ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ) أي إنه تعالى هو المتصف بهذه الصفات المعروفة المعترف له بها فى السموات والأرض، ونظير هذا أن تقول إن حاتما هو حاتم فى طيىء وفى جميع القبائل، أي هو المعروف بالجود المشهور به فى قومه وفى غيرهم.
(يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) هذا تقرير وتوكيد لما قبله، لأن الذي يستوى فى علمه السر والعلانية هو الله وحده.
(وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ) من الخير والشر فيحصى ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤ الى ٦]
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦)
تفسير المفردات
الآيات هنا: آيات القرآن المرشدة إلى آيات الأكوان والمثبتة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والإعراض: التولي عن الشيء، والحق: هو دين الله الذي جاءهم به خاتم رسله من عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، والأنباء: ما فى القرآن من وعد بنصر الله لرسله وإظهار لدينه. ووعيد لأعدائه بخذلانهم فى الدنيا وعذابهم فى الآخرة، والقرن من الناس: القوم المقترنون فى زمن واحد وجمعه قرون، وقد جاء فى القرآن مفردا وجمعا

صفحة رقم 73

ومكنه فى الأرض أو فى الشيء: جعله متمكنا من التصرف فيه، ومكن له: أعطاه أسباب التمكن فى الأرض كقوله: «وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ» وقوله: «أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً؟» والسماء: المطر والمدرار: الغزير.
المعنى الجملي
بعد أن أرشد سبحانه فى الآيات السالفة إلى دلائل وحدانيته، ودل على أنها مع ظهورها لم تمنع الكافرين من الشك، وإلى دلائل البعث، وأنها على شدة وضوخها لم تمنع المشركين من الشك والريب، وإلى أن الله المتصف بتلك الصفات التي تعرفونها هو الله المحيط علمه بما فى السموات والأرض فلا ينبغى أن يشرك به غيره فيهما، ولكن المشركين جهلوا ذلك وجوّزوا أن يكون غير الرب إلها، بل عبدوا معه آلهة أخرى.
ذكر هنا سبب عدم اهتدائهم بالوحى، وأنذرهم عاقبة التكذيب بالحق ولفت أنظارهم إلى ما حلّ بالأمم قبلهم حين كذبوا رسلهم لعلهم يرعوون عن غيهم ويثوبون إلى رشدهم.
الإيضاح
(وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) أي وما تنزل عليهم آية من آيات القرآن التي من جملتها تلك الآيات الناطقة بتفصيل بدائع صنع الله المنبعثة بجريان أحكام ألوهيته على جميع الكائنات- إلا أعرضوا عنها استهزاء وتكذيبا غير متدبرين معناها، ولا ناظرين فى دلالتها.
ولما بين سبحانه أن شأنهم الإعراض عن الآيات المنزلة رتّب عليه قوله:
(فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ) أي فبسبب ذلك الإعراض العام عن النظر فى الآيات كذبوا بالحق الذي جاءهم حين جاءهم ولم يترّيثوا ولم يتأملوا، لأنهم سدوا على أنفسهم مسالك العلم.

صفحة رقم 74

وهذا الحق الذي كذبوا به هو الدين الذي جاء به خاتم أنبيائه بما اشتمل عليه من آداب وأخلاق وعبادات ومعاملات، إلى نحو أولئك مما فيه سعادة البشر فى دنياهم وآخرتهم.
ثم هددهم وتوعدهم على تكذيبهم فقال:
(فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) النبأ: الخبر العظيم أي فستكون عاقبة التكذيب أن تحلّ بهم العقوبات العاجلة التي نطقت بها الآيات وعيدا لهم من القتل والسبي والجلاء عن البلاد ووعدا لرسوله من النصر له وإظهار دينه على الدين كله.
وقد أتاهم ذلك فكان منه ما نزل بهم من القحط، ومن الخذلان يوم بدر، ثم تم ذلك يوم الفتح.
وبعد أن توعدهم سبحانه بنزول العذاب بهم بيّن أن هذا مما جرت به سنته فى المكذبين قبلهم فقال:
(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ؟) أي ألم يعلم هؤلاء الكفار المكذبون بالحق أنا أهلكنا كثيرا من الأقوام الذين كذبوا الرسل قبلهم بعد أن أعطيناهم من التمكين والاستقلال فى الأرض وأسباب التصرف فيها ما لم نعطهم مثله، ثم لم تكن تلك النعم بمانعة لهم من عذابنا لما استحقوه بذنوبهم وعتوهم واستكبارهم.
وذكر بعد هذا ما امتازت به تلك القرون عن كفار قريش من النعم الإلهية التي اقتضتها طبيعة بلادهم وخصب تربتها فقال:
(وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً، وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ) الإرسال تارة يكون ببعث من له اختيار كإرسال الرسل، وتارة بالتسخير كإرسال الريح والمطر، وتارة بترك المنع نحو «أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ» أي وسخرنا لهم الأمطار الغزيرة التي تكوّن الأنهار المترعة بالمياه، وهديناهم إلى الاستمتاع بها بجعلها تجرى دائما تحت مساكنهم التي يبنونها على ضفافها، أو فى الجنات والحدائق التي تتفجر خلالها

صفحة رقم 75

فيتمتعون بالنظر إلى جمالها واستنبات الأشجار والثمار التي يأكلونها، ويولدون النّعم والماشية التي تتغذى من مراعيها.
والخلاصة- إنهم أوتوا من البسطة فى الأجسام، والامتداد فى الأعمال، والسعة فى الأموال، والاستمتاع بلذات الدنيا ما لم يؤته أهل مكة، ولكن ذلك لم يغن عنهم شيئا فكفروا بأنعم الله ولم يؤمنوا بما جاءهم به أنبياؤهم، بل كذبوهم فاستحقوا العقاب وإلى ذلك أشار بقوله:
(فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) أي فكان عاقبة أمرهم أن أهلكنا كل قرن منهم بسبب ذنوبهم التي كانوا يجترحونها، وأوجدنا من كل منهم قرنا آخر يعمرون البلاد ويكونون أجدر بشكران النعمة.
والذنوب التي تدعو إلى الهلاك ضربان:
(١) معاندة الرسل والاستكبار والعتوّ والتكذيب.
(٢) كفران النعم بالبطر وغمط الحق وظلم الضعفاء ومحاباة الأقوياء والإسراف فى الفسق والفجور والغرور بالغنى والثروة، كما جاء فى قوله: «وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ. وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ».
وفى هذه الآية رد على كفار مكة وهدم لغرورهم بقوتهم وثروتهم بإزاء ضعف أصحاب النبي ﷺ وفقرهم كما حكى الله عنهم فى قوله: «وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ».
وهؤلاء القوم الذين يخلفون من نزل بهم عذاب الله لا بد أن يخلفوا عنهم فى صفاتهم وإن كانوا من أبناء جنسهم، فالعبر والحوادث واختلاف الزمن لها تأثير

صفحة رقم 76

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية