ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مَعْنَى لِتِلْكَ الدَّاعِيَةِ إِلَّا عِلْمُهُ وَاعْتِقَادُهُ أَوْ ظَنُّهُ بِاشْتِمَالِ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى نَفْعٍ زَائِدٍ، وَمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، وَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الدَّاعِيَةُ حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتِلْكَ الدَّاعِيَةُ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا كَوْنُهُ مُعْتَقِدًا لِاشْتِمَالِ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى النَّفْعِ الزَّائِدِ، وَالْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ.
ثَبَتَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصْدُرَ عَنِ الْعَبْدِ فِعْلٌ، وَلَا قَوْلٌ وَلَا حَرَكَةٌ وَلَا سُكُونٌ، إِلَّا إِذَا زَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْفِعْلَ فِي قَلْبِهِ وَضَمِيرِهِ وَاعْتِقَادِهِ، وَأَيْضًا الْإِنْسَانُ لَا يَخْتَارُ الْكُفْرَ وَالْجَهْلَ ابْتِدَاءً مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ كُفْرًا وَجَهْلًا، وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ بَلْ إِنَّمَا يَخْتَارُهُ لِاعْتِقَادِهِ كَوْنَهُ إِيمَانًا وَعِلْمًا وَصِدْقًا وَحَقًّا فَلَوْلَا سَابِقَةُ الْجَهْلِ الْأَوَّلِ لَمَا اخْتَارَ هَذَا الْجَهْلَ. الثَّانِي: ثُمَّ إِنَّا نَنْقُلُ الْكَلَامَ إِلَى أَنَّهُ لِمَ اخْتَارَ ذَلِكَ/ الْجَهْلَ السَّابِقَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِسَابِقَةِ جَهْلٍ آخَرَ فَقَدْ لَزِمَ أَنْ يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مِنَ الْجَهَالَاتِ وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا وَجَبَ انْتِهَاءُ تِلْكَ الْجَهَالَاتِ إِلَى جَهْلٍ أَوَّلَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْجَهْلِ ظَنَّ فِي الْكُفْرِ كَوْنَهُ إِيمَانًا وَحَقًّا وَعِلْمًا وَصِدْقًا، فَثَبَتَ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنَ الْكَافِرِ اخْتِيَارُ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ إِلَّا إِذَا زَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْجَهْلَ فِي قَلْبِهِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْبُرْهَانَيْنِ الْقَاطِعَيْنِ الْقَطْعِيَّيْنِ أَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ بَطَلَتِ التَّأْوِيلَاتُ الْمَذْكُورَةُ بِأَسْرِهَا، لِأَنَّ الْمَصِيرَ إِلَى التَّأْوِيلِ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ. أَمَّا لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْعُدُولُ عَنِ الظَّاهِرِ، فَقَدْ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّكْلِيفَاتُ بِأَسْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ مُشْعِرٌ بِأَنَّ إِقْدَامَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُنْكَرِ إِنَّمَا كَانَ بِتَزْيِينِ اللَّهِ تَعَالَى. فَأَمَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى زَيَّنَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فِي قُلُوبِ الْأُمَمِ، فَهَذَا كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ يَتَنَاوَلُ الْأُمَمَ الْكَافِرَةَ وَالْمُؤْمِنَةَ، فَتَخْصِيصُ هَذَا الْكَلَامِ بِالْأُمَّةِ الْمُؤْمِنَةِ تَرْكٌ لِظَاهِرِ الْعُمُومِ، وَأَمَّا سَائِرُ التَّأْوِيلَاتِ، فَقَدْ ذَكَرَهَا صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : وَسُقُوطُهَا لَا يَخْفَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ أَمْرَهُمْ مُفَوَّضٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِأَحْوَالِهِمْ. مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمَائِرِهِمْ. وَرُجُوعِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى اللَّهِ فَيُجَازِي كُلَّ أَحَدٍ بِمُقْتَضَى عَمَلِهِ ان خيرا فخير، وان شرا فشر.
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٩]
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنِ الْكُفَّارِ شُبْهَةً تُوجِبُ الطَّعْنَ فِي نُبُوَّتِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ إِنَّمَا جِئْتَنَا بِهِ لِأَنَّكَ تُدَارِسُ الْعُلَمَاءَ، وَتُبَاحِثُ الْأَقْوَامَ الَّذِينَ عَرَفُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ. ثُمَّ تَجْمَعُ هَذِهِ السُّوَرَ وَهَذِهِ الْآيَاتِ بِهَذَا الطَّرِيقِ. ثُمَّ أَنَّهُ تَعَالَى أَجَابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِمَا سَبَقَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى شُبْهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُمْ لَهُ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كَيْفَمَا كَانَ أَمْرُهُ، فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُعْجِزَاتِ الْبَتَّةَ، وَلَوْ/ أَنَّكَ يَا مُحَمَّدُ جِئْتَنَا بمعجزة قاهرة وبينة ظاهرة لأنا بِكَ، وَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ وَبَالَغُوا فِي تَأْكِيدِ ذَلِكَ الْحَلِفِ، فَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَقْرِيرُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْوَاحِدِيُّ: إِنَّمَا سَمَّى الْيَمِينَ بِالْقَسَمِ لِأَنَّ الْيَمِينَ مَوْضُوعَةٌ لِتَوْكِيدِ الْخَبَرِ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ الإنسان:

صفحة رقم 111

إِمَّا مُثْبِتًا لِلشَّيْءِ، وَإِمَّا نَافِيًا. وَلَمَّا كَانَ الْخَبَرُ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ احْتَاجَ الْمُخْبِرُ إِلَى طَرِيقٍ بِهِ يَتَوَسَّلُ إِلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ وَذَلِكَ هُوَ الْحَلِفُ وَلَمَّا كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذِكْرِ الْحَلِفِ إِنَّمَا تَحْصُلُ عِنْدَ انْقِسَامِ النَّاسِ عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ الْخَبَرِ إِلَى مُصَدِّقٍ بِهِ وَمُكَذِّبٍ بِهِ. سَمَّوُا الْحَلِفَ بِالْقَسَمِ وَبَنَوْا تِلْكَ الصِّيغَةَ عَلَى- أَفْعَلَ- فَقَالُوا: أَقْسَمَ فُلَانٌ يُقْسِمُ إِقْسَامًا: وَأَرَادُوا أَنَّهُ أَكَّدَ الْقَسَمَ الَّذِي اخْتَارَهُ وَأَحَالَ الصِّدْقَ إِلَى الْقَسَمِ الَّذِي اخْتَارَهُ بِوَاسِطَةِ الْحَلِفِ وَالْيَمِينِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِي سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ: قَالُوا لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشُّعَرَاءِ: ٤] أَقْسَمَ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. الثَّانِي:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ: تُخْبِرُنَا أَنَّ مُوسَى ضَرَبَ الْحَجَرَ بِالْعَصَا فَانْفَجَرَ الْمَاءُ وَأَنَّ عِيسَى أَحْيَا الْمَيِّتَ وَأَنَّ صَالِحًا أَخْرَجَ النَّاقَةَ مِنَ الْجَبَلِ فَأْتِنَا أَيْضًا أَنْتَ بِآيَةٍ لِنُصَدِّقَكَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا الَّذِي تُحِبُّونَ» فَقَالُوا: أَنْ تَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَحَلَفُوا لَئِنْ فَعَلَ لَيَتَّبِعُونَهُ أَجْمَعُونَ فَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَدْعُو فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ كَانَ ذَلِكَ وَلَئِنْ كَانَ فَلَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَهُ لَيُعَذِّبَنَّهُمْ وَإِنْ تُرِكُوا تَابَ عَلَى بَعْضِهِمْ. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله وَسَلَّمَ: «بَلْ يَتُوبُ عَلَى بَعْضِهِمْ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وُجُوهًا: قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِاللَّهِ فَهُوَ جَهْدُ يَمِينِهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: بَالَغُوا فِي الْأَيْمَانِ وَقَوْلُهُ: لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْآيَةِ:
فَقِيلَ: مَا رَوَيْنَا مِنْ جَعْلِ الصَّفَا ذَهَبًا وَقِيلَ: هِيَ الْأَشْيَاءُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الْإِسْرَاءِ: ٩٠] وَقِيلَ: إِنَّ النبي صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ كَانَ يَنْزِلُ بِالْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ فَالْمُشْرِكُونَ طَلَبُوا مِثْلَهَا.
وَقَوْلُهُ: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ لَفْظَةِ عِنْدَ وُجُوهًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْقُدْرَةِ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى النُّبُوَّاتِ شَرْطُهَا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَحْصِيلِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ/ بِالْعِنْدِيَّةِ أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ إِحْدَاثَ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ هَلْ يَقْتَضِي إِقْدَامَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَى الْإِيمَانِ أَمْ لَا لَيْسَ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ؟ وَلَفْظُ الْعِنْدِيَّةِ بِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَالِ مَعْدُومَةً إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى مَتَى شَاءَ إِحْدَاثَهَا أَحْدَثَهَا فَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأَشْيَاءِ الْمَوْضُوعَةِ عِنْدَ اللَّهِ يُظْهِرُهَا مَتَى شَاءَ وَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَتَحَكَّمُوا فِي طَلَبِهَا وَلَفْظُ عِنْدَ بِهَذَا الْمَعْنَى هُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [الْحِجْرِ: ٢١].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَما يُشْعِرُكُمْ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ «مَا» اسْتِفْهَامٌ وَفَاعِلُ يُشْعِرُكُمْ ضَمِيرُ «مَا» وَالْمَعْنَى: وَمَا يُدْرِيكُمْ إِيمَانُهُمْ؟ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ وَحَذْفُ الْمَفْعُولِ كَثِيرٌ. وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا يُدْرِيكُمْ إِيمَانُهُمْ أَيْ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَجِيئَهُمْ هَذِهِ الْآيَاتُ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَقَوْلُهُ: أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو أَنَّهَا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْجَيِّدَةُ. وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَما يُشْعِرُكُمْ أَيْ وَمَا يُشْعِرُكُمْ مَا يَكُونُ مِنْهُمْ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ قَالَ سِيبَوَيْهِ: سَأَلْتُ الْخَلِيلَ عَنِ الْقِرَاءَةِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي أَنَّ وَقُلْتُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مَا يُدْرِيكَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ؟ فَقَالَ الْخَلِيلُ: إِنَّهُ لَا يَحْسُنُ ذَلِكَ هَاهُنَا لِأَنَّهُ لَوْ

صفحة رقم 112

قَالَ: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها بِالْفَتْحِ لَصَارَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُمْ هَذَا كَلَامُ الْخَلِيلِ. وَتَفْسِيرُهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ بِالْمِثَالِ فَإِذَا اتَّخَذْتَ ضِيَافَةً وَطَلَبْتَ مِنْ رَئِيسِ الْبَلَدِ أَنْ يَحْضُرَ فَلَمْ يَحْضُرْ فَقِيلَ لَكَ لَوْ ذَهَبْتَ أَنْتَ بِنَفْسِكَ إِلَيْهِ لَحَضَرَ فَإِذَا قُلْتَ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنِّي لَوْ ذَهَبْتُ إِلَيْهِ لَحَضَرَ كَانَ الْمَعْنَى: أَنِّي لَوْ ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِنَفْسِي فَإِنَّهُ لَا يَحْضُرُ أَيْضًا فَكَذَا هَاهُنَا قَوْلُهُ: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ آمَنُوا. وَذَلِكَ يُوجِبُ مَجِيءَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَيَصِيرُ هَذَا الْكَلَامُ عُذْرًا لِلْكُفَّارِ فِي طَلَبِ الْآيَاتِ وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ دَفْعُ حُجَّتِهِمْ فِي طَلَبِ الْآيَاتِ فَهَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الْخَلِيلِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ أَنَّها بِالْفَتْحِ وَفِي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: قَالَ الْخَلِيلُ: (أَنَّ) بِمَعْنَى لَعَلَّ تَقُولُ الْعَرَبُ ائْتِ السُّوقَ أَنَّكَ تَشْتَرِي لَنَا شَيْئًا أَيْ لَعَلَّكَ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَعَلَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: (أَنَّ) بِمَعْنَى لَعَلَّ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ قَالَ الشَّاعِرُ:

أَرِينِي جَوَادًا مَاتَ هَوْلًا لِأَنَّنِي أَرَى مَا تُرِينِي أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا
وَقَالَ آخَرُ:
هَلْ أَنْتُمْ عَاجِلُونَ بِنَا لِأَنَّا نَرَى الْعَرَصَاتِ أَوْ أَثَرَ الْخِيَامِ
وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ:
أَعَاذِلَ مَا يُدْرِيكَ أَنَّ مَنِيَّتِي إِلَى سَاعَةٍ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَفَسَّرَ عَلِيٌّ- لَعَلَّ مَنِيَّتِي- رَوَى صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» أَيْضًا فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ:
عُوجًا عَلَى الطَّلَلِ الْمُحِيلِ لِأَنَّنَا نَبْكِي الدِّيَارَ كَمَا بَكَى ابْنُ خِذَامِ
قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَيُقَوِّي هَذَا الْوَجْهَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ لَعَلَّهَا إِذَا جَاءَتْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنْ تَجْعَلَ (لَا) صِلَةً وَمِثْلَهُ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الْأَعْرَافِ: ١٢] مَعْنَاهُ أَنْ تَسْجُدَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٥] أَيْ يَرْجِعُونَ فَكَذَا هَاهُنَا التَّقْدِيرُ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ يُؤْمِنُونَ وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ لَمْ يُؤْمِنُوا قَالَ الزَّجَّاجُ وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ مَا كَانَ لَغْوًا يَكُونُ لَغْوًا عَلَى جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ وَمَنْ قَرَأَ إِنَّهَا بِالْكَسْرِ فَكَلِمَةُ (لَا) فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ لَيْسَتْ بِلَغْوٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعْلُ هَذَا اللَّفْظِ لَغْوًا. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَغْوًا عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ وَيَكُونُ مُفِيدًا عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي؟ وَاخْتَلَفَ القراءة أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: لَا يُؤْمِنُونَ فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالْيَاءِ وَهُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ بِهَذَا الْوَصْفِ وَالْمَعْنَى وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّهُمْ إذا جاءتهم الآية التي الَّتِي اقْتَرَحُوهَا لَمْ يُؤْمِنُوا فَالْوَجْهُ الْيَاءُ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَابْنُ عَامِرٍ بِالتَّاءِ وَهُوَ عَلَى الِانْصِرَافِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ وَالْمُرَادُ بِالْمُخَاطِبِينَ فِي تُؤْمِنُونَ هُمُ الْغَائِبُونَ الْمُقْسِمُونَ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ إِلَى أَنَّ الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: وَما يُشْعِرُكُمْ لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ إِذَا جَاءَتْ وَهَذَا يُقَوِّي قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ تُؤْمِنُونَ بِالتَّاءِ. عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا: الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: وَما يُشْعِرُكُمْ لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا. وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا ثَانِيًا: الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: وَما يُشْعِرُكُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ تَمَنَّوْا نُزُولَ الْآيَةِ لِيُؤْمِنَ الْمُشْرِكُونَ وَهُوَ الْوَجْهُ كَأَنَّهُ قِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ تَتَمَنَّوْنَ ذَلِكَ وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ؟

صفحة رقم 113

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية