ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

بل إنه مع الأسف امتد التجزؤ والتجميد إلى بعض نصوص القرآن، فلا يقرأ بعضها في الإذاعات.
والآية عامة في كل من فارق الدين وكان مخالفا له، سواء أكان من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) أم من المسلمين (أهل البدع والشبهات).
روى بقيّة بن الوليد بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعائشة: «إن الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا: إنما هم أصحاب البدع، وأصحاب الأهواء، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة، إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، ليس لهم توبة، وأنا بريء منهم، وهم منا برآء».
جزاء الحسنة والسيئة
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٠]
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)
الإعراب:
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها: من قرأ بالتنوين عَشْرُ كان عَشْرُ مبتدأ، وأَمْثالِها صفة له، وفَلَهُ خبر مبتدأ مقدم عليه. ومن قرأ بالإضافة كان في حذف الهاء من عَشْرُ وهو مذكر ثلاثة أوجه ذكرها ابن الأنباري ١/ ٣٥٠:
الأول- أن يكون التقدير فيه: عشر حسنات أمثالها، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه.
وهذا مذهب سيبويه. وهذا أوجه الوجوه.
والثاني- أنه حمل أَمْثالِها على المعنى لأن الأمثال في معنى حسنات، فكأنه قال: عشر حسنات.
والثالث- أن يكون اكتسى المضاف التأنيث من المضاف إليه، كقوله تعالى: يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ [يوسف ١٢/ ١٠] في قراءة التاء، وكقولهم: ذهبت بعض أصابعه.

صفحة رقم 118

البلاغة:
بِالْحَسَنَةِ وبِالسَّيِّئَةِ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أي جزاء عشر حسنات. إِلَّا مِثْلَها أي جزاء واحد مماثلا لها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ لا ينقصون من جزائهم شيئا.
قال بعضهم: الحسنة: قول: لا إله إلا الله، والسيئة: هي الشرك. قال الرازي: وهذا بعيد، بل يجب أن يكون محمولا على العموم «١».
المناسبة:
بعد أن بين الله تعالى في السورة أصول الإيمان، وألزم باتباع الوصايا العشر في الفضائل والآداب. وندد بالكفار وأهل البدع، أوضح هنا الجزاء على العمل، سواء أكان من الحسنات: وهي الإيمان والأعمال الصالحة، أم من السيئات: وهي الكفر والمعاصي أو الفواحش.
التفسير والبيان:
من جاء يوم القيامة بالخصلة الحسنة والفعلة الطيبة من الطاعات، فله جزاؤها عشر حسنات أمثالها، وهذا من قبيل العدل والفضل المحدود، ولكن قد تضاعف الحسنة بعد ذلك إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال تعالى:
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة ٢/ ٢٦١]. وقال عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة ٢/ ٢٤٥] إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ [التغابن ٦٤/ ١٧].

(١) تفسير الرازي: ١٤/ ٨

صفحة رقم 119

وهذا التفاوت مرده إلى الله تعالى، وإلى اقتران العمل بما يرفعه عند الله، كالإخلاص في النية، واحتساب الأجر عند الله، وإخفاء الفعل الطيب، وإبداؤه أحيانا للاقتداء به، وتحري منفعة الأمة.
ومن ارتكب سيئة أو اقترف ذنبا، فله عقوبة سيئة مماثلة لها.
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي كل من المحسن والمسيء لا ينقص من عمله شيء، فلا ينقص من ثواب المحسنين، ولا يزاد على عقاب المسيئين.
وجاء الحديث النبوي موضحا معيار التفاضل في الحسنات، وطريق الجزاء على السيئات،
روى أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: «إن ربكم عز وجل رحيم، من همّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها، كتبت له واحدة، أو يمحوها الله عز وجل، ولا يهلك على الله إلا هالك»
والكتابة تكون بواسطة الملائكة، بأمر الله لهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا التفاوت بين جزاء الحسنة وجزاء السيئة بفضل من الله ورحمة منه لأن الثواب- في رأي أهل السنة- تفضل من الله تعالى في الحقيقة، فمن فعل حسنة طيبة، كان له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له. وتجوز المضاعفة إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة، حسبما تقتضي الإرادة والمشيئة والحكمة الإلهية، وبقدر ما يقترن به العمل الصالح من قصد حسن وإخلاص لله تعالى.
ومن اقترف فعلة سيئة، لم يكن له من الجزاء إلا ما يساويها ويوازيها.
روى أبو ذر أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله تعالى قال: الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو عفو، فالويل لمن غلب آحاده أعشاره»
وقال صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتقدم: «يقول الله:

صفحة رقم 120

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية