ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘ

وإن كان كبر عليك إعراضهم كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا قومه إلى الإسلام، وعرض عليهم هذا القرآن العظيم بما فيه من الآيات البينات التي لا تترك في الحق لبسا، قابلوه بالرد القبيح والإعراض، أي : التوالي والصدود عن دين الله ( جل وعلا ) وآذوه صلى الله عليه وسلم، فبين في هذه الآية أن من أسوإ ما يسوؤه، وأحزن ما يحزنه، ويضيق به صدره إعراضهم وتوليهم عن الحق ؛ لما جبل عليه من الشفقة والرحمة ؛ ولذا نهاه الله مرارا عن شدة أسفه وحزنه عليهم قال له : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات [ فاطر : آية ٨ ] لأجل أن لم يؤمنوا فهون عليك، وقال له : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [ الشعراء : آية ٣ ] ومعنى : باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين مهلك نفسك بالأسف والحزن ؛ لأجل عدم إيمانهم.
و ( الباخع ) في لغة العرب : المهلك، ومنه قول غيلان ذي الرمة :

ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يده المقادر
" الباخع الوجد نفسه " أي : المهلك الوجد نفسه.
فلعلك باخع نفسك أي : مهلكها.
ألا يكونوا مؤمنين لأجل عدم إيمانهم، فهون عليك، وقال له : فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ الكهف : الآية ٦ ] وهو شدة الحزن، أي : لشدة الحزن عليهم أن لم يؤمنوا، وقال له : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات [ فاطر : آية ٨ ] من شدة التأسف على عدم إيمانهم، فهون عليك. والله يعني بهذا : يعني أنت رسول مهمتك الرسالة، وقد بلغت، ونصحت، وأديت كما ينبغي، فهداهم ليس عليك، وحسابهم ليس عليك، فربهم أعلم بهم، هو الذي يشقي ويهدي، وهو الذي إليه مرجعهم وحسابهم، فهون عليك، فقد قمت بما عليك : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ؛ ولذا شدد عليه هنا في هذه الآية، قال له : وإن كان كبر عليك إعراضهم أي شق وعظم عليك إعراضهم أي : صدودهم وتوليهم عما جئت به، وقد أمرتك مرارا أن تترك عنك هذا الحزن، وتعلم أن ما عليك قد أديته، بلغت ونصحت، وأن هداهم ليس بيدك ليس عليك هداهم ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا [ المائدة : آية ٤١ ] وإن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل [ النحل : آية ٣٧ ] قال له هنا : وإن كان كبر عليك إعراضهم أي : شق وعظم عليك وأحزنك إعراضهم أي : صدودهم عما جئت به. و ( الإعراض ) مصدر أعرض يعرض إعراضا، إذا صد وتولى عن الشيء. فكأن الله يقول له : إن عظم وشق عليك وأحزنك صدودهم وتوليهم، وقد نهيتك مرارا عن هذا الحزن، فإن كانت لك طاقة أو قدرة فأت بها، وإن عجزت عن ذلك فاعلم أن ذلك بيد الله، فكل الأمر إليه، وهون عليك ؛ ولذا قال : فإن استطعت الاستطاعة على الشيء : القدرة عليه.
أن تبتغي تطلب.
نفقا في الأرض النفق السرب في بطن الأرض، الذي يكون له وجه من جهة أخرى ينفذ منه الإنسان، أن تبتغي سربا في الأرض [ فتغوص ] به في بطن الأرض ؛ لتخرج آية تقهرهم بها، أو سلما أو مصعدا تصعد به إلى السماء، حتى تحصل من الأسفل أو من الأعلى آية تقهرهم بها ؛ إن قدرت على هذا فافعل. فجواب فإن استطعت محذوف، وتقديره : فافعل. إن قدرت على ذلك فافعل، وإن كنت عاجزا عن ذلك – كما هو الحق – فهون عليك، واعلم أن أمرهم إلى الله، ومصيرهم إلى الله، فهون عليك.
وقوله في صدر هذه الآية الكريمة : وإن كان كبر المعروف في فن العربية : أن مادة ( الكاف والباء والراء ) تستعمل في القرآن العظيم، وفي لغة العرب استعمالين، ويتغير شكلها بحسب الاستعمالين، إن كانت ( كبر ) معناه : أنه عظم وكبر، فهي مضمومة الباء في مضارعها وماضيها، تقول : " كبر عليه الأمر "، إذا عظم وشق. ومنه قوله هنا : وإن كان كبر عليك إعراضهم ، وقوله : كبرت كلمة تخرج من أفواههم [ الكهف : آية ٥ ] كبر مقتا عند الله [ الصف : آية ٣ ] ومضارع هذه أيضا :( يكبر ) بضم الباء على القياس، كما في قوله : قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم [ الإسراء : آية ٥١ ] فهذه كبر يكبر. أما معناها الآخر، وهو ( الكبر في السن )، بأن تقول : " كبر هذا الغلام في سنه "، فهي مكسورة الباء في الماضي، تقول :( كبر )، بكسر الباء. ولا تقول :( كبر )، وتقول في مضارعها :( يكبر ) بفتح الباء، ولا تقول :( يكبر )، على القياس، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا [ النساء : آية ٦ ] لأنه هنا مضارع ( كبر ) بكسر الباء، ( يكبر ) بفتحها على القياس، ومنه بهذا المعنى الأخير قول مجنون بني عامر :
تعشقت ليلى وهي ذات ذوائب ولم يبد للعينين من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
هذان معنى ( كبر ) و ( كبر ) ؛ لأنهما معنيان مختلفان يتغير المعنى بهما.
وهذا معنى قوله : وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض النفق : السرب في داخل الأرض، وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
ولا لكما منجى من الأرض فابغيا بها نفقا أو في السماوات سلما
ويجمع النفق على أنفاق، ومنه قول امرىء القيس :
خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب
يعني أخرجهن من جحورهن ؛ لأن جحور الحشرات تسمى أنفاقا، واحدها نفق. والسلم : هو المصعد إلى الشيء، معروف في كلام العرب. والسلم إلى السماء : المصعد الذي يصعد فيه
إلى السماء. ومنه قول زهير في معلقته :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم
وكل مصعد يصعد فيه الإنسان تسميه العرب سلما، ولو كان معنويا، فالشيء الذي يرتقى به إلى الأمر – ولو معنويا غير محسوس – تقول له العرب : سلم، ومنه قول الحطيئة :
الشعر صعب وطويل سلمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه
وقوله جل وعلا : فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم هذا الفعل المضارع منصوب ؛ لأنه معطوف على فعل منصوب، والمضارع المعطوف على منصوب ينصب. والأول المنصوب قوله : فإن استطعت أن تبتغي فقوله : تبتغي منصوب ب ( أن ). وقوله : فتأتيهم معطوف عليه، فتأتيهم بآية قاهرة تقهرهم بها فافعل إن قدرت، وإن لم تقدر على ذلك فهون عليك، واعلم أن أمرهم بيد الله، هداهم بيده وحسابهم عليه، فهون عليك.
ثم إن الله تعالى قال : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى هذا الهدى الذي يؤسفك أن لم يهتدوا هو بيد الله، لو شاء ربك لجمعهم على الهدى لفعل. والقاعدة المقررة في علم العربية : أن فعل المشيئة إذا قرن بشرط أنه يحذف مفعوله دائما ؛ لأن جزاء الشرط يكفي عنه. والمفعول محذوف تقديره :( ولو شاء الله جمعهم على الهدى لجمعهم على الهدى ) فغالبا إذا علق فعل المشيئة بالشرط حذف مفعوله لدلالة جواب الشرط عليه، ولم نجده موجودا في القرآن، ولا في كلام العرب، إلا إذا كان المفعول مصدرا منسبكا من ( أن ) وصلتها، كقوله : لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه [ الأنبياء : آية ١٧ ] لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى [ الزمر : آية ٤ ] لأن الأسلوب الشائع في القرآن هو حذف هذا المفعول، أن يقول :( لو أراد الله لاصطفى ولدا، لو أراد لاتخذ لهوا )، ولكنه هنا أثبت المفعول، وهو مصدر منسبك من ( أن ) وصلتها. ونظيره في إثبات المفعول – وهو مصدر منسبك من ( أن ) وصلتها – قول الشاعر :
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته عليك ولكن ساحة الصبر أوسع
وقوله : ولو شاء الله ( جل وعلا ) لجمعهم جميعا على الهدى ، والهدى هنا بمعناه الخاص ؛ لأنا قدمنا في هذه الدروس – في الكلام على سورة الفاتحة – أن الهدى يطلق في القرآن إطلاقين : يطلق إطلاقا عاما، ويطلق إطلاقا خاصا، أما الهدى بمعناه العام : فهو إبانة الطريق، وإيضاحها، وتوضيح الخير من الشر. ومنه بهذا المعنى في القرآن : وأما ثمود فهديناهم [ فصلت : آية ١٧ ] أي : أوضحنا لهم طريق الخير والشر بينة على لسان نبينا صالح. وليس هذا الهدى ( هدى توفيق )، وإنما هو ( هدى بيان ) فقط بدليل قوله : فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون [ فصلت : آية ١٧ ] فتبين أن قوله : فهديناهم ليس ( هدى توفيق )، وإنما هو ( هدى بيان ) وإيضاح للحق من الباطل، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى في الإنسان : إنا هديناه السبيل [ الإنسان : آية ٣ ] لأن معنى قوله : هديناه السبيل أي بينا له طريق الخير والشر، وأوضحنا له ما يتقى وما يفعل، بدليل قوله بعده : إما شاكرا وإما كفورا [ الإنسان : آية ٣ ] لأنه لو كان ( هدى توفيق ) لما فصله بقوله : وإما كفورا ومن إطلاق الهدى بمعناه الخاص قوله في النبيين الذين ذكرهم في الأنعام : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ الأنعام : آية ٩٠ ] وهو بمعناه الخاص : التوفيق إلى ما يرضي الله.
وإذا علمتم أن للهدى إطلاقين : إطلاقا عاما، وإطلاقا خاصا، وأن إطلاقه العام معناه الهدى بمعنى البيان، والإرشاد، وبيان الحق وإيضاحه، وأن معناه الخاص هو تفضل الله بالتوفيق على عبده، وأن يهديه إلى طريق الخير، كما قال : فمن يرد الله أن يهديه [ الأنعام : آية ١٢٥ ] أي : بهذا الهدى الخاص يشرح صدره للإسلام .
بهذا التفصيل تزول عنكم إشكالات في كتاب الله ؛ لأن الله مثلا قال لنبيه : إنك لا تهدي من أحببت [ القصص : آية ٥٦ ] وقال له في آية أخرى : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ الشورى : آية ٥٢ ] فيقع فيه لطالب العلم أن يقول : كيف قال له : إنك لا تهدي من أحببت [ القصص : آية ٥٦ ] وقال له : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ الشورى : آية ٥٢ ] ؟
والجواب عن الآيتين : هو ما بينا الآن أن للهدى إطلاقا عاما، وإطلاقا خاصا، فالهدى المثبت له في قوله : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ الشورى : آية ٥٢ ] هو الهدى العام، وهو بيان الطريق وإيضاحها. وقد بين صلى الله عليه وسلم الطريق حتى تركها محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما الهدى المنفي عنه في قوله : إنك لا تهدي من أحببت [ القصص : آية ٥٦ ] فهو التفضل بالتوفيق ؛ لأن التوفيق بيد الله وحده ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي الآية [ المائدة : آية ٤١ ]. وقوله : إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل [ النحل : آية ٣٧ ] وفي القراءة الأخرى : فإن الله لا يهدى من يضل أي : من يضله الله لا يهدى، لا هادي له أبدا. إذا عرفتم هذا فقوله : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى [ الأنعام : آية ٣٥ ] يعني به الهدى الخاص والتوفيق، أما الهدى العام فقد بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهداهم، وأرشدهم إلى طريق الخير.
ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : فلا تكونن من الجاهلين [ الأنعام : آية ٣٥ ] والجاهلون : جمع الجاهل، فهو اسم فاعل الجهل، وكلام العلماء في ( الجهل ) وفي تفسيره معروف، أشهر تفسيراته : أن الجهل عدمي، وأن المراد به عدم العلم بما من شأنه أن يعلم.
وهذه الآية وأمثالها في القرآن يخاطب الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ليشرع على لسانه لخلقه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مشرع، يخاطبه الله خطاب السيد لعبده ؛ ليشرع على لسانه لخلقه.
ثم إن الله

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير