تفسير المفردات : اللعب : الفعل الذي لا يقصد به فاعله مقصدا صحيحا من تحصيل منفعة أو دفع مضرة كأفعال الصبيان التي يتلذذون بها، واللهو : ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، وقد يسمى كل ما به استمتاع لهوا، ويقال لهوت بالشيء ألهو به لهوا وتلهيت به إذا تشاغلت وغفلت به عن غيره.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السالفة إنكارهم في الدنيا للبعث والجزاء ـ بين هنا حالهم في الآخرة يوم يكشف عنهم الغطاء، فيتحسرون ويندمون على تفريطهم السابق وغرورهم بذلك المتاع الزائل، ثم أردفه ذكر حقيقة الدنيا مقابلا بينهما وبين الآخرة وموازنا بين حاليهما لدى المتقين والغاصين.
الإيضاح : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو أي وما هذه الحياة الدنيا التي قال الكفار إنه لا حياة غيرها إلا لهو ولعب، فهي دائرة بين عمل لا يفيد في العاقبة كلعب الأطفال، وعمل له فائدة عاجلة سلبية كفائدة اللهو وهو دفع الهموم والآلام، ومن ثم قال بعض الحكماء : إن لذات الدنيا سلبية إذ هي إزالة للآلام، فلذة الطعام في إزالة ألم الجوع، وبقدر هذا تعظم اللذة في إزالته، ولذة شرب الماء هي إزالة العطش وهكذا.
وفي الآية وجه آخر، وهو أن متاع هذه الدنيا متاع قليل، قصير الأجل لا ينبغي أن يغتر به العاقل، فما هو إلا كلعب الأطفال قصير المدة، فإن الطفل سريع الملل لكل ما يقدم إليه من أصناف اللعب، أو أن زمن الطفولة قصير كله غفلة، أو كلهو المهموم في قصر مدته، على كون غير مقصود لذاته.
وللدار الآخرة خير للذين يتقون الكفر والمعاصي، لخلود لذاتها من المضار والآلام وسلامتها من التقضي والانصرام، من هذه الدار للمشركين المنكرين للبعث الذين لا حظ لهم من حياتهم إلا التمتع الذي هو من قبيل اللعب في قصر مدته وعدم فائدته، أو من قبيل اللهو في كونه دفعا لألم الهم والكدر.
والخلاصة : إن نعيم الآخرة خير الآخرة خير من نعيم الدنيا، فالبدني منه أعلى وأكمل من نعيم الدنيا في ذاته وفي دوامه وثباته وفي كونه إيجابيا لا سلبيا، وفي كونه غير مشوب ولا منغص بشيء من الآلام، وفي كونه لا يعقبه ثقل ولا مرض ولا إزالة أقذار، والروحاني منه كلقاء الله ورضوانه وكمال معرفته يجل عنه الوصف والتحديد ولا شبيه له في نعيم الدنيا.
أفلا تعقلون أي أتغفلون عن هذا فلا تعقلون أن الحياة الدنيا لعب ولهو وأنتم ترون من يموت، ومن تنوبه النوائب، وتفجعه الفواجع ؟ ففي ذلك مزدجر عن الركون إليها، واستبعاد النفوس لها، ودليل على أن لها مدبرا يلزم عبادته وعدم إشراك غيره معه في ذلك التدبير والنظام وإخلاص العبادة والطاعة له.
تفسير المراغي
المراغي