء ممتنعين، والقصد من الشركاء أن يعاونوه في الملك ؛ إله يأخذ ملك السماء، وإله آخر يأخذ ملك الأرض. وإله للظلمة، وإله للنور. مثلما قال الإغريق القدامى حين نصبوا إلها للشر. وإلها للخير، وغير ذلك. والحق واحد أحد ليس له شركاء يعاونوه فما المقصود بالولد والصاحبة ؟
أعوذ بالله ! ألا يمتنع ويرتدع هؤلاء من مثل هذا القول :
وهو بكل شيء عليم فسبحانه هو الخالق للكون والعالم بكل ما فيه ولا يحتاج إلى معاونة من أحد.
تفسير الشعراوي
الشعراوي