يحب شخصا مذموم الطريقة، فإذا وقع فى محنة بسببه تبرأ منه، فيقال له ما كانت محبتك (عاقبة محبتك) لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته اهـ.
وعلى هذا فالفتنة هى شركهم فى الدنيا كما فسرها ابن عباس، ويكون فى الكلام تقدير مضاف هو كلمة (عاقبة) كما قدمنا ذلك.
(انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) هذا تعجب من كذبهم الصريح بإنكار صدور الإشراك عنهم فى الدنيا.
(وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) أي انظر كيف كذبوا باليمين الفاجرة بإنكار صدور ما صدر عنهم؟ وكيف ذهب عنهم ما كانوا يفترونه من الإشراك حتى نفوا صدوره عنهم بتاتا وتبرءوا منه غاية البراءة؟.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)
تفسير المفردات
الأكنة واحدها كنان كأسنة وسنان: وهو الغطاء، والوقر (بِالْفَتْحِ) الثقل فى السمع، والآية: العلامة الدالة على صدق الرسول، يجادلونك: يخاصمونك وينازعونك، والأساطير واحدها إسطارة وأسطورة: وهى الخرافات والترهات، والنأى عنه: يشمل الإعراض عن سماعه، والإعراض عن هدايته.
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه أحوال الكفار فى الآخرة وذكر ما يكون منهم من تلجلج واضطراب، فتارة ينكرون شركهم بالله وأخرى يعترفون به وذكر ما يواجهون به من اللوم والتقريع على الشركاء الذين اتخذوهم أولياء وشفعاء.
ذكر هنا ما يوجب اليأس من إيمان بعض منهم لوجود الموانع الصادّة عنه، فمهما توالت الآيات والنذر لا تجدى معهم شيئا، إذ الحجب كثيفة، والأغطية سميكة، فاختراقها عسير، والوصول إليها فى حكم المستحيل.
قال ابن عباس: حضر عند النبي ﷺ أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث والحارث بن عامر وأبو جهل فى جمع كثير واستمعوا إلى النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها (الكعبة) بيته ما أدرى ما يقول إلا أنى أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى يحدّث قريشا بما يستملحونه، قال أبو سفيان: إنى لأرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل كلّا فأنزل الله الآية.
الإيضاح
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) أي ومن أولئك الكافرين فريق يستمع إليك إذا أنت تلوت القرآن داعيا إلى توحيد الله مبشرا منذرا.
(وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) أي والحال أنا قد جعلنا على قلوبهم أغطية تحول دون فقهه وفهمه، وفى آذانهم ثقلا أو صمما يحول دون سماعه بقصد التدبر والوصول إلى ما فيه من الهداية والرشد.
وفى هذا تشبيه للحجب والموانع المعنوية بالحجب والموانع الحسية، فالقلب الذي لا يفقه الحديث ولا يتدبره كالوعاء الذي وضع عليه الغطاء فلا يدخل فيه شىء، والآذان التي لا تسمع الكلام سماع فهم وتدبر كالآذان المصابة بالثقل أو بالصمم، فسمعها وعدمه سواء.
بيان هذا- أن الله جلت قدرته جعل التقليد الذي يختاره الإنسان لنفسه مانعا من النظر والاستدلال والبحث عن الحقائق، فالمقلد لا يستمع إلى متكلم لمييز الحق من الباطل، وإذا وصل إلى سمعه ما هو مخالف لما يدين به لا يتدبره ولا يراه جديرا بالموازنة بينه وبين ما عنده من عقيدة أو رأى ليختار أقربهما إلى الصحة وأجدرهما
بالصدق وأكثرهما هداية ورشادا وأبعثهما إلى اطمئنان النفس الموصل لها إلى السعادة فى الدنيا والآخرة.
(وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها) أي وإن يروا كل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك وصدق دعوتك لا يؤمنوا بها، إذ هم لا يفقهونها ولا يدركون المراد منها لوقوف أسماعهم عند ظواهر الألفاظ فحظهم كحظ الصّمّ من سماع أصوات البشر.
(حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي حتى إذا جاءوك مجادلين لك فى دعوتك قالوا: ما هذا إلا أساطير الأولين وخرافاتهم.
ذاك أنهم لم يعقلوا مما فى القرآن من أنباء الغيب إلا أنها حكايات وخرافات تسطّر وتكتب كغيرها من الأنباء والخرافات، فلا علم فيها ولا فائدة منها، وهذه حال من يسمع جرس الكلام ولا يتدبره ولا يفقه أسراره، أو من ينظر إلى الشيء نظرة جملية لا يستنبط منها علما، ولا يستفيد منها عقيدة ولا رأيا، وما مثلهما إلا مثل من يشاهد ألعاب الصور المتحركة (السينما) مفسرة بلغة هو لا يعرفها، فكل همه مما يرى من المناظر والكتابة لا يعدو التسلية وشغل الوقت.
فلو عقل هؤلاء قصص القرآن وتدبروا معانيها لكان لهم من ذلك آيات بينات تدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وعبر ومواعط ونذر تبين سنن الله فى خلقه مع الأقوام الذين كذبوا الرسل وكان عاقبة أمرهم الدمار والنكال.
ثم بين أن أمرهم لم يقتصر على حد الضلال، بل تعدوه إلى الإضلال وساروا فيه قدما فقال:
(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) أي وأولئك المشركون المعاندون للنبى الجاحدون لنبوته، لا يقنعون بتكذيبهم له وعدّه حديث خرافة، بل ينهون الناس عن استماعه، لئلا يقفوا على حقيقته فيؤمنوا به، ويتباعدون عنه بأنفسهم إظهارا لا شمئزازهم ونفورهم منه فيكونون ناهين منتهين.
ثم ذكر أن عاقبة ذلك الوبال والنكال لهم فقال:
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي