ويقول الحق من بعد ذلك :
وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ( ١٨ ) .
وقد رتب سبحانه وتعالى الكون والخلق بأسباب ومسببات. وكل شيء موجود هو واسطة بين شيء وشيء، فالأرض واسطة لاستقبال النبات، والإنسان واسطة بين أبيه وابنه، ولنفهم جميعا أن الحق، فوق عباده، إنه غالب بقدرته، يدير الكون بحكمة وإحاطة علم، وهو خبير بكل ما خفي وعليم بكل ما ظهر. وهو القائل :
قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ( ٦٥ ) ( سورة الأنعام ).
سبحانه وتعالى له مطلق القدرة على أن يرسل العذاب من السماء أو من بطن الأرض، أو أن يجعل بين العباد العداء متناحرين ليدفع بعضهم بعضا حتى لا تفسد الأرض ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض .
فإياك أن تظن أيها الإنسان أن الحق حين يملك بعض الخلق أسبابا أنهم مالكو الأسباب فعلا، لا، إن الحق سبحانه أراد بذلك ترتيب الأعمال في الكون. ولذلك ساعة نروى واحدا يظلم في الكون فإننا نجد ظالما آخر هو الذي يؤدب الظالم الأول. ولا يؤدب الحق الشرير على يد رجل طيبّ، إنما يؤدبه عن طريق شرير مثله :
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ( ١٢٩ ) ( سورة الأنعام ).
لأنه سبحانه وتعالى يجل المظلوم من أهل التقوى أن يكون له دور في تأديب الظالم، إنما ينتقم الله من الظالم بظالم مثله أو قوي منه. وهذا ما نراه على مدار التاريخ القريب والبعيد، فحين يتمكن العبد الصالح من الذين أساءوا إليه يقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما دخل مكة حيث قال :( يا معشر قريش ما ترون أنى فاعل بكم ؟ قالوا : خير، أخ كريم وابن أخ كريم، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء )١.
أما إذا أراد الله انتقام من شرير فهو يرسل عليه شريرا مثله يدق عنقه، أو يجدع أنفه، أو يذله حتى لا ينتشر ويستشري الفساد ؛ فسبحانه القاهر فوق عباده، وهو قهر بحكمة وبعلم وليس قهر استعلاء وقهر جبروت وسيطرة. وحتى نوضح ذلك قد يجري الله على أحد عباده قدرا بأن ينكسر ذراع ولده فيسوق الرجل ولده إلى طبيب غير مجرب ليقيم جبيرة لذراع الابن، وتلتئم العظام على ضوء هذه الجبيرة في غير مكانها، فيذهب الرجل بابنه إلى طبيب ماهر فيكسر يد الطفل مرة أخرى ليعيد وضع العظام في مكانها الصحيح.
إن هذا الكسر كان لحكمة وهي استواء العظام ووضعها الوضع السليم. ولا يغيظ عبد من العباد الخالق أبدا، ولكن الحق ينتصف للمغيظ. نعلم أن الإنسان مخير بين الإيمان والكفر، فإن كفر وعصى فليس له في الآخرة إلا العذاب، إلا أن الله يجرى عليه قدر المرض فلا يستطيع أن يتمرد عليه ؛ لأنه سبحانه قاهر فوق عباده بدليل أنه متحكم في أشياء لا خيار للعباد فيها. ومادام الإنسان منا محكوما بقوسين ولا رأي له في ميلاده أو موته فلماذا – إذن – التمرد بالعصيان على أوامر الله ؟ ولنعلم أن الحق هو القاهر فوق عباده بقهر الحكمة وسبحانه يضع لكل أمر المجال الذي يناسبه وهو خبير بمواطن الداءات، ويعالج عباده منها على وفق ما يراه.
تفسير الشعراوي
الشعراوي