ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘ

تفسير المفردات : كبر على فلان الأمر : أي عظم عنده وشق عليه وقعه، والإعراض : التولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه أو احتقارا له، واستطعت الشيء : صار في طوعك منقادا لك باستيفاء الأسباب التي تمكنك من فعله، والابتغاء : طلب كلفه ومشقة من البغي وهو تجاوز الحد ويكون في الخير كابتغاء رضوان الله وهو غاية الكمال، وفي الشر كابتغاء الفتنة وهو غاية الضلال، والنفق : السرب في الأرض، وهو حفرة نافدة لها مدخل ومخرج، والسلم : المرقاة من السلامة، لأنه الذي يسلمك إلى مصعدك، وتذكيره أفصح من تأنيثه، والآية : المعجزة، والجهل هنا : صد العلم، وليس كل جهل عيبا، لأن المخلوق لا يحيط بكل شيء علما، وإنما يذم الإنسان بجهل ما يجب عليه علمه، ثم بجهل ما ينبغي له ويعد كمالا في حقه إذا لم يكن معذورا في جهله.
المعنى الجملي : نزلت هذه السورة في دعوة مشركي مكة إلى الإسلام ومحاجتهم في التوحيد والنبوة والبعث، وكثر فيها حكاية أقوالهم بلفظ ( وقالوا ـ وقالوا ) نحو : وقالوا لولا أنزل عليه ملك [ الأنعام : ٨ ]، وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا [ الأنعام : ٢٩ ] إلى نحو ذلك ـ وتلقين الرسول صلى الله عليه وسلم الرد عليهم مع إقامة الحجة والبرهان بلفظ ( قل ـ قل ) نحو : قل لمن ما في السماوات والأرض [ الأنعام : ١٢ ]، قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض [ الأنعام : ١٤ ].
بعد هذا الحجاج كله : ذكر في هذه الآيات تأثير كفرهم في نفسي النبي صلى الله عليه سلم وحزنه مما يقولون في نبوته وما يراه منهم من الإعراض عن دعوته، وسلاه عن ذلك ببيان سنته سبحانه في الرسل مع أقوامهم، وأن كثيرا منهم كذبوا فصبروا حتى جاءهم النصر المبين، وخذل الله أعداءهم الكافرين.
روى ابن جرير عن السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل التقيا، فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد : أصادق أم كاذب ؟ فإنه ليس ها هنا أحد يسمع كلامك غيري، قال أبو جهل : والله إن محمد لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ فأنزل الله هذه الآية.
الإيضاح : وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية من الآيات التي اقترحوها عليك ليؤمنوا فأتهم بها.
ذاك أنهم يقترحون الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم وكان يتمنى لو آتاه الله بعض ما طلبوا حرصا على هدايتهم، وأسفا وحزنا على إصرارهم على غوايتهم، لكن الله يعلم أن أولئك المقترحين الجاحدين لا يؤمنون وإن رأوا من الآيات ما يطلبون وفوق ما يطلبون.
والخلاصة : وإن كان إتيانك بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم ويكشف شبهتهم فيؤمنون عن بينة وبرهان، فإن استطعت أن تبتغي لنفسك نفقا تطلبه في الأرض فتذهب في أعماقها، أو سلما في جو السماء ترقى فيها إلى ما فوقها، فتأتيهم بآية مما اقترحوا عليك، فأت بما يدخل طوع قدرتك من ذلك، كتفجير ينبوع لهم من الأرض أو تنزيل كتاب تحمله من السماء وقد كانوا طلبوا ذلك كما حكى الله عنهم بقوله : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [ الإسراء : ٩٠ ] إلى قوله : أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه [ الإسراء : ٩٣ ] وقد أمره الله أن يجيبهم عن ذلك بقوله عقب هذا : قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [ الإسراء : ٩٣ ] أي وليس ذلك في قدرة البشر وإن كان رسولا فالرسل لا يقدرون على شيء مما يعجز عنه البشر ولا يستطيع إيجاده غير الخالق.
وخلاصة ذلك : إنك لن تستطيع الإتيان بشيء من تلك الآيات ولا ابتغاء السبل إليها في الأرض ولا في السماء، ولا اقتضت مشيئة ربك أن يؤتيك ذلك، لعلمه أنه لن يكون سببا لما تحبه من هدايتهم.
ثم أكد عدم إيمانهم فقال :
ولو شاء الله لجمعناهم على الهدى أي ولو شاء الله تعالى جمعهم على ما جئت به من الهدى لجمعهم عليه، إما بأن يجعل الإيمان ضروريا لهم كالملائكة، وإما بأن يخلقهم على استعداد واحد للحق والخير لا متفاوتي الاستعداد مختلفي الاختيار باختلاف العلوم والأفكار والأخلاق والعادات، ولكنه شاء أن يجعلهم على ما هم عليه من الاختلاف والتفاوت وما يترتب على ذلك من أسباب الاختيار.
فلا تكونن من الجاهلين أي إذا عرفت سننه تعالى في خلق الإنسان وأنه لا تبديل لخلق الله، فلا تكونن من الجاهلين لسننه في ذلك، فتتمنى ما تراه حسنا نافعا وإن كان حصوله ممتنعا لكونه مخالفا لتلك السنن التي اقتضتها الحكمة الإلهية.
وخلاصة ذلك : لا تكونن بالحرص على إسلامهم والميل إلى الإتيان بمقترحاتهم من الجاهلين بدقائق شؤونه تعالى في خلقه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير