ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ

يقول الله جل وعلا : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشياطين ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين [ الأنعام : الآيات ٤٢ *** ٤٥ ].
٤٢ *** يقول الله ( جل وعلا ) لنبيه : لست أول نبي كذبه قومه، فقد أرسلنا قبلك رسلا كراما، وجاؤوا بالبينات والمعجزات الواضحات، فكذبهم أممهم كما كذبتك أمتك. وكل هذا من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم.
واللام في ( لقد ) توطئة لقسم محذوف ( والله لقد أرسلنا ) وصيغة الجمع في أرسلنا للتعظيم.
وفي هذه الآية الكريمة حذفان، كلاهما دل المقام عليه :
الحذف الأول : حذف المفعول به، وتقديره :( ولقد أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك ) فحذف المفعول لدلالة المقام عليه، وحذف الفضلة إذ دل المقام عليها سائغ مطرد.
الحذف الثاني الذي دل المقام عليه : وهو حذف ( الفاء ) وما عطفت.
وحذف ( الفاء ) وما عطفت إن دل المقام عليه : فهو مطرد في لغة العرب، كثير في القرآن، أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله :
والفاء قد تحذف مع ما عطفت ***............................
وتقديره هنا : ولقد أرسلنا أي :( أرسلنا رسلا ) إلى أمم من قبلك فكذبت تلك الأمم فأخذناهم بالبأساء والضراء ابتلاء لما كذبوا. هذان الحذفان.
والأمم هنا : جمع أمة. والمعروف عند علماء العربية : أن لفظ ( الأمة ) أطلق في القرآن العظيم أربعة إطلاقات مشهورة، ولو قيل إن هنالك إطلاقا خامسا لكان غير بعيد.
أما إطلاقات لفظ ( الأمة ) في اللغة العربية وفي القرآن فمن أشهرها(١) :
إطلاق ( الأمة ) على الطائفة المتفقة في الدين. أي : في نحلة كائنة ما كانت. وهذا أكثر إطلاقاتها وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [ فاطر : آية ٢٤ ] ولكل أمة رسول [ يونس : آية ٤٧ ] ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار [ الأعراف : آية ٣٨ ].
الإطلاق الثاني : إطلاق ( الأمة ) على الرجل العظيم المقتدى به، وقد أطلق الله ( الأمة ) بهذا المعنى على نبيه إبراهيم في قوله : إن إبراهيم كان أمة [ النحل : آية ١٢٠ ].
الإطلاق الثالث : إطلاق الأمة على البرهة والقطعة من الزمن، ومنه بهذا المعنى : وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة [ يوسف : آية ٤٥ ] أي : تذكر بعد برهة من الزمان، ومن هذا الإطلاق قوله تعالى في أول سورة هود : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة [ هود : آية ٨ ] أي : إلى برهة معينة في علمنا من الزمن.
الإطلاق الرابع : إطلاق الأمة على الشريعة، والدين، والملة.
العرب تقول : " هذه أمتنا ". أي : ديننا، وشريعتنا، وملتنا. ومنه بهذا المعنى : وإن هذه أمتكم أمة واحدة [ المؤمنون : آية ٥٢ ] أي : شريعتكم، وطريقتكم، ودينكم.
ومنه بهذا المعنى : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ءاباءنا على أمة [ الزخرف : آية ٢٣ ] أي : على شرع، وملة، ودين. ومنه بهذا المعنى قول نابغة ذبيان :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *** وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع ؟
يعني : أن صاحب الدين والشرع لا يأثم ويخالف دينه وشرعه وهو طائع.
والإطلاق الخامس : الذي قلنا إنه لو زاده إنسان لكان غير بعيد *** هو ما جاء في الآية الماضية بالأمس من إطلاق ( الأمة ) على الجنس من الحيوانات والطيور، كما قال تعالى : ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم [ الأنعام : آية ٣٨ ] فقد أطلق تعالى على كل نوع من أجناس الدواب والطيور اسم ( الأمة ).
وقوله هنا : ولقد أرسلنا إلى أمم [ الأنعام : آية ٤٢ ] هذه الأمم هي أمم بني آدم، كما جاء مفصلا في بعض الآيات : أرسل نوحا إلى قومه، وبين لنا ما قابلوه به، وكذلك فصل لنا سير جماعة منهم، كقضية نوح مع قومه، وهود مع قومه، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى وهارون مع فرعون، ونحو ذلك مما بينه القرآن.
ولقد أرسلنا أي : أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك أي : من الناس الذين مضوا من قبلك، في الزمن الماضي، يعني : فكذبوا رسلهم ؛ لأن الله ما أرسل رسولا إلى قوم إلا كذبوه وأهلكهم الله، ولم يستثن من هذا أمة إلا أمة يونس، كما سيأتي في قوله : فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [ يونس : آية ٩٨ ] أما غيرهم من الأمم فكل أمة تكذب رسولها فيهلكها الله، كما قال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون : ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون [ المؤمنون : آية ٤٤ ].
وقال هنا : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء [ الأنعام : آية ٤٢ ] أصل ( الأخذ ) في لغة العرب : هو التناول بقوة وشدة.
فكل ما تناولته بقوة وشدة فقد أخذته. وأخذ الله عظيم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ( رضي اله عنه )، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم تلا قوله تعالى : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [ هود : آية ١٠٢ ] و البأساء والضراء في هذه الآية : فأخذناهم بالبأساء والضراء كلاهما مصدر أنث بألف التأنيث الممدودة تأنيثا لفظيا، وأكثر العلماء على أن ( البأساء ) : هي ما كان من جهة الفقر، والفاقة، والجوع، وضياع الأموال. وأن ( الضراء ) : هي ما كان من قبيل أمراض الجسوم وآلامها، وما يقع فيها. والمعنى : أنا ابتليناهم بالضر في أموالهم وفي أبدانهم فأفقرناهم، وأعدمنا أموالهم، حتى صاروا في جوع، وفي فقر، وفي فاقة، اختبرناهم بهذا لينيبوا إلى الله، ويبتهلوا إليه، فلم ينفع فيهم هذا الاختبار بالشر، فلما لم ينجح فيهم هذا الاختبار بالشر ابتليناهم بالخير، وبدلنا عنهم السيئة بالحسنة، فجعلنا لهم مكان المرض صحة وعافية، ومكان الفقر غنى، ومكان الجوع شبعا، فلم ينفع فيهم هذا أيضا. والله ( جل وعلا ) يبتلي خلقه بالشر والخير ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون [ الأنبياء : آية ٣٥ ] وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون [ الأعراف : آية ١٦٨ ].
وهذه الآية الكريمة – من سورة الأنعام – بينت أن الله إذا أرسل رسولا إلى قوم ابتلاهم أولا بالشدائد، فسلط عليهم الفقر، والجوع، والفاقة، فإذا لم ينفع فيهم هذا أزال عنهم ذلك، وأغناهم، وصححهم، وأغدق عليهم نعم الدنيا، حتى يهلكهم وهم في غفلة، في أشد وقت غفلة وبطرا – والعياذ بالله – وقد صرح تعالى في سورة الأعراف أن هذا النوع من الابتلاء – المبدوء بالابتلاء بالشر ثم الابتلاء بالخير – عام في جميع الأمم التي أرسلت إليها الرسل، وهنا – في الأنعام – لم يأت بصيغة عامة، وإنما قال : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك [ الأنعام : آية ٤٢ ] وقوله : أمم جمع منكر. والتحقيق : أن الجموع المنكرة إذا كانت في سياق الإثبات ليست من صيغ العموم، [ ومن ] زعم من علماء الأصول : " أن الجمع المنكر من صيغ العموم " فهو قول مردود، كما هو معروف في الأصول، أما في الأعراف فقد بين أن هذه السنة من سنن الله، أنها عاملة حيث قال : وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة [ الأعراف : الآيتان ٩٤، ٩٥ ] يعني : بدلنا مكان الجوع شبعا، ومكان الفقر غنى، ومكان المرض صحة وعافية ؛ حتى عفوا وقالوا قد مس ءاباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون هذه سنة الله في خلقه، ذكرها هنا في الأنعام، وبين الشمول والعموم في الأعراف.
ومعنى الآية الكريمة : فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ( التضرع ) : التذلل والخضوع لله، وكثيرا ما يظهر أثر ذلك في الدعاء بأن يبتهل ذلك الذليل الخائف من الله يبتهل متضرعا يناجي ربه ( جل وعلا ). و ( الضارع ) : هو الذليل الخائف، و ( الضراعة ) : الذل والخوف، وهو معنى معروف في كلام العرب، مشهور في كلامهم، ومنه قول الشاعر :
ليبك يزيد ضارع لخصومة ***..............................
أي :( ذليل ) يبكيه ذليل ؛ لأنه ملجأ له.
وفي هذه الآية سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم : المعروف في لغة العرب، أن حرف ( لعل ) أنه للترجي والتوقع، والله عالم محيط علمه بعواقب الأمور، فكيف يصرح بلفظ هو يدل على الترجي والتوقع، وكيف يصح في كلام الله الترجي والتوقع، وهو القادر على كل شيء، المحيط علمه بعواقب الأمور ؟ هذا وجه السؤال.
وللعلماء عن هذا جوابان :
أحدهما : أن ( لعل ) هنا للتعليل. والمعنى : أخذناهم بالبأساء والضراء لأجل أن يتضرعوا. ولا شك أن ( لعل ) أنها من حروف التعليل. وقد سمع في لغة العرب من كلام العرب الفصحاء التعليل ب ( لعل ). ومن إتيان " لعل " للتعليل في كلام العرب قول الشاعر :
فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا *** نكف ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم *** كشبه سراب بالملا متألق
فقوله : " كفوا الحروب لعلنا نكف " يعني : كفوا الحروب لأجل أن نكف عنكم.
ومن هنا قال بعض العلماء : كل ( لعل ) في القرآن فهي للتعليل، إلا التي في سورة الشعراء وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون [ الشعراء : آية ١٢٩ ] قالوا بمعنى : كأنكم تخلدون.
الوجه الثاني : أن ( لعل ) على بابها من أنها للترجي والتوقع، إلا أن معنى الترجي والتوقع فيها هو بحسب ما يظهر للناس، أما الله ( جل وعلا ) فهو عالم بما كان وما يكون. ومما يؤيد هذا : أن الله عالم في أزله بأن فرعون شقي يموت كافرا – والعياذ بالله – وهو يقول لموسى وهارون : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [ طه : آية ٤٤ ] على ترجيكما وتوقعكما بحسب ما يظهر لكما. أما عاقبة الأمر وما يؤول إليه فهي عند الله جل وعلا.
وهذا معنى قوله : فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون [ الأنعام : آية ٤٢ ] لأجل أن يتضرعوا. أي : لترجي تضرعهم بحسب ما يظهر للناس الجاهلين بعواقب الأمور.

١ انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص (٤٤٥)، نزهة الأعين النواظر ص (١٤٢)، إصلاح الوجوه والنظائر ص (٤٢)..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير