قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ٣٣ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين ٣٤ وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين٣٥ .
لا ننسى أن هذه السورة نزلت في دعوة مشركي مكة إلى الإسلام ومحاجتهم في التوحيد والنبوة والبعث، وأنها تكثر فيها حكاية أقوالهم في ذلك بلفظ ( وقالوا.. وقالوا.. ) وتلقين الرسول صلى الله عليه وسلم الحجج بلفظ ( قل.. قل.. ) حتى إن الأمر بالقول تكرر فيها عشرات من المرار. وقد سبق في الآيات التي فسرناها منها قوله تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ... وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا.. وأمره تعالى بالرد على كل من القولين وإقامة الحجج عليهم في موضوعهما بما فيه بيان فقد بعضهم الاستعداد للإيمان – بعد هذا كله ذكر في هذه الآيات تأثير كفرهم في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وحزنه مما يقولون في نبوته، وسلاه عن ذلك ببيان سنته سبحانه وتعالى في الرسل مع أقوامهم، وإيئاسه من إيمان الجاحدين المعاندين منهم – وقد تكرر هذا المعنى في السور المكية –
وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بأية مما اقترحوه عليك من الآيات ليؤمنوا فافعل أو فأتهم بها. يقال كبر على فلان الأمر أي عظم عنده وشق عليه وقعه. والإعراض التولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه أو احتقارا له، وهو من إبداء المرء عرضه عند توليه عن الشيء واستدباره له، واستطعت الشيء : صار في طوعك منقادا لك باستيفاء الأسباب التي تمكنك من فعله، والابتغاء طلب ما في طلبه كلفة ومشقة أو تجاوز للمعتاد أو للاعتدال، أو طلب غايات الأمور وأعاليها، لأنه افتعال من البغي وهو تجاوز الحد في الطلب أو الحق. ويكون في الخير كابتغاء رضوان الله وهو غاية الكمال، وفي الشر كابتغاء الفتنة وهو غاية الضلال ؛ والنفق السرب في الأرض، وهو حفرة نافذة لها مدخل ومخرج، كنافقاء اليربوع وهو جحره يجعل له منافذ يهرب من بعضها إذا دخل عليه من غيره ما يخافه، والسلم المرقاة مشتق من السلامة، قال الزجاج لأنه الذي يسلمك إلى مصعدك. وتذكيره أفصح من تأنيثه وإنما يؤنث بمعنى الآلة. وأتى بكان فعلا للشرط ليبقى الشرط على المضيّ ولا ينقلب مستقبلا كما قالوا، فإن « إن » لا تقلب « كان » مستقبلا لقوة دلالته على المضي. والنحوي يؤول مثل هذا التركيب بنحو : وإن تبين وظهر أنه كبر عليك إعراضهم. وجواب الشرط محذوف للعلم به تقديره فافعل كما تقدم.
تقدم في أوائل السورة أنهم كانوا يقترحون الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه كان يتمنى لو آتاه الله بعض ما طلبوا حرصا على هدايتهم، وأسفا وحزنا على إصرارهم على غوايتهم، وتألما من كفرهم وأذيتهم، ولكن الله تعالى يعلم أن أولئك المقترحين الجاحدين لا يؤمنون، وإن رأوا من الآيات ما يطلبون وفوق ما يطلبون، كما تقدم شرحه في تفسير أوائل السورة ( راجع تفسير الآية السابعة وما بعدها ) وقد أراد تعالى أن يؤكد لرسوله ما يجب من الصبر على تكذيب المشركين وأذاهم الدال عليه ما قبله، وأن يريح قلبه الرؤوف الرحيم من إجابتهم إلى ما اقترحوا من الآيات لما تقدم من حكمة ذلك، فقال له : وإن كان شأنك معهم أنه كبر عليك إعراضهم عن الإيمان وعن الآيات القرآنية والعقلية الدالة عليه ومنها ما سبق في هذه السورة وظننت أن إتيانهم بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم، ويكشف شبهتهم، فيعتصمون بعروة الإيمان، عن بينة ملزمة وبرهان، - فإن استطعت أن تبتغي لنفسك نفقا كائنا في الأرض – أو معناه تطلبه في الأرض – فتذهب في أعماقها، أو سلما في جو السماء ترقى عليه إلى ما فوقها، فتأتيهم بآية مما اقترحوه عليك منهما، فأت بما يدخل في طوع قدرتك من ذلك، كتفجير ينبوع لهم من الأرض، أو تنزيل كتاب تحمله لهم من السماء وقد كانوا طلبوا أحد النوعين كما حكاه الله تعالى عنهم بقوله في سورة الإسراء : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا – إلى قوله – أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه [ الإسراء : ٩٠ ] وقد أمره الله تعالى أن يجيب عن ذلك بقوله عقب هذا : قل سبحان ربي ! هل كنت إلا بشرا رسولا ؟ أي وليس ذلك في قدرة البشر وإن كان رسولا، لأن الرسالة لا تخرج الرسول عن طور البشر في صفاتهم البشرية كالقدرة والاستطاعة، فهم لا يستطيعون إيجاد شيء مما يعجز عنه البشر ولا يقدر عليه غير الخالق تعالى. والمراد من هذه الآية أنك لا تستطيع أيها الرسول الإتيان بشيء من تلك الآيات، ولا ابتغاء السبل إليها في الأرض ولا في السماء، ولا اقتضت مشيئة ربك أن يؤتيك ذلك لعلمه بأنه لا يكون سببا لما تحب من هدايتهم، ولأن من سنته أن يترتب على الجحود بعده إنزال العذاب عليهم، - وتقدم بيان هذا في تفسير الآيتين السابعة والثامنة من هذه السورة-.
ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ( ٣٥ ) أي ولو شاء الله تعالى جمعهم على ما جئت به من الهدى لجمعهم عليه بجعل الإيمان ضروريا لهم كالملائكة، أو بخلقهم على استعداد واحد للخير والحق فقط، لا متفاوتي الاستعداد مختلفي الاختيار، باختلاف العلوم والأفكار والأخلاق والعادات، كما اقتضته حكمته في خلق الناس، ولكنه شاء أن يخلق البشر على ما هم عليه من الاختلاف والتفاوت في الاستعداد، وما يترتب عليه من اختلاف أسباب الاختيار ؛ - فإذا عرفت سنته هذه في خلق هذا النوع، وأنه لا تبديل لخلق الله، فلا تكونن من القوم الجاهلين بسنن الله تعالى في خلقه، الذين يتمنون ما يرونه حسنا ونافعا، وإن كان حصوله ممتنعا، لكونه مخالفا لتلك السنن التي اقتضتها الحكمة الإلهية.
فالجهل هنا ضد العلم لا ضد الحلم، وليس كل جهل بهذا المعنى عيبا، لأن المخلوق لا يحيط بكل شيء علما، وإنما يذم الإنسان بجهل ما يجب عليه، ثم يجهل ما ينبغي له ويعد كمالا في حقه، إذا لم يكن معذورا في جهله. قال تعالى في الفقراء المتعففين : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف [ البقرة : ٢٧٣ ] فوصف الجاهل هنا غير ذم، وكان عدم علم خاتم الرسل بالكتابة من أركان آياته، وعدم علمه بالشعر من أدلة الوحي وبيناته، وكل ما يتوقف علمه على الوحي الإلهي لا يكون جهل الرسول إياه قبل نزوله عليه عيبا يذم به، إذ لا يذم الإنسان إلا بما يقصر في تحصيله وكسبه. وقد أمر الله تعالى رسوله بأن يسأله زيادة العلم، وكان يزيده كل يوم علما وكمالا بتنزيل القرآن وبفهمه، وبغير ذلك من العلم والحكمة، ولا يقتضي ذلك الذم قبل هذه الزيادة، وإنما الذي يذم مطلقا هو الجهل المرادف للسفه وهو ضد الحلم.
ويشبه ما هنا قوله تعالى لنوح حين طلب نجاة ابنه الكافر بناء على أنه من أهله الذين وعده الله بإنجائهم معه يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين [ هود : ٤٦ ] أي بإدخال ولدك الكافر في عموم أهلك المؤمنين، وإنما اقترن النهي هنا بالوعظ لأن عاطفة الرحمة الوالدية حملته على سؤال ما ليس له به علم اعتمادا على استنباط اجتهادي غير صحيح، ورحمة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم كانت أعم وأشمل، وغاية ما تشير إليه الآية أنه تمنى ولكنه لم يسأل، ولو سأل لسأل آية يهتدي بها الضال من قومه، لا نجاة الكافر من أهله، فاكتفي في إرشاده بالنهي، وحسن في إرشاد نوح التصريح بالوعظ.
تفسير المنار
رشيد رضا