وقوله تعالى: أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ذكرنا معنى سَاءَ (١) عند قوله: وَسَآءَ سَبِيلًا في [النساء: ٢٢]، قال ابن عباس: (يريد بئس الحمل حملوا) (٢)، وقال الزجاج: (بئس الشيء شيئًا (٣) يزرونه، أي: يحملونه) (٤).
٣٢ - قوله تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، قال المفسرون: (هذا رد لقول الكفار: إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٥) (٦)، فقال الله تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ (٧) (٨)، قال ابن عباس: (يريد حياة المشركين وأهل النفاق وأهل الكفر بالله: إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يريد: باطل وغرور) (٩)، وإنما خص ابن عباس هذا بحياة الكافر؛ لأن حياة المؤمن فيها أعمال صالحة لا تكون (١٠) لعبًا ولهوًا.
(٢) ذكره الواحدي في الوسيط ١/ ٢٨، والبغوي ٣/ ١٣٩، والخازن ٢/ ١٢٩.
(٣) في النسخ: (شيء).
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٤٢، وهو قول أكثرهم. انظر: "إعراب النحاس" ٢/ ٦٣ والسمرقندي ١/ ٤٨١، والبغوي ٣/ ١٣٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٦.
(٥) في النسخ (ما هي) بدلاً من (إن)، وهو تحريف، وفي الجاثية الآية ٢٤، قال تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ الآية.
(٦) في (أ): (حيوتنا) بدلًا من (حياتنا).
(٧) في (أ): (الحيوة) حسب رسم المصحف.
(٨) ذكره عامة المفسرين أن الآية رد على منكري البعث.
انظر: الطبري ٧/ ١٨٠، وابن عطية ٥/ ١٧٩، والرازي ١٢/ ٢٠٠، والقرطبي ٦/ ٤١٤، و"الخازن" ٢/ ١٢٩، و"البحر" ٤/ ١٠٨.
(٩) ذكره الرازي في "تفسيره" ١٢/ ٢٠٠، والقرطبي ٦/ ٤١٥، و"الخازن" ٢/ ١٢٩، وأبو حيان في "البحر" ٤/ ١٠٨.
(١٠) في (ب): (يكون). وانظر: "تفسير الرازي" ١٢/ ٢٠٠.
وقال مقاتل في قوله: (إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يلهون في الدنيا) (١).
وهذا يؤكد أن المراد بهذا حياة الكافر؛ لأن المؤمن لا يشتغل باللهو في الدنيا عن عمل الآخرة.
وقال آخرون: (هذا عام في حياة المؤمن والكافر، والمراد بقوله: لَعِبٌ وَلَهْوٌ أنها تنقضي وتفنى ولا تبقى كاللعب واللهو، يكون لذة فانية عن قريب) (٢).
وقوله تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قال ابن عباس: (يريد الجنة) (٣)، وهو قول الكلبي (٤). وَالْآخِرَةُ صفة وَلَلدَّارُ وسميت الْآخِرَةُ لأنها بعد الدنيا (٥). وقرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بالإضافة (٦).
قال الفراء: (يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقولهم: بارحة الأولى، ويوم الخميس، وحق اليقين؛ فإذا اتفقا لم تقل العرب: هذا حق الحق ولا يقين اليقين، وذلك أنهم يتوهمون إذا اختلفا في اللفظ أنهما
(٢) انظر: "الطبري" ٧/ ١٨٠، والرازي ١٢/ ٢٠٠، والقرطبي ٦/ ٤١٤.
(٣) ذكره الرازي في "تفسيره" ١٢/ ٢٠٣، وأبو حيان في "البحر" ٤/ ١٠٩.
(٤) "تنوير المقباس" ٢/ ١٤، وهو قول السمرقندي ١/ ٤٨١، وابن الجوزي ٣/ ٢٧، والقرطبي ٦/ ٤١٥، وغيرهم.
(٥) انظر: "تفسير القرطبي" ٦/ ٤١٥.
(٦) قال ابن الجزري في "النشر" ٢/ ٢٥٧: (قرأ ابن عامر: (ولدار) بلام واحدة وتخفيف الدال. (الآخرة) بخفض التاء على الإضافة، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. وقرأ الباقون بلامين مع تشديد الدال للإدغام وبالرفع على النعت، وكذا هو في مصاحفهم) ا. هـ وانظر: "السبعة" ص ٢٥٦، و"المبسوط" ص ١٦٧، و"التذكرة" ٢/ ٣٩٧، و"التيسير" ص ١٠٢.
مختلفان في المعنى، ولا يتوهمون ذلك إذا اتفق اللفظ) (١).
وعند البصريين (٢) لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظ، وقالوا في قراءة ابن عامر: (لم يجعل الْآخِرَةُ صفة وَلَلدَّارُ؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنه جعلها صفة الساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة، وجاز وصف الساعة بالآخرة كما جاز ذلك في اليوم في قوله تعالى: وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ [العنكبوت: ٣٦]، فإن قيل: على هذا التقدير الذي ذكرتم يكون قد أقام الْآخِرَةُ التي هي الصفة مقام الموصوف الذي هو الساعة، وذلك قبيح! قيل: لا يقبح ذلك إذا كانت الصفة قد استعملت استعمال الأسماء و الْآخِرَةُ صارت كالأبطح (٣) والأبرق (٤) في استعمالهما (٥) أسماء. ألا ترى أنه قال تعالى ذكره: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى: ٤]، فليست الْآخِرَةُ كالصفات التي لم تستعمل استعمال الأسماء (٦)، ومثل الْآخِرَةُ في أنها استعملت
(٢) انظر: "الأصول" ٢/ ٨، و"أمالي ابن الشجري" ٢/ ٦٧، و"الإنصاف" ص ٣٥٣، و"المغني" لابن هشام ٢/ ٦٢٦، واختار هذا التوجيه أكثرهم. انظر: "المشكل" ١/ ٢٥١، و"البيان" ١/ ٣١٩، و"الفريد" ٢/ ١٤١.
(٣) الأبطح: مسيل والتسبيح فيه دقاق الحصى. انظر: "القاموس" ص ٢١٣، (بطح).
(٤) الأبرق: كثير التهديد والتوعد. انظر: "القاموس" ص ٨٦٦. (برق).
(٥) في (أ): (استعمالها).
(٦) قال السمين في "الدر" ٤/ ٦٠٠، في توجيه كلام البصريين: (وحسن ذلك أيضًا في الآية كون هذه الصفة جرت مجرى الجوامد في إيلائها العوامل كثيراً. وكذلك كل ما جاء مما توهم فيه إضافة الموضف إلى صفته، وإنما احتاجوا إلى ذلك لئلا =
استعمال [الأسماء] (١) الدنيا.
والاختيار قراءة العامة (٢)؛ لأن الأولى أن تجعل الْآخِرَةُ صفة وَلَلدَّارُ، وإذا كانت صفة لها وجب أن يجري عليها في الإعراب ولا يضاف إليها، والدليل على كونها صفة وَلَلدَّارُ قوله تعالى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى فقد علمت بإقامتها مقامها أنها هي وليست غيرها فيستقيم أن يضاف إليها (٣).
قوله تعالى: خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ قال ابن عباس: (يريد اتقوا الله ولم يشركوا به شيئًا) (٤).
وقال مقاتل: (للذين اتقوا الشرك) (٥).
وقال الكلبي: (للذين يتقون الكفر والشرك والفواحش) (٦).
(١) لفظ: (الأسماء) ساقط من (أ).
(٢) واختار قراءة العامة أيضًا الأزهري في "معاني القراءات" ١/ ٣٥١، ومكي في "الكشف" ١/ ٤٣٠.
(٣) هذا معنى قول أبي علي في "الحجة" ٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢، لكنه لم يذكر اختيار قراءة العامة. وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص ٢٤٦، و"تفسير ابن عطية" ٥/ ١٧٩، والرازي ١٢/ ٢٠٣، والقرطبي ٦/ ٤١٥، و"البحر المحيط" ٤/ ١٠٩.
(٤) ذكر الرازي ١٢/ ٢٠٣، وأبو حيان في "البحر" ٤/ ١٠٩، عنه نحوه بلفظ: (خير لمن اتقى الكفر والمعاصي)، وفي "تنوير المقباس" ٢/ ١٥: (خير لمن اتقى الكفر والشرك والفواحش).
(٥) "تفسير مقاتل" ١/ ٥٥٨.
(٦) "تنوير المقباس" ٢/ ١٥، والمعاني متقاربة، وهي من باب التنبيه على بعض أجزاء التقوى، فأول ما يتقى الكفر، ثم الشرك؛ ثم الفواحش والمعاصي. انظر: الطبري ٧/ ١٨٠، والسمرقندي ١/ ٤٨١، والبغوي ٣/ ١٣٩، والقرطبي ٦/ ٣١٥.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي