وجواب فإن استطعت : محذوف، أي : فافعل.
وإن كان كَبُر أي : عظم وشق عليك إعراضهم عنك وعن الإيمان بما جئت به، فإن استطعت أن تبتغي نفقًا أي : سريًا في الأرض فتدخل فيه لتطلع لهم آية، أو سُلَّما في السماء لترتقي فيه فتأتيهم بآية حتى يعاينوها فافعل، ولكن الأمر بيدي، فإنما أنت نذير.
قال البيضاوي : المقصود : بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وأنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها ؛ رجاء إسلامهم، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى أي : لو شاء الله جمعهم على الهدى لوفقهم للإيمان حتى يُؤمنوا، ولكن لم تتعلق به مشيئته، وفيه حجة على القدرية. أو : لو شاء الله لأظهر لهم أية تلجئهم إلى الإيمان، لكن لم يفعل ؛ لخروجه عن الحكمة، فلا تكونن من الجاهلين أي : من الذين يحرصون على ما لم تجر به المقادير، أي : دم على عدم كونك منهم ولا تقارب حالهم بشدة التحسر.
وقال في نوادر الأصول : إن الخطاب به تربية له، وترقيةُ من حال إلى حال، كما يُربَّى أهل التقريب ويُنقلُون من ترك الاختيار، فيما ظاهرُه بِرٌ وقربة. ه.
قلت : تشديد الخطاب على قدر علو المقام، كما هو معلوم من الأب الشفيق أو الشيخ الناصح، وقد قال لنوح عليه السلام : إِنّيَ أَعِظُكِ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [ هُود : ٤٦ ]. وهذا الخطاب أشد لعلو مقامه صلى الله عليه وسلم.
الإشارة : كل ما سُلِّيت به الرسل تسَّلى به الأولياء ؛ لأنهم ورثتهم الخاصة، وكل ما أُمرت به الرسل تؤمر به الأولياء، من الصبر وعدم الحرص، فليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس، ولا الحزن على من أدبر عنهم أو أنكر، بل هم يزرعون حكمة التذكير في أرض القلوب، وينظرون ما ينبت الله فيها، اقتداءً بما أُمر به الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وما تخلق به، فمن أصول الطريقة : الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي