ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ

هذه هي الموجة التالية في افتتاح السورة ؛ بعد الموجة الأولى ذات اللمسات العريضة.. الموجة التي غمرت الكون كله بحقيقة الوجود الإلهي متجلية في خلق السماوات والأرض، منشئة للظلمات والنور ؛ ثم في خلق الإنسان من مادة هذه الأرض ؛ وتقدير أجله الذي ينتهي بالموت ؛ والاحتفاظ بسر الأجل الآخر المضروب للبعث ؛ والإحاطة بسر الناس وجهرهم، وما يكسبون في السر والجهر..
هذا الوجود الإلهي الذي يتجلى في الآفاق والأنفس، هو وجود متفرد متوحد ؛ ليس مثله وجود ؛ لأنه ما من خالق غير الله ؛ كما أنه وجود غامر باهر قاهر يبدو التكذيب في ظله والإعراض عن هذه الآيات الهائلة، منكرا قبيحا، لا سند له، ولا عذر لصاحبه..
ومن ثم يعرض السياق موقف المشركين الذين يعارضون الدعوة الإسلامية في ظل هذا الوجود الغامر الباهر القاهر ؛ فيبدو هذا الموقف منكرا قبيحا، حتى في حس أصحابه الذين يواجههم هذا القرآن بهذه الحقيقة ! ويكسب القرآن المعركة في الجولة الأولى. يكسبها في أعماق فطرة الناس، على الرغم من مكابرتهم ومن عنادهم الظاهرين !
وهو يعرض في هذه الموجة صورة العناد والمكابرة ؛ ويواجهها بالتهديد مرة ؛ وبتوجيه القلوب إلى مصارع المكذبين من قبل مرة ؛ ويحشد فيها عدة مؤثرات وموحيات. بعد الهزة الأولى التي مضت بها تلك الموجة العريضة :
وحين يكون الأمر كذلك. حين يكون الإعراض متعمدا ومقصودا - مع توافر الأدلة، وتواتر الآيات ووضوح الحقائق - فإن التهديد بالبطش قد يحدث الهزة التي تفتح نوافذ الفطرة حين تسقط عنها حاجز الكبر والعناد :
( فقد كذبوا بالحق لما جاءهم. فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون )..
إنه الحق هذا الذي جاءهم من لدن خالق السماوات والأرض، وجاعل الظلمات والنور، وخالق الإنسان من طين، والإله في السماوات وفي الأرض الذي يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما يكسبون.. إنه الحق وقد كذبوا به، مصرين على التكذيب، معرضين عن الآيات، مستهزئين بالدعوة إلى الإيمان.. فليرتقبوا إذن أن يأتيهم الخبر اليقين عما كانوا به يستهزئون !
ويتركهم أمام هذا التهديد المجمل، الذي لا يعرفون نوعه ولا موعده.. يتركهم يتوقعون في كل لحظة أن تأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ! حيث يتكشف لهم الحق أمام العذاب المرتقب المجهول !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير