ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون [ الأنعام : ١٦٠ ].
المعنى الجملي : بعد أن بين في السورة أصول الإيمان، وأقام عليها البراهين، وفند ما يورده الكفار من الشبهات، ثم ذكر في الوصايا العشر أصول الفضائل والآداب التي يأمر بها الإسلام وما يقابلها من الرذائل والفواحش التي ينهى عنها.
بين هنا الجزاء العام في الآخرة على الحسنات وهي الإيمان والأعمال الصالحة، وعلى السيئات وهي الكفر والفواحش ما ظهر منها وما بطن.
الإيضاح : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أي من جاء ربه يوم القيامة بالخصلة الحسنة من خصال الطاعات التي فعلها وقلبه مطمئن بالإيمان فله عنده عشر حسنات أمثالها من عطائه غير المحدود.
وهذه العشر لا يدخل فيها ما وعد به من المضاعفة لمن يشاء على بعض الأعمال كالنفقة في سبيله، إذ قد وعد بالمضاعفة عليها دون قيد في قوله : إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم [ التغابن : ١٧ ] ووعد بمضاعفة كثيرة في قوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة [ البقرة : ٢٤٥ ] ووعد بالمضاعفة سبعمائة ضعف في قوله : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [ البقرة : ٢٦١ ].
وفي هذا إشارة إلى تفاوت المنفقين وغيرهم من المحسنين في الصفات النفسية كالإخلاص في النية والاحتساب عند الله والإخفاء سترا على المعطى وتباعدا من الشهرة، والإبداء لحسن القدوة، وتحري المنافع والمصالح، وما يقابل ذلك من الصفات الرذيلة كالرياء وحب الشهرة الباطلة والمن والأذى.
والخلاصة : إن العشرة تعطى لكل من أتى بالحسنة، والمضاعفة فوقها تختلف بحسب مشيئته تعالى بما يعلم من أحوال المحسنين، فمن بذل الدرهم ونفسه كئيبة على فقده، لا تكون حاله كمن يبذله طيبة به نفسه، مسرورة بتوفيق الله على عمل الخير ونيل ثواب الآخرة.
ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها أي ومن جاء بالخصلة السيئة وعليها طابع الكفر، تكنفها الفواحش والمنكرات، فلا يجزي إلا عقوبة سيئة مثلها بحسب سننه تعالى في تأثير الأعمال السيئة في إفساد النفس وتدسيتها.
وهم لا يظلمون الظلم : النقص من الشيء كما جاء في قوله تعالى : كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا [ الكهف : ٣٣ ] أي إن كلا الفريقين فاعلي الحسنات والسيئات لا يظلم يوم الجزاء، لا من الله، لأنه منزه عن الظلم عقلا ونقلا فقد روى مسلم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال :( يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ) الحديث، ولا من غيره إذ لا سلطان لأحد من خلقه ولا كسب في ذلك اليوم يمكنه من الظلم ما يفعل الأقوياء الأشرار في الدنيا بالضعفاء، وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه قال :( إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ).
والمراد من كتابة الله لها أمره الملائكة بكتابتها كما ورد في حديث أبي هريرة مرفوعا قال :( يقول الله : إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها عليه بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ) وفي هذا الحديث بيان للسبب في كتابة السيئة حسنة، وأن ذلك إنما كان لمخالفة النفس بكفها عن عمل السيئة من أجل ابتغاء رضوان الله واتقاء سخطه وعذابه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير