ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ٢٩ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ٣٠ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ٣١ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ٣٢
بين الله تعالى لنا في هذه الآيات شأنا آخر من شؤون الكفار المكذبين بآياته في الدنيا وهو غرورهم بها، وافتتانهم بمتاعها، وإنكارهم البعث والجزاء، وما يقابله من حالهم في الآخرة يوم يكشف الغطاء، وهو ما يكون من حسرتهم وندمهم عل تفريطهم السابق، وافتتانهم بذلك المتاع الزائل، وقفى عليه ببيان حقيقة الدنيا والمقابلة بينها وبين الآخرة.
ولو ترى إذ وقفوا على ربهم تقدم تفسير مثل هذا التعبير قريبا. ووقفهم على ربهم عبارة عن وقف الملائكة إياهم في الموقف الذي يحاسبهم فيه ربهم، وإمساكهم فيه إلى أن يحكم بما شاء فيهم، فهو من قبيل :
وقوفا بها صحبي علي مطيهم١
أي يقفون مطيهم عندي وقوفا، ولا يشترط في هذا أن يكونوا في مكان أعلى من المكان الذي هو فيه. أو المعنى يحبسونها علي بإمساكها عندي. وإنما عدي الوقف والوقوف الذي بهذا المعنى بعلى – وكذا الحبس والإمساك الذي فسر به – لدلالته على معنى القصر، قال تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم [ المائدة : ٤ ] أي مما أمسكته الجوارح مقصورا عليكم فلم تأكل منه لأجلكم، وكذلك حبس العقار ووقفه على الفقراء وسائر وجوه البر فيه معنى قصره على ذلك. والذين تقفهم الملائكة وتحبسهم في موقف الحساب امتثالا لأمر الله تعالى، أو يكون أمرهم مقصورا على الله تعالى لا يتصرف فيه غيره يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله [ الإنفطار : ١٩ ] وإنما أطلت في بيان كون استعمال وقف هنا متعديا بعلى ما تقدم قريبا في تفسير قوله تعالى : وقفوا على النار [ الأنعام : ٢٧ ] لأن المفسرين اضطربوا في التعدية هنا فحمل الكلام بعضهم على التمثيل وبعضهم على الكناية وبعضهم على مجاز الحذف أو على غيره من أنواع المجاز، وجعله بعضهم من الوقوف على الشيء معرفة وعلما، وجاء بعضهم بتأويلات أخرى لا حاجة إلى ذكرها.
بينا آنفا في تفسير ولو ترى إذ وقفوا على النار أن جواب " لو " لتذهب النفس في تصوره كل مذهب يقتضيه المقام. وللإيذان بأنه لا يحيط به نطاق الكلام، ومن شأن السامع لمثل هذا أن ينتظر بيانا لما يقع في تلك الحال، فإن لم يوافه المتكلم به، توجهت نفسه إلى السؤال عنه، فلهذا جاء البيان جوابا لسؤال مقدر وهو قوله تعالى : قال أليس هذا بالحق إدخال الباء على الحق يفيد تأكيد المعنى أي قال لهم ربهم أليس هذا الذي أنتم فيه من البعث هو الحق لا ريب فيه ؟ قالوا بلى وربنا أي بل هو الحق الذي لا ريب فيه ولا باطل يحوم حوله، اعترفوا وأكدوا اعترافهم باليمين، فشهدوا بذلك على أنفسهم أنهم كانوا كافرين، فبماذا أجابهم رب العالمين ؟ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ( ٣٠ ) أي إذا كان الأمر كذلك فذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون، بسبب كفرهم الذي كنتم عليه دائمون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:هذا وإننا قد وعدنا بأن نبين في آخره تفسير هذه الآيات ما يترتب على إنكار البعث والجزاء من فساد الفطرة البشرية المفضي إلى الشرور الكثيرة فنقول : إن الكفر بالبعث والجزاء، واعتقاد أنه لا حياة بعد هذه الحياة، يجعل هم الكافر محصورا في الاستمتاع بلذات الدنيا وشهواتها البدنية والنفسية كالجاه والرياسة والعلو في الأرض ولو بالباطل وهو ما يسمونه الشرف، ومن كان كذلك يكون في اتباع هواه ولذاته الشهوانية أسفل من البهائم كالبقر والقردة والخنازير، وفي اتباعه لهواه في لذته الغضبية أضرى وأشد أذى من الوحوش الضارية المفترسة كالذئاب والنمور، وفي اتباعه لهواه و لذته النفسية شرا من الشياطين، يكيد بعضهم لبعض ويفترس بعضهم بعضا، لا يصدهم عن باطل ولا شر يهوونه إلا العجز، ولا يرجعون إلى حكم يفصل بينهم إلا القوة التي جعلوها فوق الحق، وطالما غشوا أنفسهم وفتنوا غيرهم في هذا الزمان، بما كان من تأثير التوازن في القوى من منع كثير من البغي والعدوان، الذي كان يصول به قوي الأمم على ضعيفها، والحكومات الجائرة على رعيتها، فزعموا أن الحضارة المادية، والعلوم والفنون البشرية، هي التي تفيض روح الكمال على الإنسان، إذا لم يؤمن بالبعث والجزاء بل ولا بالإله الديان، واستدلوا على ذلك بما أجمعت عليه أممهم ودولهم من ذم الحرب، والتفاخر ببناء سياستهم على أمتن قواعد السلم. وزعموا أن الباعث لهم على ذلك حب الإنسانية، والرغبة في العروج بجميع البشر إلى قمة السعادة المدنية.
فإن قيل : فما بالكم تسابقون إلى استذلال الأمم الضعيفة في الشرق، وتسخرونها لمنافعكم وتوفير ثروتكم بغير حق ؟ قالوا : كلا إنما نريد أن نخرجها من ظلمات الهمجية والجهل، لتشاركنا فيما نحن فيه من نور الحضارة والعلم. فإن قيل : فما بالنا نراها لم تنل من علومكم إلا بعض القشور، ولم تستفد من مدينتكم إلا الفسق والفجور ؟ قالوا إنما ذلك لضعف الاستعداد، وما تمكن في نفوس هذه الشعوب من الفساد، على أننا خير لها من حكامها الأولين، بما قمنا به من حفظ الأمن وتوفير أسباب النعيم للعاملين ! ذلك شأنهم لا تقام عليهم حجة، إلا ويقابلونها بشبهة تؤيدها القوة، وقد قوضت الحرب المشتعلة نارها في أوروبا هذه الأعوام، جميع ما بنيت عليه هذه الشبهات من المزاعم والأوهام، إذ رأينا فيها أرقى أهل الأرض في الحضارة والعلوم والفلسفة يخربون بيوتهم بأيديهم، ويقوضون صروح مدينتهم بمدافعهم، ويستعينون بكل ما ارتقوا إليه من العلوم والفنون والصناعات والحكمة والنظام، لإهلاك الحرث والنسل وتخريب العمران، بمنتهى القسوة والشدة، التي لا تشوبها عاطفة رأفة ولا رحمة، ولو كان من بأيديهم أزمة الأمور منهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وما فيه من الحساب والجزاء بالحق، لما انتهوا في الطغيان إلى هذا الحد.
نعم إن هذه الشعوب كانت تتقاتل لنصر المذهب أو الدين، في القرون التي كانت تعمل فيها كل شيء باسم الدين، ولكنها لم تصل في التقتيل والتخريب في ذلك الزمان، إلى عشر معشار ما هي عليه الآن، وإن كانوا يسمون هذا العصر عصر النور وتلك العصور بعصور الظلمات، على أن الرؤساء كانوا يتخذون اسم الدين وتأويل نصوصه وسيلة لأهوائهم التي ليست من الدين في شيء، كما يعلم جميع علماء هذا العصر، ومن العجائب أن أقسى أهل هذه الحرب وأشدهم تخريبا وتدميرا هم الذين يزعمون أنهم يحاربون لله وأن الله معهم على أعدائهم. وإنما الحرب الدينية الصحيحة حرب الأنبياء والخلفاء الراشدين، ومن على مقربة من سيرتهم من الملوك الصالحين، ولم يكن يستحل في شيء منها ما يستحل الآن من القسوة والتخريب. وقد فصلنا في المنار القول في المقابلة بين هذه الحرب المدنية، وحروب المسلمين الدينية، التي كانت دفاعا عن النفس، وتقريرا للحق والعدل، والمساواة في الحقوق بين أصناف الخلق، يسيرون فيها على القواعد الشرعية العادلة في الضرورات ككونها تبيح ما ضرره دون ضررها، وكونها تقدر بقدرها، وتراعى فيها الرحمة، لا العدل وحده، وقد شهد بذلك لسلفنا أعلم حكماء الإفرنج بتاريخنا [ غوستاف لوبون ] فقال كلمة حق حقيقة بأن تكتب بماء الذهب، وهي :« ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب».
وجملة القول إن شبهات المفتونين بالمدنية المادية قد دحضت بهذه الحرب الساحقة وقويت بها حجة أهل الدين عليهم، بل تنبه بها الشعور الديني في الجم الغفير من الأوروبيين حتى الفرنسيس منهم، بعد أن كانوا قد نبذوه وراء ظهورهم، وآثروا عليه الشهوات البدنية الحقيرة، حتى ضاقت بهم المعابد التي كانت مهجورة، قلما تفتح أبوابها وقلما يلم بها أحدا إن فتحت. وذلك شأن المسرفين في أمرهم من الناس، لا يتوجهون إلى خالقهم إلا عند الشدة والبأس، وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون [ يونس : ١٢ ].



١ عجزه:
يقولون: لا تهلك أسى وتجمل
والبيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص ٩، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٢٦٨..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير