ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

ولو اننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ١١ ( الأنعام : آية ١١١ ) قد اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم الملائكة، كما بينه تعالى في قوله : وقال الذين لا يرجون لقائنا لولا أنزل علينا الملائكة ( الفرقان : آية ٢١ ) وكقوله عنهم أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ( الإسراء : آية ٩٢ ) لولا أنزل عليه ملك ( الأنعام : آية ٨ ) هذه الآيات الدالة على اقتراحهم إتيانه بالملائكة، وقد اقترحوا عليه أن يحيي لهم آبائهم الذين ماتوا ( ليسألوهم عنه ) ( في الأصل : " ليسألوه عنهم " وهو سبق لسان )، كما بينه تعالى في الجاثية، وأوضح كثرة قولهم له : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ٢٥ ( الجاثية : آية ٢٥ ) أحيوا لنا آبائنا وأسلافنا الذين ماتوا لنسألهم عنكم أنتم على حق أم لا، كذلك قالوا له : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ( الإسراء : آية ٩٢ ) قال الله هنا : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة كما اقترحوا أو وكلمهم الموتى ( الفرقان : آية ٢١ ) أو تأتي بالله والملائكة ( الإسراء : آية ٩٢ ) لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( الفرقان : آية ٧ ) واقتراحهم لتكليم آبائهم : فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ٣٦ ( الدخان : آية ٣٦ ) ما كان حجتهم إلا أن قالوا أئتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ٢٥ ( الجاثية : آية ٢٥ )
يعني : لو أتيناهم بما اقترحوا فنزلنا عليهم الملائكة، والملائكة لو نزلت عليهم، لجاءهم العذاب، كما يأتي في قوله : ما تنزل الملائكة إلا بالحق وفي القراءة الأخرى : ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ٨ ( الحجر آية ٨ ) أي : لو نزل الملائكة لا ينظرون بعد ذلك، وكقوله : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ٢٢ } ( الفرقان : آية ٢٢ ) أي : حراما محرما عليكم أن تؤذونا كما سيأتي، ولذا قال هنا ولوأننا نزلنا إليهم الملائكة كما اقترحوا، وأخبرتهم بأنك نبي الله وكلمهم الموتى كأن أحيينا لهم قصيا فسألوه، وأخبرهم بأنك نبي الله وحشرنا عليهم كل شيء قبلا قرأه الجمهور قبلا . وقرأه أثنان من السبعة قبلا . أما على قراءة :( قبلا ) فهو من المعاينة. معنى : وحشرنا عليهم كل شيء قبلا أي معاينة وجها لوجه من غير مواراة بشيء وعلى قراءة قبلا ففيه وجهان : أحدها أن القبل جمع قبيل، أي : جماعات جماعات. كأن تأتيهم الملائكة جماعات.
وقال بعض العلماء : ظاهر قوله كل شيء أن تأتيهم الملائكة قبيلا، وكل نوع من أنواع الحيوانات قبيلا قبيلا، فأنطقها الله على خرق العادة، وكلمتهم، كل هذا لو وقع لم يؤمنوا.
وكان بعض العلماء يقول :" قبلا " و " قبلا " معناها واحد، لأن القبل : هو ما تستقبله بوجهك وتعاينه. ومنه قيل لما يستقبله الرجل من وجهه : " قبل " ولما خلفه " دبر " وعلى هذا القول ف " قبلا " و " قبلا " معناها واحد، وعلى القول الثاني : أن " القبل " جمع قبيل، والمعروف في فن التصريف أن ( الفعيل ) إذا كان اسما يجمع غالبا على ( فعل ) كقذال وقذل، وسرير وسرر وما جرى مجرى ذلك.
والمعنى : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم أي : جمعنا عليهم " كل شيء " من جميع الأشياء قبيلا قبيلا، أي : " ما كانوا ليؤمنوا " هذه اللام هي التي تسمى ( لام الجحود ) والفعل المضارع منصوب ب ( أن ) بعدها، والمعنى : ماكانوا مريدين لأن يؤمنوا، أو : ما كانوا مستعدين لأن يؤمنوا إلا أن يشاء الله التحقيق : أن الاستثناء متصل، خلافا لمن زعم أنه منفصل.
والمعنى : ما كانوا ليؤمنوا في حالة من الأحوال إلا في حالة أن يشاء الله ذلك لأنهم متعنتون.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف، وهو ( أن ) المفتوحة إنما تكون لسد المصدر، فهي بمعنى اسم بالتأويل، و( لو ) حرف شرط لا يدخل إلا على الجملة الفعلية، فكيف دخل هنا على الاسم الذي هو المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها ؟
وهذا السؤال جوابه معروف، لأن إتيان ( ان ) بعد ( لو ) كثير جدا في القرآن العظيم ولو أنما في الأرض من شجرة أقلم ( لقمان : آية ٢٧ ) ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ( النساء : آية ٦٤ ) فهو كثير في القرآن وفي كلام العرب، ومنه في كلام العرب قول لبيد :
لو أن حيا مدرك الفلاح *** لناله ملاعب الرماح
والجواب عند علماء العربية : أن المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في محل رفع فاعل فعل محذوف، قالوا : تقديره " ولو ثبت أننا نزلنا إليهم الملائكة " أي : لو ثبت ووقع تنزيلنا الملائكة عليهم ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله إيمانهم ولكن أكثرهم أي : أكثر الكفار.
قال بعض العلماء : ولكن أكثرهم أي أكثر الكفار.
وقال بعض العلماء : " أكثرهم " أي : اكثر الجميع من الكفار والمسلمين يجهلون أنهم لو أنزلت عليهم الآيات التي اقترحوا لم يؤمنوا.
والقول الأول أظهر، لأن التعبير بالمضارع في " يجهلون " يدل على أنهم من عادتهم وشأنهم الجهل وعدم المعرفة بالله. وهذا أليق بالكفار.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير