وقوله تعالى: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: أخذلهم وأدعهم في ضلالتهم يتمادون) (١).
١١١ - قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ الآية، كان المشركون يقولون للنبي - ﷺ -: أرنا الملائكة يشهدون لك بالنبوة، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل؟ والمسلمون يتمنون آية تأتيهم لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ كما شاؤوا ورأوهم عيانًا وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى فشهدوا لك بالنبوة (٢) وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا وقرئ (قِبَلا) (٣) قال أبو زيد: (يقال: لقيت فلانًا قِبَلًا ومُقَابَلة، وقَبَلاَ وقُبُلًا وقِبليًّا وقَبِيلاً، كله واحد، وهو المواجهة) (٤)، والمعنى في القراءتين على ما قاله أبو زيد واحد وإن اختلف
(٢) هذا قول الفراء في "معانيه" ١/ ٣٥٠، و"النحاس" ٢/ ٤٧٥، والسمرقندي ١/ ٥٠٧، وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧ بسند جيد عن مجاهد، وذكره هود الهواري ١/ ٥٥٢ عن الحسن، وذكره ابن الجوزي ٣/ ١٠٦، والرازي ١٣/ ١٥٠، عن ابن عباس.
(٣) قرأ ابن عامر ونافع (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ الباقون بضمهما. انظر: "السبعة" ص ٢٦٥ - ٢٦٦، و"المبسوط" ص ١٧٣، و"التذكرة" ٢/ ٤٠٨، و"التيسير" ص ١٠٦، و"النشر" ٢/ ٢٦١، ٢٦٢.
(٤) "النوادر" ص ٢٣٥، وقبلاً: بكسر القاف وفتح الباء، ومقابلة: بضم الميم، وفتح القاف والباء، وقبلا بالفتح، وقبلاً: بالضم. وقبليًّا: بالفتح وتشديد الياء. وقبيلاً: بفتح القاف وكسر الباء.
اللفظان، فأما من قرأ (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء، فقال أبو عبيدة (١) والفراء (٢) والزجاج (٣) وجميع أهل اللغة (٤): (معناه: عيانًا، يقال: لقيته قِبَلًا أي: معاينةً).
قال ابن الأنباري (٥): (قال أبو ذر (٦): قلت للنبي - ﷺ -: أنبيًّا كان آدم؟ فقال: "نعم كان نبيًّا كَلَّمَهُ الله قِبلًا") (٧).
(٢) "معاني الفراء" ١/ ٣٥١.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨٣، وهو قول الأخفش ٢/ ٢٨٦، واليزيدي في "غريبه" ص ١٤١، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ١/ ١٦٩، والطبري ٨/ ٢، مكي في "تفسير المشكل" ص ٧٩.
(٤) انظر: "العين" ٥/ ١٦٦، و"الجمهرة" ١/ ٣٧٢، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٨٢٦، و"الصحاح" ٥/ ١٧٩٥، و"المجمل" ٣/ ٧٤١، و"المفردات" ص ٦٥٣، و"اللسان" ٦/ ٣٥٢٠ مادة (قبل).
(٥) ذكره السمين في "الدر" ٥/ ١١٢.
(٦) أبو ذر: صحابي مشهور، اختلف في اسمه. والمشهور: جندب بن جنادة بن السكن الغفاري، مشهور بكنيته، صحابي فاضل جليل، أحد السابقين إلى الإسلام، رأس في الزهد والصدق، والعمل والعلم، لازم النبي - ﷺ - وجاهد معه، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي رضي الله عنه سنة ٣٢ هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" ٤/ ٢١٩، و"الحلية" ١/ ١٥٦، و"الاستيعاب" ٤/ ٢١٦، و"سير أعلام النبلاء" ٢/ ٤٦، و"الإصابة" ٤/ ٦٢، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٥١٩.
(٧) أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" ص ٤٤٩ بسند ضعيف، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ١٩٨، وقال: (رواه الطبراني في الأوسط، وأحمد بنحوه، وفيه المسعودي قد اختلط) ا. هـ، وأخرجه أحمد في "المسند" ٥/ ١٧٨ و١٧٩، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٥/ ٤٤٧ بلفظ: (آدم نبي مكلم)، وفيه: المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة الكوفي، إمام صدوق اختلط قبل موته كما في "التقريب" ٣٤٤ (٣٩١٩)، وعبيد بن الخشخاش، قال ابن حجر في "التقريب" =
ومن قرأ (قُبُلًا) (١) فله ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون جمع قَبِيل (٢) الذي يراد به الكفيل، يقال: قَبَلْتُ (٣) بالرجل أقْبَل قَبَالةً، أي: كفلتُ به، ويكون المعنى: لو حُشر عليهم كل شيء فكفل بصحة ما تقول ما آمنوا (٤).
فإن قيل: إذا لم يؤمنوا مع إنزال الملائكة إليهم وأن يكلمهم الموتى، مع أن ذلك مما [يبهر] (٥) ظهوره، ويضطرب مشاهدته، فكيف يؤمنون بالكفالة التي هي قول لا يبهر ولا يضطر، ويجوز أن لا يصدقوا بكفالتهم، وأي أعجوبة في كفالتهم حتى تذكر مع إنزال الملائكة وكلام الموتى؟ قيل: في الأشياء المحشورة ما ينطق وما لا ينطق، فإذا نطق بالكفالة من لا ينطق كان ذلك موضع بهر الآية، ومعنى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ جمعنا (٦) {عَلَيْهِمْ كُلَّ
(١) أي: بالضم.
(٢) قبيل: بفتح القاف وكسر البار كَرِغيف ورُغُف - أفاده السمين في "الدر" ٥/ ١١٣.
(٣) قَبَلْتُ: بالفتح، أَقْبَل: بسكون القاف وفتح الباء، قَبَالة: بالفتح. أفاده السمين في "الدر" ٥/ ١١٣.
(٤) ذكر هذا الوجه أكثرهم، وهو اختيار الفراء في "معانيه" ١/ ٣٥٠.
(٥) في (ش): (يبهز)، وهو تصحيف.
(٦) في (ش): تكرر لفظ (جمعنا عليهم).
شَيْءٍ} في الدنيا. الوجه الثاني: أن يكون (قُبُلًا) جمع قبيل (١) بمعنى الصنف، المعنى: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ [قبيلًا قبيلاً] (٢)، والأعجوبة في هذا هو جمع الأشياء جنسًا جنسًا، وجمع الأشياء ليس في العرف (٣) أن تجمع وتحشر إلى موضع. الوجه الثالث: أن يكون (قُبلًا) بمعنى (قِبلًا) (٤) أي: مواجهة ومعاينة، كما فسره أبو زيد (٥)، وهذا في المعنى كالقراءة (٦) الأولى (٧).
(٢) في (أ): (قبلًا قبيلًا) ولعله تصحيف.
(٣) في "الحجة" لأبي علي ٣/ ٣٨٦، بعد ذكر ما تقدم قال: (فموضع ما يبهر هو اجتماعها مع أن ذلك ليس في العرف).
(٤) أي يكون قبلاً: بالضم، بمعنى قبلًا بكسر القاف وفتح الباء.
(٥) وكذلك المبرد كما حكاه النحاس في "إعراب القرآن" ٥٧٤ عنه.
(٦) ما تقدم: هو قول أبي علي في "الحجة" ٣/ ٣٨٤ - ٣٨٧، بتصرف. انظر: "معاني القراءات" ١/ ٣٨٠، و"الحجة" لابن زنجلة ص ٢٦٧، و"الكشف" ١/ ٤٤٦.
(٧) ذكر نحو ما تقدم أكثرهم. انظر: "معاني الفراء" ١/ ٣٥٠، والزجاج ٢/ ٢٨٣، والنحاس ٢/ ٤٧٥، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٠٧، وابن عطية ٥/ ٣٢١، وابن الجوزي ٣/ ١٠٧، والقرطبي ٧/ ٦٦، وذكره الرازي ١٣/ ١٥٠، السمين في "الدر" ٥/ ١١٢، عن الواحدي.
وقوله تعالى: مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ قال الزجاج (١): (أعلم الله جل وعز أنهم لا يؤمنون، وهو كإعلام نوح في قوله تعالى: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: ٣٦]، قال عكرمة (٢): (هذا في أهل الشقاء)، وقال ابن جريج (٣): (نزلت هذه الآية في المستهزئين الذين ذكروا في سورة الحجر) (٤).
قال ابن عباس في هذه الآية: (أخبر الله تعالى نبيه - ﷺ - بما سبق في علمه وقضائه وقدره من الشقوة عليهم، ليعزى رسوله ويصبره، وذلك أن حزن النبي - ﷺ - اشتد حين كذّبه قومه، وكفروا بالله، وصاروا إلى العذاب، ولهذا قال الله تعالى له: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف: ٦] (٥).
(١) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨٣، ومثله ذكر السمرقندي ١/ ٥٠٧.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه الطبري ٨/ ١، بسند جيد، وذكره ابن عطية ٥/ ٣٢٠، وقال: (هذا لا يثبت إلا بسند) ا. هـ. وانظر: "الدر المنثور" ٣/ ٧٢.
(٤) يعني قوله تعالى: كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ [الحجر: ٩٠]، وقوله تعالى: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥]، وانظر: سبب نزولها في "زاد المسير" ٤/ ٤١٧ - ٤٢١.
(٥) أخرج البيهقي في "الأسماء والصفات" ص ١/ ٢٥٠ بسند جيد عن ابن عباس قال: (إن رسول الله - ﷺ - كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويبايعوه على الهدى، =
وقال ابن الأنباري: (أقسم الكافرون أن الآية متى [أنزلت] (١) آمنوا بها، فقدر المؤمنون أن هذا القول صحيح منهم، فدلهم جل اسمه على أن قولهم ليس بحقٍّ، وأنه لو أحضرهم هؤلاء الآيات التي عددها ما كانوا ليؤمنوا ويعترفوا بصحة ما يشاهدون منها، إلا أن يهديهم إلى ذلك، ويسهل عليهم تبين الآيات وقبولها، وهو معنى قوله إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) (٢)، وهذا نص في تكذيب القدرية (٣).
وقوله تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ قال ابن عباس: (يجهلون الحق أنه من الله) (٤). وقيل: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ أنهم لو أتوا بكل آية ما آمنوا (٥).
وأخرج الطبري في "تفسيره" ٨/ ١، وابن أبي حاتم ٣/ ١٠٣ أ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ١٠٥ بسند جيد عنه قال: (مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا وهم أهل الشقاء إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وهم أهل السعادة الذي سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان) اهـ.
(١) في (ش): (نزلت).
(٢) لم أقف عليه. وانظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨٤.
(٣) انظر: "تفسير الرازي" ١٣/ ١٥١، و"البحر المحيط" ٤/ ٢٦، وقال ابن عطية في "تفسيره" ٥/ ٣٢٠: (وهذا يتضمن الرد على المعتزلة في قولهم بالآيات التي تضطر الكفار إلى الإيمان) ا. هـ
(٤) "تنوير المقباس" ٢/ ٥٣.
(٥) ذكره أكثر المفسرين. انظر: "تفسير السمرقندي" ١/ ٥٠٨، والماوردي ٢/ ١٥٧، وابن الجوزي ٣/ ١٠٧، والرازي ١٣/ ١٥١، والقرطبي ٧/ ٦٧، و"البحر المحيط" ٤/ ٢٠٦.
وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا الآية [الأنعام: ١١٢] قوله: وَكَذَلِكَ منسوق على قوله تعالى: كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام: ١٠٨] أي: كما فعلنا ذلك وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، وقيل (١): (معناه: جعلنا لك عدًّا، كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء) فيكون قوله وَكَذَلِكَ عطفًا على معنى ما تقدم من الكلام، وما تقدم يدل على معناه على أنه جعل له أعداء، قال المفسرون (٢): (وهذا تعزية للنبي - ﷺ -، يقول: كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدوًا ليعظم ثوابه على ما يكابد من أذاه).
قال الزجاج (٣) وابن الأنباري: (وعدو (٤) في معنى: أعداء)، وأنشد أبو بكر:
وانظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨٤، و"النحاس" ٢/ ٤٧٦، و"تفسير الماوردي" ٢/ ١٥٧، وابن الجوزي ٣/ ١٠٨، و"التبيان" ١/ ٣٥٤، و"الفريد" ٢/ ٢١٥، و"تفسير القرطبي" ٧/ ٦٧.
ونقل الرازي ١٣/ ١٥٢، قول الواحدي بدون نسبة، وذكره السمين في "الدر" ٥/ ١١٥، عن الواحدي.
(٢) ذكر ذلك أكثرهم. انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ٣، وابن عطية ٥/ ٣٢٢، والقرطبي ٧/ ٦٧.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨٤.
(٤) عدو: بفتح العين، وضم الدال. انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣٤٧، و"اللسان" ٥/ ٢٨٤٥ مادة (عدا).
| إذا أنا لم أَنْفَغ صديقي بودِّهِ | فإنَّ عدوِّي لن يَضُرَّهُم بُغْضي (١) |
واختلفوا في معنى شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ على قولين:
أحدهما: أن المعنى مردة الإنس والجن، والشيطان (٤) كل عاتٍ
(٢) "الزاهر" ١/ ٢١٦ - ٢١٨، ولم يذكر الآية، وذكر ذلك الرازي ١٣/ ١٥٤ عن ابن الأنباري.
(٣) هذا قول الزجاج في "معانيه" ٢/ ٢٨٤، والنحاس في "إعرابه" ١/ ٥٧٥، والأزهري في "تهذيبه" ٣/ ٢٣٤٧، وأكثرهم على أن في الآية وجهين: الأول: أن (عدوا) مفعول أول، و (لكل نبي) في موضع المفعول الثاني قدم، و (شياطين) بدل من عدو. والوجه الثاني: أن المفعول الأول (شياطين)، و (عدوًا) مفعول ثانٍ مقدم، و (لكل نبي) حال من (عدوًا) لأنه صفته، وقال الفراء في "معانيه" ١/ ٣٥١، والطبري ٨/ ٣: (نصب العدو والشياطين بجعلنا)، وجوز ابن الأنباري في "البيان" ١/ ٣٣٥ جعل (شياطين) مفعولًا ثانيًا لجعل. وانظر: "التبيان" ١/ ٣٥٤، و"الفريد" ٢/ ٢١٥، و"الدر المصون" ٥/ ١١٥.
(٤) قال المبرد في "الكامل" ٣/ ٩٦: (زعم أهل اللغة أن كل متمرد من جنٍّ أو إنس أو سبع أو حية يقال له: شيطان، وأن قولهم: تشيطن، إنما معناه: تخبث وتنكر، وقد قال الله جل وعز: شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ا. هـ. وانظر: "العين" ٦/ ٢٣٧، و"الجمهرة" ٢/ ٨٦٧، و"تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٧٨، و"الصحاح" ٥/ ٢١٤٤،=
متمرد من الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس في (١) رواية عطاء ومجاهد (٢) وقتادة (٣) والحسن (٤)، وهؤلاء قالوا: (إن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، وأن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن، وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمردٍ من الإنس، وهو شيطان الإنس، فأغراه بالمؤمن ليفتنه). يدل على هذا ما روى (إن النبي - ﷺ -[قال] (٥) لأبي ذر: "هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟ " قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن" (٦).
(١) ذكره الرازي ١٣/ ١٥٤، و"تنوير المقباس" ٢/ ٥٣، نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم ٣/ ٣٧١، نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٧٤.
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٠٢، والبغوي ٣/ ١٧٩، والرازي ١٣/ ١٥٤، عن مجاهد والحسن وقتادة.
(٣) أخرج عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢١٦، والطبري ٨/ ٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧١ بسند جيد نحوه.
(٤) ذكره هود الهواري ١/ ٥٥٢، والماوردي ٢/ ١٥٨، ابن الجوزي ٣/ ١٠٨.
(٥) لفظ: (قال) ساقط من (أ).
(٦) أخرجه أحمد في "المسند" ٥/ ١٧٨ - ١٧٩، والنسائي في "سننه" ٨/ ٢٧٥ في الاستعاذة، باب الاستعاذة من شر شياطين الجن، والطبري في "تفسيره" ٨/ ٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧١، من عدة طرق، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ١٥٩ - ١٦٠: (رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على علي بن زيد، وهو ضعيف، ورواه أحمد والبزار والطبراني في "الأوسط" بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي، وقد اختلط) ا. هـ. وقد ذكر ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ١٨٦ طرقًا أخرى للحديث ثم قال: (فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته والله أعلم) ا. هـ. وانظر: "كشف الأستار" ١/ ٩٣، و"المطالب العالية" ٤/ ٢٠٧ (٣٤٤١)، و"الدر المنثور" ٣/ ٧٣، وقوله: "قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" لم أقف عليها.
وقال مالك (١) بن دينار: (إن شيطان [الإنس] (٢) أشد عليَّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله يذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانًا) (٣).
وشرح ابن عباس هذا شرحًا شافيًا فقال (٤) في رواية عطاء: (أما عدوّه من شياطين الجن، فالأبيض الذي كان يأتي في صورة جبريل (٥) يوحي إليه، وأما الإنس فالوليد بن المغيرة (٦)،
(٢) لفظ (الإنس) ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.
(٣) ذكره الثعلبي في "الكشف" ١٨٣ أ، والواحدي في "الوسيط" ١/ ١٠٢، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ١٨٠، وابن الجوزي ٣/ ١٠٩، والقرطبي ٧/ ٦٨.
(٤) ذكر أبو حيان في "البحر" ٤/ ٢٠٧، نحوه، وقوله: (أما عدوه من شياطين الجن..) لم أقف عليه بعد طول بحث.
(٥) عن عبد الله بن مسعود قال: (قال رسول الله - ﷺ -: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن"، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسْلَم، فلا يأمرني إلا بخير" ا. هـ، قال الإمام النووي: (فأسلم: برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه أسلم أنا من شره وفتنته، واختلفوا على رواية الفتح، قيل: أسلم من الإِسلام وصار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير، وهذا هو الظاهر. وقيل: أسلم بمعنى استسلم وانقاد. قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي - ﷺ - من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه..) ا. هـ ملخصًا. وانظر: "النهاية" لابن الأثير ٢/ ٣٩٥.
(٦) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر المخزومي، أبو عبد شمس القرشي، أحد المستهزئين المجاهرين بالأذى والعداوة للرسول - ﷺ - وأصحابه رضي الله عنهم، توفي بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وهو والد الصحابي الجليل وسيف الله المسلول =
والعاص (١) بن وائل، وأبو جهل، وعتبة (٢)، وشيبة، وأبي بن خلف، وأخوه أمية) (٣)، وذكر أسماء المستهزئين (٤).
القول الثاني: أن الجميع من ولد إبليس، وأضيف (٥) الشياطين إلى
(١) العاص بن وائل بن هاشم السهمي، أحد المستهزئين والمجاهرين بالعداوة والأذى للرسول - ﷺ - وأصحابه رضي الله عنهم، توفي بعد الهجرة بشهرين، وهو والد الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه. انظر: "المراجع السابقة"، و"الأعلام" ٣/ ٢٤٧.
(٢) عتبة وشيبة: ابنا ربيعة بن عبد شمس القرشي، من المستهزئين قتلا في بدر. انظر: "المراجع السابقة"، و"الأعلام" ٣/ ١٨١، ٤/ ٢٠٠.
(٣) أبي، وأمية: ابنا خلف بن وهب الجمحي، من المستهزئين وأشدهم، وأكثرهم أذى للرسول - ﷺ - وأصحابه رضي الله عنهم، قتل أمية في بدر، ورمى النبي - ﷺ - يوم أحد أبيًّا بحربة فقتله. انظر: "جوامع السير" ص ٥٤، و"الكامل" في التاريخ ٢/ ١٤٨، و"الأعلام" ٢/ ٢٢.
(٤) المستهزؤون: طبقة لهم قوة ورياسة، اختلف في عددهم وأسمائهم وكيفية هلاكهم، وقد أخرج الطبري ١٤/ ٧٠ - ٧٣، والطبراني في "الكبير" ١١/ ١١٣، والبيهقي في "سننه" ٩/ ٨، في "الدلائل" ٢/ ٨٥ - ٨٦ من طرق جيدة عن ابن عباس، عددهم وأسماءهم وكيفية هلاكهم، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٤٧، وقال: (رجاله ثقات)، وقال السيوطي في "الدر" ٣/ ٧٣: (أخرجه الطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن مردويه بسند حسن، والضياء في المختارة) ا. هـ وانظر: الماوردي ٢/ ١٥٧، والزمخشري ٢/ ٣٩٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٢١، والقرطبي ١٠/ ٦٢، وابن كثير ٢/ ١٨٦.
(٥) قال السمين في "الدر" ٥/ ١١٥ - ١١٦: (الراجح أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها، والأصل الإنس والجن الشياطين، ويحتمل أن يكون من الإضافة التي بمعنى اللام، المعنى: الشياطين التي للإنس والشياطين التي للجن، فإن إبليس =
الإنس، أي: الذي يغوونهم، وهذا قول عكرمة (١) والضحاك (٢) والسدي (٣) والكلبي (٤) عن أبي صالح، عن ابن عباس (٥)، وهؤلاء قالوا: (معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وذلك أن إبليس قسم جنده فريقين: فبعث منهم فريقًا إلى الجن، وفريقًا إلى الإنس، فالفريقان شياطين الإنس والجن) (٦).
وقوله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ أي: يُلقي وُيسرّ (٧).
(١) أخرجه الطبري ٨/ ٤، من طرق، عن عكرمة والسدي، وذكره السمرقندي ١/ ٥٠٨، وابن الجوزي ٣/ ١٠٨، عن عكرمة.
(٢) ذكره القرطبي ٧/ ٦٨، وأبو حيان في "البحر" ٤/ ٢٠٧، عن الضحاك والكلبي.
(٣) ذكره ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٢، وذكره الماوردي ٢/ ١٥٨، عن عكرمة والسدي.
(٤) ذكره هود الهواري ١/ ٥٥٢، وذكره البغوي ٣/ ١٧٩، عن عكرمة والضحاك، والسدي والكلبي.
(٥) أخرجه الفراء في "معانيه" ١/ ٣٥١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٢، بسند ضعيف، وذكره النحاس في "إعرابه" ١/ ٥٧٥، وقال القرطبي ٧/ ٦٧: (قال النحاس وروى عن ابن عباس بإسناد ضعيف) ا. هـ.
(٦) هذا قول غريب وليس له وجه مفهوم، كما أفاده الطبراني في "تفسيره" ١٢/ ٥٢، والراجح: هو الأول عند أكثر أهل العلم، ومنهم الطبري، والقرطبي في "تفسيره" ٧/ ٦٨، وابن كثير ٢/ ١٨٦، وقال النحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٥٧٥: (ويدل عليه قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام: ١٢١] فهذا يبين معى ذلك) اهـ.
وقال ابن عطية في "تفسيره" ٥/ ٣٢٠: (قول السدي وعكرمة لا يستند إلى خبر ولا إلى نظر).
(٧) قال ابن الأنباري في "الزاهر" ٢/ ٣٤١: (المعنى: يسر بعضهم إلى بعض، وهذا أصل الحرف) ا. هـ.
قال عطاء، عن ابن عباس: (يناجي بعضهم بعضًا بكذب) (١).
ومعناه على القول الأول: ما قاله مجاهد (٢) وقتادة (٣): (وهو أن شياطين الجن الذين هم من جند إبليس يوحون إلى كفار الإنس ومردتهم فيغوونهم بالمؤمنين)، كما ذكرنا أن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن أغرى به شيطانًا من الإنس.
وعلى القول الثاني معناه: ما قاله الكلبي، وهو أنه قال: (إن إبليس جعل فرقة من شياطينه مع الإنس، وفرقة مع الجن، فإذا التقى شيطان الإنس وشيطان الجن قال: أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضل به صاحبك، ويقول له شيطان الجن مثل ذلك، فهذا وحي بعضهم إلى بعض).
قال الفراء: (حدثني بذلك حبّان (٤)، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس) (٥).
وعلى القول الأول المراد بالجن: الشياطين من ولد إبليس، والمراد بالجن في القول الثاني: [ولد] (٦) الجان (٧).
(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٣، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٧٤.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (ش): حيان، وكذا في "معاني الفراء" ١/ ٣٥١، وهو تصحيف، والصواب حبان بالباء، كما في "معاني الفراء" ٣/ ٧ و٨ و٥٣ و٦٠ و٦٦ و٧٧، وهو: حِبَّان بن علي العنزى، أبو علي الكوفي، إمام فاضل، صالح فقيه، ضعفه أئمة الجرح والتعديل، توفي سنة ١٧١ هـ، وله ٦٠ سنة. انظر: "الجرح والتعديل" ٣/ ٢٧٠، و"ميزان الاعتدال" ١/ ٤٤٩، و"تهذيب التهذيب" ١/ ٣٤٥، و"تقريب التهذيب" ص ١٤٩ (١٠٧٦).
(٥) إسناده ضعيف، وقد سبق تخريجه.
(٦) في (ش): (والد)، وهو تحريف.
(٧) الذي يظهر أنه على القول الأول: يكون المراد بالجن: ولد إبليس والجان، =
وقوله تعالى: زُخْرُفَ الْقَوْلِ، الزخرف: الباطل (١) من الكلام الذي زين ووشي بالكذب، يقال: فلان يزخرف كلامه، إذا زيَّنه بالباطل والكذب، وكل شيء حسنٍ مموهٍ فهو زخرف كالنقوش، وبيت مُزَخْرَفٌ منقوش (٢)، ومنه الحديث: (إن رسول الله - ﷺ - لم يدخل الكعبة حتى أمر بالزخرف فنُحِي) (٣)، يعني بالزخرف: نقوشًا، وتصاوير زينت به الكعبة
(١) في (أ): (الباطل من الباطل الكلام)، وعلى الباطل الثانية ضرب، وهو الصواب.
(٢) الزخرف: بضم الزاي المشددة، وسكون الخاء، وضم الراء: الزِّينة. وأصله الذَّهَب، ثم سمي كل زينة زخرفًا، ثم شبه كل مُمَوه مزور به، وبيت مزخرف، أي: مزين. انظر: "العين" ٤/ ٣٣٨، و"الجمهرة" ٢/ ١١٤٤، و"المنجد" ص ٢١٩، و"الصحاح" ٤/ ١٣٦٩، و"المفردات" ص ٣٧٩، و"اللسان" ٣/ ١٨٢١ (زخرف).
(٣) لم أقف على سنده وهو في: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٢٠، و"النهاية" لابن الأثير ٢/ ٢٩٩، و"اللسان" ٣/ ١٨٢١، و"عمدة الحفاظ" ص ٢١٩، و"الدر المصون" ٥/ ١١٦، و"تاج العروس" ١٢/ ٢٤٦ (زخرف). ومن المشهور أن البيت كان فيه تماثيل وصور، فأمر النبي - ﷺ - بإخراج التماثيل، وطمس الصور. قال ابن حجر في "فتح الباري" ٨/ ١٧: (روى عمر بن شيبة، عن عمرو بن دينار، بسند صحيح قال: (بلغني أن النبي - ﷺ - أمر بطمس الصور التي كانت في البيت) ا. هـ وأخرج البخاري في "صحيحه" مع فتح الباري ٨/ ١٦، عن ابن عباس قال: (إن النبي - ﷺ - لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام. فقال النبي - ﷺ -: "قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط") ا. هـ وانظر: في الصور والتماثيل التي كانت موجودة في البيت عند فتح مكة، و"أخبار مكة" للأزرقى ١/ ١١٩ - ١٢٣ و١٦٥ - ١٦٩، و"المصنف" =
وكانت مموهة بالذهب فأمر بها حتى حُتَّت (١) قال الزجاج: (والزخرف في اللغة: الزينة، المعنى: أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة و غُرُورًا منصوب على المصدر، وهذا المصدر محمول على المعنى، لأن معنى: إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور، فكأنه قال: [يَغُرّون] (٢) غُرُورًا) (٣)، وهذا معنى قول الضحاك: (شياطين الإنس يوحون إلى الإنس، وشياطين الجن يوحون إلى الجن) (٤).
(١) هذا التوجيه ذكره أصحاب المراجع السابقة، وقوله: حُتَّت: بضم الحاء وتَشديد التاء المفتوحة، والحَثُّ بفتح الحاء: الحَكُّ والقَشْر، وفَرْكُ الشيء اليابس. انظر: "اللسان" ٢/ ٧٦٧ مادة (حتت).
(٢) في (أ): (تغرون).
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٨٤، وانظر: "إعراب النحاس" ١/ ٥٧٥، و"المشكل" ١/ ٢٦٦، و"التبيان" ١/ ٣٥٤، و"الدر المصون" ٥/ ١١٦، ونقل ذلك الرازي في "تفسيره" ١٣/ ١٥٥، ١٥٦ عن الواحدي.
(٤) سبق تخريجه.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في "الفتاوى" ١٨/ ٥٦ عند شرح الآية: (أخبر سبحانه وتعالى أن جميع الأنبياء لهم أعداء، وهم شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف، وهو المزين المحسن، يغرون به، والغرور: التلبيس والتمويه، وهذا شأن كل كلام وعمل يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين، ثم قال وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان، فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى إلى زخرف أعدائهم، فخالف الرسل كما هو موجود في أصناف الكفار والمنافقين في هذه الأمة وغيرها..) ا. هـ.
وانظر: "بدائع التفسير" ٢/ ١٧٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي