والحق سبحانه وتعالى يقول لنا :
وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ( ٣٢ ) .
هكذا تكون الحياة بالنسبة لمن يقف عند وصفها على أساس أنها ( الحياة الدنيا ) إنها لا تزيد على كونها لهوا ولعبا. واللعب – كما نعلم – هو مزاولة حدث ونقضه في آن واحد، المثال على ذلك الطفل على شاطئ البحر قد يقيم بيتا من الرمال ثم يهدمه ؛ إنه لم يقم ببناء بيت من الرمال إلا ليهدمه. واللعب عملية يقصد بها قتل وقت في عمل قد ينقض، فالبناء والنقض في هذه الحالة لعب ولا يشغل اللعب الإنسان عن الواجب. أما اللهو قتل في عمل قد ينقض ويشغل الإنسان عن الواجب أيضا.
والطفل الصغير – على سبيل المثال – يتلقى من والديه بعض ليقضي وقته معها وقد يخربها ويهدمها وقد يعيد بناءها. ولعب الطفل هو لهو في الوقت نفسه ؛ لأن الطفل غير مكلف بواجب. وما إن يدخل إلى المدرسة وتصير لديه بعض من المسئوليات نجد الأسرة تعلمه أن يفرق بين وقت أداء مسئولياته ووقت اللعب ؛ لأنه إن لعب في وقت أداء المسئوليات صار لعبه لهوا ؛ لأنه شغله عن أداء مسئولية مطلوبة منه.
وكذلك الحياة الدنيا مجردة من منهج الذي خلقها وخلق الإنسان فيها هي لهو ولعب، وأما إن أخذ الإنسان الحياة بمواصفاتها من خلقها فهي حياة منتجة للخير في الدنيا وفي الآخرة. والذي خلق الحياة الدنيا جعلها بالنسبة لنا مزرعة للآخرة. والمؤمن – إذن – له حياتان : حياة صلاح في الدنيا، وحياة نعيم في الآخرة ؛ لأنه يعيش الحياة الدنيا على مراد من خلقه.
ومن العجيب أن من خلقنا لم يكلفنا إلا بعد أن يصل الإنسان منا إلى البلوغ، أي أن يكون الإنسان صالحا لإنجاب إنسان مثله إن تزوج. ويأتي التكليف متناسبا مع النضج وعند تمام العقل. وسمح الحق لنا أن نلعب في سنوات ما قبل النضج، ولكن لا بد أن يكون مثل هذا اللعب تحت إشراف من الكبار حتى يمكن للعب أن يتحول إلى دربة تفيدنا في مجالات الحياة، ويجعلنا نعرف كيف وصلنا في العصر الحديث إلى درجة من التقدم في صناعة اللعب التي يتعلم منها الطفل، ويمكن أن يقوم بتفكيكها وإعادة تركيبها، وحتى الكبار نجدهم في زماننا يتعلمون قيادة السيارات في حجرات مغلقة وأمامهم شاشة تليفزيون، وكأنهم في طريق حقيقي وفي شارع مزدحم بالسيارات، ومن يتقن هذا التدريب العملي يخرج إلى قيادة السيارة. وهكذا نجد أن التدريب مفيد للإنسان، يعلم الصغار اللعب الذي ينفعهم عندما يكبرون، وكذلك يفيد التدريب الكبار أيضا.
وعندما أوصانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نعلم أبناءنا ركوب الخيل والسباحة والرماية، وكانت الخيل – في زمن الرسالة – هي إحدى الأسلحة المهمة ليركبها الداعون إلى الله المجاهدون في سبيله. وحين طلب منا أن نعلم الأبناء السباحة فهذا بناء للجسم والقوة يفيد الشاب ويعلمه مواجهة الصعاب، وحين طلب منا أن نعلم الأبناء الرماية فذلك لأن تحديد الهدف ماديا أو معنويا معرفة الوصول إليه أمر مطلوب من كل شاب. وكل هذه ألعاب ولكنها ليست لهوا، إنها ألعاب ممتعة ويمكن أن تستمر مع الإنسان بعد أن يكلف. قال عليه الصلاة والسلام :( علموا أبناءكم السباحة والرماية )١ فماذا عن ألعاب عصرنا وزماننا ؟
إننا نجد أن لعبة كرة القدم قد أخذت اهتمام الرجال والنساء والكبار والصغار، وهي لعبة لا تعلم أحد شيئا، لأنها لعبة لذات اللعب، هي لعبة تعتدي على الوقت معظم الناس، وأخذت تلك اللعبة كل قوانين الأمور الجادة. فهي تبدأ في زمان محدد، ويذهب المشاهدون إليها قبل موعد بساعتين، وتجند لها الدولة من قوات الأمن أعداد كافية للمحافظة على نظام مع أنها من اللهو ولا فائدة منها للمشاهد.
وقد تمنع وتحول وتعطل البعض عن عمله والبعض الآخر عن صلاته. يحدث كل ذلك بينما نجد أن بعضا من ميادين الجد بلا قانون.
وأقول ذلك حتى يفيق الناس ويعرفوا أن هذه اللعبة لن تفيدهم في شيء ما. وأقول هذا الرأي وأطلب من كل رب أسرة يحكم السيطرة على أهله، وينصحهم بهدوء ووعي حتى ينتبه كل فرد في الأسرة إلى مسئولياته ولنعرف أنها لون من اللهو، وتأخذ الكثير من وقت العمل وواجبات ومسئوليات الحياة، حتى لا نشكو ونتعب من قلة الإنتاج.
إن على الدولة أن تلتفت إلى مثل هذه المسائل، ولنأخذ كل أمر بقدره، فلا يصح أن ننقل الجد إلى قوانين اللعب، ولكن ليكن للجد قانونه، وللعب وقته وألا ننقل اللعب إلى دائرة اللهو ؛ لأن معنى اللهو هو أن ننصرف إلى عمل لا هدف له ولا فائدة منه. وإن نظرنا إلى الحياة مجردة من منهج الله فهي لعب ولهو.
ونلتفت هنا إلى دقة الحق حين جاء باللعب أولا ثم باللهو من بعد ذلك، ثم يقول : وللدار الآخرة وفي لفت واضح إلى أن الإنسان حين ينعزل عن منهج الحق في الحياة تفاجئه الأحداث بالانتقال المفاجئ إلى جد واضح ؛ لذلك فلنأخذ الحياة في ضوء منهج الله ؛ لأنه سبحانه حين أبلغنا أنه خلق الإنسان من طين، وصوره ونفخ فيه من روحه فقد أعطاه الحق بذلك حياة أولى، يشترك فيها المؤمن والكافر، والطائع العاصي وكل إنسان له حس وحركة وفكر وإرادة. وأرسل الله الرسل بالمنهج من أجل أن تسير الحياة إلى الغاية منها وهي الحياة الثانية وهي الدار الآخرة فإنها الحياة الكاملة الباقية، ونسمع قول الحق سبحانه وتعالى :
يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ( من الآية ٢٤ سورة الأنفال )
إن الحق سبحانه وتعالى يقدم لنا حياة عالية دائمة تخلف الحياة التي تنتهي. والذي يتوقف عن أخذ منهج الله في حياته يكفي بمثل ما يأخذ الحيوان من الحياة وهي النفخ في الروح، لكن الذي يأخذ بمنهج الله يأخذ الحياة العالية... حياة الخير والجمال والإصلاح والإحسان. ونعلم أن الجمال في الحياة هو الجمال الذي لا يورث قبحا. والخير الحقيقي هو الذي يعمم خير الله على العباد، فلا يأخذ الإنسان الخير لنفسه ويترك شروره للآخرين ؛ لذلك أقول : لا تأخذ أيها المسلم الخير لنفسك على حساب الشر للآخرين ؛ لأنك لا تحب أن يحقق الآخرون الخير على حسابك، والذي يحب أن ينطلق بشروره في الناس فليستقبل الشر من غيره. ومن يجب أن يأخذ الخير من الناس فليعطيهم من خيره حتى يبقى الوجود جميلا. إذن فالحياة بدون منهج الله تكون قبيحة ؛ لأن القوى يعيث فيها فسادا بقوته وينزوي الضعيف إلى الإحساس بالذلة والضياع.
لكن الحق سبحانه أراد الحياة للمؤمنين في ضوء منهجه، وعندما يطبقون تكاليفه ب ( افعل ) و ( لا تفعل ) فهم يصونون الحياة من الفساد حسب أوامر الخالق الأعلى للحياة، فهو سبحانه الذي أوجدنا ووضع لنا قوانين صيانة الحياة. وحين منع مؤمنا واحدا من الشر، فهو قد منع وحرم على كل إنسان مؤمن من أن يصنع شرا لأخيه، وبذلك حمى الإنسان من الشر. وإنما خص الله المؤمنين بالنداء والدعاء ؛ لأنهم أهل الاستجابة والطاعة ؛ أما ما عداهم من أهل الكفر والشرك فقد تأبوا على الله وعصوه ولم يؤمنوا به. وحين يأمر الله المؤمن بالخير، فهو يأمر المؤمنين جميعا بأن يصنعوا الخير لهم ولغيرهم. وبذلك يكسبون حياة مطمئنة ؛ لذلك يقول سبحانه : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم .
فالذي لا يستجيبوا لله ولرسوله حين يدعوهم لما يحييهم يظلون في الحياة الدنيا غارقين في اللهو واللعب، إنهم كالموتى. وحتى نعرف أن الحق سبحانه أراد لنا – نحن المؤمنين – الحياة العالية ؛ إنه – سبحانه – قد سمى المنهج الذي يرسم لنا الأوامر والنواهي بالروح : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا . سمى الحق سبحانه وتعالى بهذا الملك الذي نزل بالوحي : نزل به الروح الأمين ( ١٩٣ ) ( سورة الشعراء ).
إذن فالحياة التي تعطي الإنسان الحس والحركة هي الحياة الأولى التي يلعب ويلهو من خلالها، وليست هي الحياة المرادة لله ؛ لأن الحياة المرادة لله هي الحياة الإيمانية ولذلك سماها الحق سبحانه الحيوان أي الحياة الكاملة وسمى المنهج روحا.
وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ( ٣٢ ) ( سورة الأنعام ).
إن مجرد التعقل يعطي الإنسان الخير، والتعقل هو محاولة فهم نواميس الكون من الأسباب والمسببات، ونحن نرى نور الشمس يعم النهار ويشيع الضوء والدفء، وغياب الشمس وظهور القمر يحقق صفاء السكون ويهدي الناس في ظلمات البر والبحر، وجريان الماء يروي الإنسان والزرع، وحركة الرياح تحرك السحب وتقود السفن وتساعد في حركة الملاحة في الجو والبحر وتلقح النبات، وكل ذلك أسباب أرادها الله حتى يتحقق التوازن في الكون. والإنسان يأخذ حظه من الحياة بالأسباب التي يعمل فيها ولا يأخذ الإنسان من أسباب غيره.
صحيح أن هناك أناسا يعيشون بلا أسباب ويأخذون تعب غيرهم، ولكن عليهم أن يحذروا الله، فإياك أيها المسلم أن تبني لحمك ولحم أولادك من استغلالك لغيرك ؛ ذلك أن أغيار الحياة ستمر عليك وقد تصير قوتك إلى ضعف، وتأمين الإنسان لضعفه إنما يكون بإخراج الزكاة للضعيف، ومساعدته ومعاونته في كل ما يحتاج إليه، ونجد غير المؤمنين وقد أخذوا فكرة التأمين من الزكاة، فأنت تدفع للفقير زكاتك لتؤمن نفسك كمؤمن، وهم أخذوا هذه الفكرة ليحولوها إلى تأمين على الحياة، ولذلك تدخل في قدر الله.
لكن الحق أراد بالزكاة أن يطمئن المجتمع كله لا أن يطمئن من يؤمن على نفسه فقط. ونعلم أن الذي يخيف الإنسان ويجعله يكدس المال ويجمعه ويكنزه هو الخوف من الضعف، لكن لو أعطى الغني بعض من المال للفقير لأشاع الاطمئنان في نفسه ونفوس الضعفاء.
والذي يجعل الناس وتلهث في الحياة للادخار لأبنائها هو عدم اقتناعهم بالتكافل الاجتماعي الذي شرعه الإسلام. وهم يرون اليتيم وهو يضيع في المجتمع، لكن لو آمن الناس في المجتمع بالتكافل الاجتماعي لوجد كل يتيم أبوة المجتمع كله له.
والإنسان الذي يلهث وراء كسب من أجل أن يؤمن مستقبل أولاده قد يحول أولاده إلى يتامى لأنه مشغول عن تربيتهم، ولذلك يقول أمير الشعراء شوقي رحمة الله عليه :
ليس اليتيم من انتهى أبواه من
هم الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له
أما تخلت أو أبا مشغولا
إن على المجتمع أن يأخذ قضية الخير من قول الحق سبحانه : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم . فكما أحيا الحق الأجسام بالروح التي نفخها في القالب الطيني فصار لها حس وحركة، فهو قد أنزل المنهج أيضا روحا من عنده لترتقي به روح الحس والحركة، حتى لا يصير الإنسان كالأنعام أو أضل سبيلا :
وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ( ٣٢ ) ( سورة الأنعام ).
والدار الآخرة خير ؛ لأن الدنيا مهما طالت فهي منتهية، لكن الحياة الآخرة خلود أبدا، ونعيما في الدنيا نأخذه بالأسباب، ولكن نعيم الآخرة نأخذه على قدر سعة ورحابة قدرة الله. وآفة الدنيا حتى بالنسبة لأهل النعيم والقوة والثراء هي الخوف من الفقر أو الموت، لكن في الآخرة لا يفوت أهل الجنة النعيم ولا يفوتون النعيم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي