ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

الآن نجيء إلى القضية التي تعالجها بقية السورة ؛ والتي كان التمهيد لها مطرداً في سياق السورة كله ؛ وآخر هذا التمهيد ما ساقه من قضايا العقيدة الكبيرة ؛ ومن واقع المعركة العقيدية الطويلة في الآيتين السابقتين. ومن تقرير سلطان الله المطلق فيما يقع من المعركة بين شياطين الإنس والجن وكل نبي. ومن قواعد الهدى والضلال وسنة الله التي يجري وفقها الضلال والهدى... إلى آخر ما استعرضناه في الصفحات السابقة.
الآن نجيء إلى القضية التي جعلت هذه المقدمات كلها قاعدة لها.. قضية الحل والحرمة فيما ذكر اسم اللهعليه وما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح.. وهي تأخذ أهميتها من ناحية تقرير المبدأ الإسلامي الأول : مبدأ حق الحاكمية المطلقة لله وحده ؛ وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته في أية صورة من الصور.. وحين تكون القضية هي قضية هذا المبدأ فإن الصغيرة تكون كالكبيرة في تحقيق هذا المبدأ أو نقضه.. ولا يهم أن يكون الأمر أمر ذبيحة يؤكل منها أولا يؤكل ؛ أو أن يكون أمر دولة تقام أو نظام مجتمع يوضع. فهذه كتلك من ناحية المبدأ. وهذه كتلك تعني الاعتراف بألوهية الله وحده ؛ أو تعني رفض هذه الألوهية.
والمنهج القرآني يتكئ كثيراً جدا على هذا المبدأ لتقريره في كل مناسبة. ولا يمل تكراره حيثما جاءت مناسبته أمام كل تشريع للصغير وللكبير من الأمور.. ذلك أن هذا المبدأ هو العقيدة، وهو الدين، وهو الإسلام ؛ وليس وراءه من هذا الدين كله إلا التطبيقات والتفريعات.
وسنجد في هذا المقطع من السورة - كما سنجد في بقيتها إلى ختامها - أن تقرير هذا المبدأ يكرر في صور شتى ؛ بمناسبة عرض شرائع الجاهلية وتقاليدها ؛ ويتضح ارتباط هذه الشرائع والتقاليد بالشرك والاستكبار عن الإسلام ؛ وانبثاقها من نقطة إقامة ألوهية أخرى غير الوهية الله، ومن ثم يسلط عليها القرآن هذه الحملات العنيفة، المنوعة الأساليب، ويربطها هذا الربط باصل الاعتقاد وأصل الإيمان والإسلام.
إن السياق يبدأ بتقرير جهة الحاكمية في أمر العباد كله - تمهيدا لتقرير جهة الحاكمية في التحليل والتحريم في الذبائح، الأمر الذي يزاول فيه المشركون حق الحاكمية افتراء على الله واعتداء على سلطانه - ويمهد لهذا الأمر تمهيداً طويلاً كما نلحظ من سياق الآيات في هذا الموضع :
( أفغير الله أبتغي حكما، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، فلا تكونن من الممترين. وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته، وهو السميع العليم. وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين ).
هذا التمهيد كله يجيء قبل أن يدخل في الموضوع الواقع الحاضر الذي يمهد له هذا التمهيد، ثم يربطه ربطاً مباشراً بقضية الإيمان أو الكفر :
( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه.. إن كنتم بآياته مؤمنين.. وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه ).
وقبل أن ينتهي من عرض قضية التحليل والتحريم - بعد ذلك التمهيد كله - يفصل بين فقرتين بتوجيهات وتعقيبات أخرى، تحوي مؤثرات قوية من الأمر والنهي والبيان والوعيد :
( وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم. إن ربك هو أعلم بالمعتدين. وذروا ظاهر الإثم وباطنه. إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون )..
ثم يستأنف الحديث في قضية التحليل والتحريم ؛ فيربطها مباشرة بقضية الإسلام والشرك :
( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم.. وإن أطعتموهم إنكم لمشركون )..
ثم يمضي بعد ذلك شوطاً آخر في الحديث عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان.. شوطاً كأنه تعقيب على أمر التحليل والتحريم.
ومن هذا التتابع، وهذا الربط، وهذا التوكيد، تتمثل طبيعة نظرة الإسلام لقضية التشريع والحاكمية، في شؤون الحياة اليومية..
ثم يكشف السياق القرآني عن طبيعة الكبر في نفوس أعداء رسل الله ودينه.. الكبر الذي يمنعهم من الإسلام ؛ خيفة أن يرجعوا عباداً لله كسائر العباد، فهم يطلبون امتيازاً ذاتياً يحفظ لهم خصوصيتهم بين الأتباع. ويكبر عليهم أن يؤمنوا للنبي فيسلموا له، وقد تعودوا أن يكونوا في مقام الربوبية للأتباع، وأن يشرعوا لهم فيقبلوا منهم التشريع، وأن يأمروهم فيجدوا منهم الطاعة والخضوع.. من أجل ذلك يقولون قولتهم المنكرة الغبية كذلك : لن نؤمن حتى نؤتي مثلما أوتي رسل الله :
( وإذا جاءتهم آية قالوا : لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ).
وقد قال الوليد بن المغيرة : لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا، وأكثر منك مالا ! وقال أبو جهل : والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه !
وواضح أن الكبر النفسي، وما اعتاده الأكابر من الخصوصية بين الأتباع، ومظهر هذه الخصوصية الأول هو الأمر منهم والطاعة والاتباع من الأتباع !.. واضح أن هذا من أسباب تزيين الكفر في نفوسهم، ووقوفهم من الرسل والدين موقف العداء.
ويرد الله على قولتهم المنكرة الغبية.. أولا بتقرير أن أمر اختيار الرسل للرسالة موكول إلى علمه المحيط بمن يليق بهذا الأمر الكوني الخطير.. ويرد عليهم ثانيا بالتهديد والتحقير وسوء المصير :
( الله أعلم حيث يجعل رسالته. سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون )..
إن الرسالة أمر هائل خطير. أمر كوني تتصل فيه الإرادة الأزلية الأبدية بحركة عبد من العبيد. ويتصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود. وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثل فيه الحق الكلي، في قلب بشر، وفي واقع ناس، وفي حركة تاريخ. وتتجرد فيها كينونة بشرية من حفظ ذاتها لتخلص لله كاملة، لا خلوص النية والعمل وحده، ولكن كذلك خلوص المحل الذي يملؤه هذا الأمر الخطير. فذات الرسول [ ص ] تصبح موصولة بهذا الحق ومصدره صلة مباشرة كاملة. وهي لا تتصل هذه الصلة إلا أن تكون من ناحية عنصرها الذاتي صالحة للتلقي المباشر الكامل بلا عوائق ولا سدود..
والله وحده - سبحانه - هو الذي يعلم أين يضع رسالته، ويختار لها الذات التي تنتدب من بين ألوف الملايين، ويقال لصاحبها : أنت منتدب لهذا الأمر الهائل الخطير.
والذين يتطلعون إلى مقام الرسالة ؛ أو يطلبون أن يؤتوا مثل ما أوتي الرسول.. هم أولا من طبيعة لا تصلح أساساً لهذا الأمر. فهم يتخذون من ذواتهم محوراً للوجود الكوني ! والرسل من طبيعة أخرى، طبيعة من يتلقى الرسالة مستسلماً، ويهب لها نفسه، وينسى فيها ذاته، ويؤتاها من غير تطلع ولا ارتقاب :( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب، إلا رحمة من ربك ).. ثم هم بعد ذلك جهال لا يدركون خطورة هذا الأمر الهائل، ولا يعلمون أن الله وحده هو الذي يقدر بعلمه على اختيار الرجل الصالح..
لذلك يجيبهم الرد الحاسم :
( الله أعلم حيث يجعل رسالته )..
وقد جعلها سبحانه حيث علم، واختار لها أكرم خلقه وأخلصهم، وجعل الرسل هم ذلك الرهط الكريم، حتى انتهت إلى محمد خير خلق الله وخاتم النبيين.
ثم التهديد بالصغار والهوان على الله، وبالعذاب الشديد المهين :
( سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون )..
والصغار عند الله يقابل الاستعلاء عند الأتباع، والاستكبار عن الحق، والتطاول إلى مقام رسل الله !..
والعذاب الشديد يقابل المكر الشديد، والعداء للرسل، والأذى للمؤمنين.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير