ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

وأنذر به الذين يخافون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأصح الأقوال في مرجع الضمير : أنه راجع للقرآن المعبر عنه بقوله : إن أتبع إلا ما يوحى إلي وأنذر به أنذر بما يوحى إليك – الذي لا تتبع إلا إياه – أنذر به الذين يخافون.
وفي الآية هنا سؤال، وهو : لم قصر الإنذار على الذين يخافون أن يحشروا في حال كونهم متجردين من الأولياء والشفعاء من دون الله، مع أن القرآن إنذار للأسود والأحمر تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين عن بكرة أبيهم نذيرا [ الفرقان : آية ١ ] وكقوله : أن انذر الناس [ يونس : آية ٢ ] لم خص هنا الذين يخافون ؟.
أجاب بعض العلماء عن هذا السؤال : بأن من أساليب القرآن العظيم، واللغة العربية، أن يقصر الفعل على الذين ينتفعون به ؛ لأن غير المنتفع به هو في شأنه كلا شيء. ونظير الآية من القرآن : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ ق : آية ٤٥ ] مع أنه تذكير للأسود والأحمر إنما تنذر من اتبع الذكر [ يس : آية ١١ ] وهو منذر للأسود والأحمر إنما تنذر الذين يخشون [ فاطر : آية ١٨ ] وهو منذر للأسود والأحمر. أي : بأنهم هم المنتفعون.
ومعنى : وأنذر به أعلمهم بما عند الله في الأوامر والنواهي، مقترنا ذلك الإعلام بالتهديد والتخويف من خالق السماوات والأرض إن لم يمتثلوا أمره ويجتنبوا نهيه.
وقوله : يخافون هو معنى الخوف على بابه. يخافون أن يحشروا إلى ربهم مادة ( خاف ) تتعدى بنفسها، وتتعدى بالحرف. وهي هنا متعدية بنفسها، والمصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في قوله : أن يحشروا في محل نصب معمول به للخوف. والمعنى : يخافون الحشر إلى ربهم. والحشر معناه : جمع الناس.
وقوله : ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع هذه الجملة الفعلية المصدرة بهذا الفعل الناقص هي في محل الحال. وهذه الحال هي التي ينصب عليها الخوف. أي : يخافون حشر الناس في حال كونهم ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع.
ومعنى : ولي ولا شفيع الوالي في لغة العرب : هو كل من ينعقد بينك وبينه سبب يجعلك تواليه ويواليك ؛ ولذا كان كل قريب للرجل من عصبته يسمى ( وليا )، وكل صديق حميم يسمى ( وليا ) ؛ ولهذا كان الله ولي المؤمنين، والمؤمنون المتقون أولياء الله ؛ لأن الإيمان سبب منعقد بين العبد وربه، يكون بسببه الله يوالي العبد بالإحسان والرحمة والجزاء، والعبد يوالي الله بالطاعات ونحو ذلك. والمعنى : ليس لهم من دونه يحشرون في حال كونهم وقت ذلك الحشر ليس لهم ولي أحد بينهم وبينه سبب يجعله يواليهم فيكون وليا لهم يمنعهم مما أراد الله أن يفعل بهم إذا عصوه.
وقوله : من ولي ولا شفيع ( الشفيع ) في لغة العرب : فعيل بمعنى فاعل. أصله :( شافع ). وأصل ( الشفاعة ) مشتقة من ( الشفع )، و ( الشفع ) ضد الوتر، وإنما قيل للشفيع :( شفيع ) لأن صاحب الحاجة كان فردا في حاجته فلما جاء إلى من يشفع له شفعة فصار اثنين في حاجته، ومنها قيل له :( شفيع ) ؛ لأنه من ( الشفع ).
والشفاعة في الاصطلاح : هي التوسط للغير في جلب [ نفع ] أو دفع ضر، وهو على قسمين : شفاعة في الدنيا وشفاعة في الآخرة، أما شفاعة الدنيا فهي قد تكون عند الملوك، وعند غيرهم من العظماء، وهي نوعان : إذا كان الإنسان يشفع لينقذ مظلوما، أو يحقق حقا، أو يبطل باطلا، أو يوصل إنسانا إلى حقه الممنوع منه فهذه الشفاعة طيبة، صاحبها مأجور عليها، وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء ". وتارة تكون الشفاعة هي التوسط في أمر خبيث لا يجوز، كأن يتوسط رجل لرجل في امرأة لتمكنه من نفسها، أو يتوسط له عند سلطان لينزع حق رجل آخر، وما جرى مجرى ذلك من الشفاعة، أو يشفع ليسقط حدا من حدود الله. وهذه الشفاعة خبيثة، قبيحة، صاحبها يؤزر عليها، وهي من عظائم الذنوب، وقد أشار الله إلى هذا التفصيل في سورة النساء في قوله : من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها [ النساء : آية ٨٥ ].
أما الشفاعة في الآخرة فكلها لله جل وعلا قل لله الشفاعة جميعا [ الزمر : آية ٤٤ ] لا شافع ذلك اليوم إلا بإذن الله.
والشفاعة يوم القيامة قسمان : شفاعة باطلة مردودة، وهي التي كان يفهمها الكفار، وهي من أنواع الكفر بالله، وهي : ادعاء الكفار أن الأصنام تشفع لهم بلا إذن من الله ( جل وعلا )، إذ من المعلوم أن الأوثان لا تشفع بإذن الله كما قال : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله [ يونس : آية ١٨ ] وهذا النوع من الشفاعة سماه الله في سورة يونس :( شركا ) حيث قال : ويقولن هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون وهذا النوع إنما سماه الله ( شركا ) – وله المثل الأعلى – لأن فيه نوعان من القدح في عظمة الربوبية. وضرب العلماء لهذا مثلا قالوا : ولله المثل الأعلى – ترى أكبر جبار طاغ في الدنيا يتقطع غيظا على مجرم، ونيته أنه يقطع ذلك المجرم ويقع في قبضته، ونيته أن ينكله أعظم نكال، فيأتي واحد من عظماء دولته – رجل له عظمة وجاه، وله شعبية عظيمة – ويتجرأ على ذلك الملك رغم أنفه، ويقول له : بارك الله فيك شفعني في هذا المجرم ! ! فينظر ذلك الملك، يقول : إذا رددت شفاعة هذا العظيم قد يكون ضدا علي، وحربا علي، فقد يأتيني بغائلة ! ! فيخاف المسكين، ويضطر إلى أن يشفعه رغم أنفه. فخالق السماوات والأرض لا يقدر أحد أن يدل عليه بعظمة ولا جاه، ولا يخاف من أحد أن يدبر عليه شيئا ؛ ولذا يقول مخاطبا لخلقه : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [ البقرة : آية ٢٥٥ ] الجواب : لا أحد يمكن أن يتجاسر على ذلك أبدا ؛ لأن هذا ملك الملوك الذي لا يخاف من أحد، ولا يمكن أحدا أن يدبر شيئا ضده ؛ ولذا قال : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [ سبأ : آية ٢٣ ].
فالحاصل أن الشفاعة يوم القيامة قسمان : قسم مقبول، وقسم مردود، ولقبوله شرطان إذا حصلا كانت الشفاعة شرعية واقعة، وإذا فقدا أو واحد منهما فالشفاعة ممنوعة شرعا. أما هذان الأصلان :
فأحدهما : أن يكون المشفوع له مسلما ؛ لأن الله ( جل وعلا ) لا يقبل شفاعة لكافر ألبتة، كما قال : فما تنفعهم شفاعة الشافعين [ المدثر : آية ٤٨ ] ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [ الأنبياء : آية ٢٨ ] مع أنه يقول : ولا يرضى لعباده الكفر [ الزمر : آية ٧ ].
الثاني : أن يأذن خالق السماوات والأرض ( جل وعلا )، فإذا أذن الله في الشفاعة، وكان المشفوع له مؤمنا. بهذين الشرطين تكون شفاعة مقبولة واقعة في الشرع، دل عليها كتاب الله وسنة نبيه.
ومما يوضح هذا المعنى : أن سيد الخلائق على الإطلاق – نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه – عنده وعد صادق من الله في دار الدنيا، كما يأتيكم في تفسير قوله : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [ الإسراء : آية ٧٩ ] عنده وعد من الله بالشفاعة الكبرى، وهو عالم أن الله لا يخلف وعده، فإذا وقع الناس في مأزق يوم القيامة، وجاؤوا إلى آدم، وقال كلامه المعروف، ثم جاؤوا إلى نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، حتى إذا بلغوا النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : " أنا لها ". لأنه عالم بالوعد الصادق من خالق السماوات والأرض، ومع علمه بالوعد، وعظم جاهه، ومكانته عند الله، لم يتجرأ أن يشفع من غير إذن ؛ بل خر ساجدا، فألهمه الله ( جل وعلا ) من المحامد ما لم يلهمه لأحد قبله ولا بعده، ولم يزل ساجدا حتى قيل له : ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع. هذا مصداق لقوله : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [ البقرة : آية ٥٥ ] الجواب : لا أحد، فالشفاعة للكفار ممنوعة بتاتا. وقد دلت السنة الصحيحة على أن الشفاعة للكفار خرج منها فرد واحد لا نظير له، وهو ما ثبت في الصحيحين : أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم نفعت أبا طالب، مع أنه مات كافرا. إلا أن هذا النفع لهذا الكافر الذي هو وحيد لم يكن له نظير، إنما كان في نقل من موضع من النار إلى موضع آخر أخف منها ؛ ولذا ثبت في الصحيحين : " لعله تنفعه شفاعتي فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، له نعلان يغلي منهما دماغه ". والعياذ بالله جل وعلا.
فهذه شفاعة خاصة نفع الله بها كافرا نفعا مخصوصا، وهو نقله من محل من النار إلى محل أخف منه من النار والعياذ بالله جل وعلا.
وهذا معنى قوله : ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع الشفيع المنفي هنا : هو الشفيع الذي يشفع لكافر، أو يشفع بغير إذن الله ( جل وعلا ). أما الذي يشفع بإذن الله للمؤمن فهذا ثابت كتابا وسنة.
وأنواع الشفاعة كثيرة، وليست مخصوصة بالأنبياء، بل يشفع الصالحون، والمؤمنون وغيرهم ممن أراد الله أن يشفعه فيمن شاء من خلقه.
قوله : لعلهم يتقون في ( لعل ) هنا وجهان بيناهما بالأمس :
أحدهما : أنها للتعليل، وعليه فالمعلل هو الإنذار المذكور في قوله : وأنذر به أي : أنذر الذين يخافون، أنذرهم لأجل أن يتقوا. أي : لأجل أن يؤثر فيهم ذلك الإنذار ويخوفهم فيتقون الله جل وعلا.
وأصل الاتقاء في لغة العرب : هو اتخاذ الوقاية التي تقيك من المكروه. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان :

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
أي : جعلت يدها وقاية بيننا وبينها، حيث جعلتها ؛ دون وجهها لئلا نراه. هذا أصل ( الاتقاء )، تقول العرب : " اتقيت السيوف بمجني "، و " اتقيت الرمضاء بنعلي ".
هذا أصل ( الاتقاء )، وهو في اصطلاح الشرع : اتخاذ العبد وقاية تقيه من عذاب الله وسخطه.
وهذه الوقاية مركبة من شيئين هما : امتثال أمر الله، واجتناب نهي الله.
ومعلوم أن مادة ( الاتقاء ) أصلها من ( وقى ) ففاء المادة واو، وعينها قاف، ولامها ياء، فهي مما يسميه الصرفيون :( اللفيف المفروق ). فأصل الاتقاء من الوقاية :( و. ق. ى ). إلا أنها دخلها ( تاء ) الافتعال، كما تقول في ( قرب ) : اقترب، وفي ( كسب ) : اكتسب، وفي ( قطع ) : اقتطع، وفي ( وقى ) : اوتقى. والقاعدة المقررة في التصريف : أن كل فعل واوي الفاء إذ دخله ( تاء ) الافتعال أبدلت الفاء التي هي الواو تاء، وأدغمت في التاء، فقيل فيه :( اتقى ). فهذا التشديد مركب من حرفين : الأول منهما أصله واو في محل فاء الكلمة. والثاني : تاء الافتعال الزائدة. هذا أصل المادة. ومعنى يتقون : يجعلون وقاية بينهم وبين عذاب الله وسخطه، هذه الوقاية هي امتثال أمره بإخلاص على الوجه الذي شرع، واجتناب نهيه ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله : لعلهم يتقون .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير