وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ( الأنعام : آية ١٠٩ ) سبب نزول هذه الآية الكريمة : أن كفار مكة اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم اقتراحات كثيرة، قصدهم بها التعنت، لا طلب الحق، قالوا له : أنت تزعم لنا أن عيسى بن مريم يحيي الموتى، وأن سليمان كان يركب الريح، وأن صالحا خرجت له ناقة عشراء جوفاء وبراء من صخرة، فأحي لنا قصيا لنكلمه ونسأله عنك، وائتنا بالملائكة لنسألهم : هل أنت على حق : واجعل لنا الصفا ذهبا، وباعد عنا جبال مكة لنزرع بينها، في تعنتات كثيرة سيأتي كثير منها في قوله : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ٩٠أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا٩١ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ٩٢ أو يكون لك بيت من زخرف يعنون : من ذهب أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ( الإسراء : الآيات ٩٠-٩٣ ) هذا من تعنتاتهم، ومنها أنهم قالو : " اسأل ربك ينزل علينا الملائكة " وقال الذين لا يرجون لقائنا لولا أنزا علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا٢١ ( الفرقان : آية ٢١ ) وقدمنا في هذه السورة الكريمة تفسير قوله : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ( الأنعام : آية ٨ ) وما جرى مجرى ذلك من الإقتراحات، فقالوا له : أحي لنا قصيا لنكلمه، وائتنا بالملائكة، كما يأتي في قوله : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى كقصي بن كلاب الذي اقترحوا إحياءه ليكلموه وحشرنا عليهم كل شيء قبلا أي : ولو جئناهم بالملائكة وجميع المخلوقات جماعات جماعات يشهدون لك ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ( الأنعام : آية ١١١ ) ولما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : اسأل ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا، والله لئن جعله الله لنا ذهبا لنتبعنك ولنؤمنن بما جئت به، فطمع قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في إيمانهم، فقالوا له : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسأل ربك أن يجعل الصفا ذهبا لأجل أن يؤمنوا، فهم صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله ليجعل الصفا ذهبا، فجاءه جبريل ( عليه السلام ) وخيره قال : إن شئت جعله الله لهم ذهبا، ولكن إن كفروا بعد تلك الآية التي اقترحوها أهلكهم الله، ودمرهم ولم ينظرهم وإن شئت ترك عنهم الآيات المقترحة، وأمهلهم ليتوب تائبهم. فاختار النبي صلى الله عليه وسلم الأخيرة، لأن قوما إذا اقترحوا آية عظمى وجاءتهم ولم يؤمنوا أهلكهم الله، كما يأتي في قوله : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ( الإسراء : آية ١٩ ) يعني : معناه : الحلف. تقول العرب : " أقسم فلان ". إذا حلف. أصل ( القسم ) الذي هو اليمين من ( الانقسام )، لأنه لا يكون إلا في طائفتين منقسمتين، كل منهما تكذب الأخرى، فيقسم أحد الطرفين ليقوي خبره ويؤكده.
ومعنى : وأقسموا بالله حلفوا بالله قائلين : والله لئن جعلت لنا الصفا ذهبا لنؤمنن بك ولنتبعنك.
وقوله : جهد أيمانهم معناه : أقسموا جهد أيمانهم، أي : غاية ما يمكنهم من تغليظ اليمين وتوكيدها، ( جهد اليمين ) معناه : بلوغ غاية ما يمكن من تغليظها وتوكيدها.
وفي إعراب قوله : جهد أيمانهم أوجه من الإعراب :
أعربها بعض العلماء مفعولا مطلقا بالمعنى من وأقسموا أي : فهي ما ناب عن المطلق : كما تقول : ضربه أشد الضرب، وسار أشد السير، وأقسم أشد الإقسام.
فمعنى : جهد أيمانهم أوكد أقسامهم وأغلظها. وعلى هذا فهو مفعول مطلق بالمعنى، ما ناب عن المطلق من وأقسموا لأن معنى جهد أيمانهم أشد إقساماتهم وأغلظها و أوكدها.
الوجه الثاني من أوجه الإعراب : أنه حال. أي : أقسموا بالله في حال كونهم جاهدين في تغليظ أيمانهم وتوكيدها. ولا ينفي هذا أن الحال تكون نكرة، وأن المصدر المؤول بالحال هنا مضاف إلى معرفة، لأن الحال إن عرفت لفظا فهي منكرة معنى، كما قال في الخلاصة :
والحال إن عرف لفظا فاعتقد *** تنكيره معنى كوحدك اجتهد
والأيمان : جمع اليمين، وأوكد الأيمان و أغلظها هو ما كان بالله، وهم كانوا يحلفون بآلهتهم وأصنامهم، وإذا أرادوا جهد اليمين وتوكيدها وإغلاظها حلفوا بالله.
وقوله جل وعلا : لئن جاءتهم آية أي : لئن جاءتهم آية من الآيات التي اقترحوها، أما الآيات التي لم يقترحوها فقد جاءتهم بكثرة، وأعظم الآيات : هذا القرآن العظيم، لأنه آية عظمى ومعجزة كبرى باقية تتردد في آذان الناس إلى يوم القيامة، ولأجل أنه أعظم الآيات، وأكبر المعجزات، أنكر الله في سورة العنكبوت على من لم يكتف به، وطلب آية غيره، حيث قال : وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين ٥٠ ثم قال منكرا عليهم : إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ٥١ ( العنكبوت : الآيتان ٥٠-٥١ ) فإنكاره على من لم يكتف بأكبر الآيات وأعظمها، وهو هذا القرآن العظيم دليل على أنه أعظم آية.
والآيات التي سألوها واقترحوها، إنما اقترحوها تعنتا وعنادا، لا طلبا للحق، ولذا قال جل وعلا : لئن جاءتهم آية هذه صورة إقسامهم حكاها الله غير حكاية لفظهم، لأنه لو حكى لفظهم لقال : " لئن جاءتنا آية لنؤمنن بها " فحكى القصة بالمعنى لا باللفظ. أقسموا جاهدين قائلين : لئن جاءتهم آية من الآيات التي اقترحوها، كأن يجعل الله لهم الصفا ذهبا، أو يبعث لهم قصيا ليكلمهم، أو يأتيهم بالملائكة، أو يشق عنهم جبال مكة ويباعدها ليزرعوا في متسع من الأرض، لأنهم يزعمون أن الجبال لا تمكنهم من الزراعة، كما يأتي في قوله : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ( الرعد : آية ٣١ ).
على حد قوله :
لو طار ذو حافر قبلها *** لطارت ولكنه لم يطر
وقال بعض العلماء : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، لأنهم ما اقترحوا الآيات طلبا للحق، ولكن اقترحوها عنادا وتعنتا، ولذا قال هنا : لئن جاءتهم آية أصل الآية في لغة العرب – قدمنا في هذه الدروس مرارا - أن أصل الآية بالميزان الصرفي، أن وزنها :( فعلة ) وأن أصلها ( أيية ) فاؤها همزة، وعينها ياء، ولامها ياء، على وزن( فعلة ) فكان فيها موجب الإعلال في الحرفين، أعني : الياءين، والقاعدة في التصريف : أن الأغلب أن يكون الإعلال في الحرف الأخير، فلو كانت على الأغلب لقيل :( أياه ) وكان المبدل ( ألفا ) :( الياء ) الأخرى، ولكن هنا وقع الإعلال في الياء الأولى، فأبدلت ( ألفا )، وهذا يوجد في كلام العرب، وجاء به القرآن، هذا أصلها في الميزان الصرفي.
وهي في لغة العرب الآية تطلق إطلاقين، وفي القرآن العظيم تطلق إطلاقين، أما أشهر معني الآية في لغة العرب : فهو العلامة العرب يقولون : " آية كذا ". معناه : علامة كذا، ومنه قوله تعالى : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ( البقرة : آية ٢٤٨ ) أي : علامة ملكه، وقد جاء في شعر نابغة ذبيان – وهو عربي قح جاهلي – جاء فيه تفسير الآية بالعلامة، حيث قال :
توهمت آيات لها فعرفتها *** لستة أعوام وذا العام سابع
ثم بين أن مراده بالآيات : علامات الدار، وآثار رسومها حيث قال مفسرا للآيات :
رماد ككحل العين لأيا أبينه *** ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
فأشهر معنيي الآية في اللغة : العلامة، وقد تطلق الآية في لغة العرب على الجماعة، يقولون : " جاء القوم بآياتهم " أي : بجماعتهم، ومنه بهذا المعنى قول برج بن مسهر خرجنا من النقبين لا حي مثلنا *** بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا
أي : بجماعتنا.
هذان المعنيان للآية في لغة العرب : الآية بمعنى ( العلامة )، الآية بمعنى ( الجماعة ).
والآية تطلق من القرآن العظيم إطلاقين : تطلق مرادا بها الآية الكونية القدرية. والكونية القدرية من الآية بمعنى ( العلامة ) لغة قولا واحدا، كقوله : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ١٩٠ ( آل عمران : آية ١٩٠ ) أي : لعلامات واضحات لأصحاب العقول على أن خالق هذا الكون قادر على كل شيء، وأنه رب كل شيء، وأنه المعبود وحده ( جل وعلا )، فهذه الآية الكونية القدرية في القرآن من معنى الآية بمعنى العلامة في لغة العرب.
الإطلاق الثاني للآية في القرآن : إطلاق الآية بمعنى الآية الشرعية الدينية، كقوله : رسولا يتلوا عليكم آيات الله ( الطلاق : آية ١١ ) وهذه هي الآيات الشرعية الدينية كآيات هذا القرآن العظيم. وهذه لما تضمنت من الإعجاز أو بأن لها علامات تعرف بها مبادئها ومقاطعها.
وقال بعض أهل العلم : إن الآية بالمعنى الشرعي الديني بمعنى الجماعة، لأنها جماعة من كلام القرآن وحروفه اشتملت على بعض تضمنه القرآن.
إذا عرفتم هذا فالآية في الآية التي نحن بصددها لئن جاءتهم آية هي الآية الكونية القدرية، الدالة على صدق من جاء بها، أي : علامة خارقة للعادة أنك رسول مرسل من الله ( جل وعلا )، كأن يجعل الصفا ذهبا وكأن يحيي لنا قصيا لنكلمه، وما جرى مجرى ذلك.
وهذا معنى قوله : لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها اللام الأولى موطئة للقسم، واللام في قوله : ليؤمنن بها جواب للقسم، لأن القسم قبل الشرط، والقاعدة المقررة في علم العربية : أنه إذا اجتمع شرط و قسم فالجزاء للسابق منهما. والسابق هنا : القسم. يعني : لئن جاءتهم آية من الآيات التي اقترحوها عليك ليؤمنن بها، ويصدقون بأنها من الله، وأنها معجزة دالة على أنك نبي حقا. فأمر الله نبيه بأمرين :
أحدهما : أن يقول لهم : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون فمعنى قوله : قل إنما الآيات عند الله أي : الآيات التي اقترحتموها عند الله وبيده، إن شاء أنزلها، وإن شاء لم ينزلها، إنما أنا نذير، وقد جئتكم به من المعجزات ما يوضح الحق، ويقطع الشبه، ويثبت لكم ثبوتا ضروريا أني نبي كريم. أما التعنتات والآيات المقترحات فهي عند الله، إن شاء أنزلها عليكم فأهلككم إن لم تؤمنوا، وإن شاء لم ينزلها عليكم.
وقوله : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون الإشعار في لغة العرب : الإعلام، أي ما يعلمكم، وما يدريكم.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عاد البصري أبا عمرو وما يشعركم بضم الراء، ومن يرقق – كورش- يرقق، ومن يفخم يفخم. وقرأ هذا الحرف أبو عمرو في رواية الدوري والسوي " وما يشعركم بسكون الراء وروى عنه الدوري : ضم الراء مختلسة. هذه قراءة أبي عمرو، أما الاختلاس فهو للتخفيف قولا واحدا، وأما إسكان الراء في قراءة أبي عمرو هذه وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون فهو على إسكانه الراء. فالراء مرققة، لأن الراء الساكنة بعد كسرة مرققة بإجماع القراء، وإجماع أهل اللسان العربي، إلا إذا جاء بعدها حرف استعلاء كما هو معروف.
لطالب العلم أن يقول : ما وجه قراءة أبي عمرو هذه وجزم مضارع من غير جازم، و أصل المضارع إذا لم يدخل عليه جازم أو ناصب فحكمه الرفع كما هو معروف ؟
والجواب عن هذا : أن إسكان بعض الحروف المحركة للتخفيف أسلوب عربي معروف، جاء ذلك في القرآن وفي لغة العرب في حرف الإعراب، وفي غير حرف ا
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير