الآخرة بألوان الغضب والسّخط في جهنم. أما خير الدّنيا الذي ينعم به الكافر فمتاع قليل، وشيء تافه حقير إذا قورن بخير الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
الله الذي خلق الخلق، وزوّدهم بمفاتيح المعرفة من السّمع والبصر والعقل، قادر على أن يسلبهم إيّاها، وإذا سلبت من يستطيع تعويضهم عنها؟ لا أمل بغير الله. وإذا عذبوا فجأة أو عيانا ظاهرا بسبب كفرهم ومعاصيهم، فإن عدل الله يقتضي ألا يهلك إلا الظالمين أنفسهم بالشّرك بالله، وينجي المؤمنين الأتقياء من ذلك العذاب.
ووظائف الرّسل محصورة بالتبشير والإنذار، أي بالترغيب والترهيب، قال الحسن البصري: مبشرين بسعة الرّزق في الدّنيا والثواب في الآخرة يدلّ على ذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف ٧/ ٩٦].
والإنسان وحده هو الذي يسجّل لنفسه ما يستحق من نعمة أو نقمة، فإذا آمن بالله ربّا وأصلح عمله، حظي بالأمان والسعادة والسرور، وإذا كذّب بآيات الله المنزلة على رسله، مسّه العذاب بكفره وفسقه.
انحصار مصدر علم النّبي صلّى الله عليه وسلّم بالوحي ومهمته في الإنذار وطرد الضعفاء
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٠ الى ٥٣]
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)
الإعراب:
جملة لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ حال من ضمير يُحْشَرُوا بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم. بِالْغَداةِ إنما دخلت الألف واللام على «الغداة» لأنها نكرة عند جميع العرب. وأما غدوة فأكثر العرب يجعلها معرفة ويمنعها من الصّرف. ومنهم من يجعلها نكرة ويصرفها.
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ من الأولى للتبعيض، ومن الثانية زائدة. وشَيْءٍ:
في موضع رفع لأنه اسم ما ومثله: وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ.
فَتَطْرُدَهُمْ منصوب لأنه جواب النفي.
فَتَكُونَ جواب النّهي، وتقديره: ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، فتكون من الظالمين، وما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم.
أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَهؤُلاءِ: في موضع نصب بفعل مقدر، يفسّره:
مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا كما تقول: أزيدا مررت به، فإن الاختيار فيه النّصب لأن الاستفهام يقتضي الفعل ويطلبه، وهو أولى به من الاسم.
البلاغة:
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ في الجملتين ما يسمى ردّ الصدر على العجز.
المفردات اللغوية:
خَزائِنُ جمع خزانة وخزينة: وهي ما يخزن فيها الشيء الذي يراد حفظه ومنع التصرف
فيه. وخَزائِنُ اللَّهِ: التي منها يرزق، والمراد: ليست أرزاق العباد بيدي. الْغَيْبَ ما غاب علمه عن جميع الخلق، واستأثر الله بعلمه. الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ المراد بهما هنا الكافر والمؤمن أو الضّال والمهتدي. وَأَنْذِرْ خوّف. بِهِ أي بالقرآن. لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ غيره.
وَلِيٌّ ناصر ينصرهم. وَلا شَفِيعٌ وسيط يتشفع لهم. والمراد بقوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ... المؤمنون العاصون. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الله بإقلاعهم عما هم فيه، وعمل الطاعات.
تَطْرُدِ الطرد: الإبعاد. بِالْغَداةِ أو الغدوة كالبكرة: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وَالْعَشِيِّ آخر النهار، أو من المغرب إلى العشاء. والمراد جميع الأوقات.
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يريدون بعبادتهم وجه الله تعالى أي ذاته، لا شيئا من أعراض الدّنيا، وهم الفقراء، وكان المشركون طعنوا فيهم، وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه، وأراد النّبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك، طمعا في إسلامهم.
حِسابِهِمْ أي حساب إيمانهم وأعمالهم الباطلة.
فَتَنَّا ابتلينا واختبرنا. بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي الشريف بالوضيع، والغني بالفقير، بأن قدّمناه بالسّبق إلى الإيمان. لِيَقُولُوا أي الشّرفاء والأغنياء منكرين معترضين. مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنعم الله عليهم بنعم كثيرة، أهمها الهداية، أي لو كان ما هم عليه هدى، ما سبقونا إليه.
مِنْ بَيْنِنا أي من دوننا.
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ له، فيهديهم؟ بلى.
سبب النزول: نزول الآية (٥٢) :
وَلا تَطْرُدِ..: روى ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال:
لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا وعبد الله بن مسعود وأربعة قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اطردهم، فإنا نستحي أن نكون تبعا لك كهؤلاء، فوقع في نفس النّبي صلّى الله عليه وسلّم ما شاء الله، فأنزل الله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ إلى قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وسأذكر رواية أخرى لمسلم في الموضوع.
وروى أحمد والطبراني وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: «مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعنده خبّاب بن الأرتّ وصهيب وبلال وعمار،
فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ لو طردت هؤلاء لاتّبعناك، فأنزل الله فيهم القرآن: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلى قوله: سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ».
وأخرج ابن جرير الطبري وابن المنذر عن عكرمة قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل «١» في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا له: لو أن ابن أخيك يطرد هؤلاء الأعبد، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتّباعنا إيّاه، فكلّم أبو طالب النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلنا ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون؟ فأنزل الله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ... الآية إلى قوله:
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ- وكانوا بلالا، وعمار بن ياسر، وسالما مولى أبي حذيفة، وصالحا «٢» مولى أسيد، وابن مسعود، والمقداد بن عمرو «٣»، وواقد بن عبد الله الحنظلي وأشباههم- فأقبل عمر، فاعتذر من مقالته، فنزل: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الآية.
ويلاحظ أن هذه الرّوايات مختلفة، فبعضها ذكر نزول الآية إلى نهاية الآية [٥٣]، وبعضها أدخل الآيتين [٥٤- ٥٥]. والرّواية الأولى ذكرت ابن مسعود مع أئمة قريش، والرّواية الأخيرة ذكرته مع المطلوب طردهم.
المناسبة:
هذه الآية تتمة لما قبلها: نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ومبيّنة لحدود وظائف الرّسل بكونهم مجرّد مبشرين ومنذرين، فالله يأمر رسوله بأن يقول
(٢) وفي رواية: «وصبيحا».
(٣) وفي رواية: والمقدام بن عبد الله، وعمرو بن عمرو ذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد.
لهؤلاء الأقوام: إنما بعثت مبشرا ومنذرا، وليس لي أن أتحكّم على الله، ومأمور أن أنفي عن نفسي أمورا ثلاثة: ليس عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولست ملكا من الملائكة. والفائدة من نفي هذه الأحوال: إظهار الرّسول تواضعه لله وعبوديته له، ردّا على اعتقاد النصارى في عيسى عليه السّلام، وإظهار عجزه عن الإتيان بالمعجزات المادية القاهرة القوية، فهذا من قدرة الله اللائقة به، ويعني ذلك أنه لا يدعي الألوهية ولا الملكية.
التفسير والبيان:
كان المشركون يطلبون من النّبي صلّى الله عليه وسلّم معجزات ماديّة قاهرة، جهلا منهم بمهمّة الرّسول ورسالته، فأنزل الله: قل أيها الرّسول لهؤلاء: لست أملك خزائن الله ولا أقدر على قسمتها وتوزيعها والتّصرّف فيها، فهذا لله وحده يعطي منها لعباده ما يشاء على وفق الحكمة وضمن قيد الأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى النتائج والمسببات.
ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، فذاك لله عزّ وجلّ، ولا أطّلع منه إلا ما أطلعني عليه، كما قال: عالِمُ الْغَيْبِ، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن ٧٢/ ٢٦- ٢٧].
ولا أدّعي أني ملك من الملائكة، إنما أنا بشر من البشر، يوحى إليّ من الله عزّ وجلّ، فلا أستطيع أن آتي بما لا يقدر عليه البشر.
والمعنى في هذه الأمور الثلاثة: أني لست أدّعي الألوهية، ولا علم الغيب، ولا الملكيّة، حتى تطلبوا مني ما ليس في طاقتي وقدرتي، إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ القرآن وبيانه، ولست في هذا مبتدعا، إنما سبقني إلى الرّسالة رسل كثيرون قبلي.
ووظيفة الرّسول: اتّباع الوحي، وهذا معنى قوله تعالى: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.
ثم وبّخهم الله على ضلالهم مبيّنا لهم أنه لا يستوي الضّال والمهتدي فقال:
قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي قل للمشركين المكذبين: هل يستوي من اتّبع الحق وهدي إليه، ومن ضلّ عنه وحاد عن الحقّ.
أفلا تتفكرون فتميّزوا بين ضلال الشّرك وهداية الإسلام، وتعقلوا ما في القرآن من أدلّة توحيد الله وإيجاب اتّباع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وهذا مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [الرعد ١٣/ ١٩].
وخلاصة ما سبق: إثبات قدرة الله المطلقة التي تنفي وجود مثلها لأحد، مما يدلّ على وجود الله ووحدانيته، وإثبات كون القرآن والمعجزات المؤيدة لصدق النّبي صلّى الله عليه وسلّم: هي من الله وحده لأنه لا يستطيع الرّسول التّصرف في شيء خارج الحالات المعتادة، ولا الإتيان بشيء مثل القرآن أو تنزيل الآيات الغريبة، وإجراء المعجزات الخارقة للعادة.
هذه حقيقة الرّسالة، ثم أمر الله نبيّه بإنذار المؤمنين سوء الحساب والجزاء فقال: وَأَنْذِرْ بِهِ.. أي وأنذر يا محمد بالوحي أو بالقرآن الذين يؤمنون بالله ويخافون من الحشر وأهواله وشدّة الحساب يوم القيامة، وما يتبع ذلك من الجزاء على الأعمال، عند لقاء الله، ويعتقدون بأنه ليس لهم فيه وليّ ولا شفيع ولا حميم ولا نصير: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار ٨٢/ ١٩]، لعلهم يتقون أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله عزّ وجلّ، قال ابن عبّاس: معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدّنيا، وينتهوا عن الكفر والمعاصي.
فهؤلاء المؤمنون بالله وبالغيب وباليوم الآخر هم الذين ينتفعون بالقرآن.
أما المادّيون الذين لا يؤمنون بغير المادّة، فقد حجبوا عن أنفسهم نور الهداية الإلهية، فطبع الله على قلوبهم وأصمّهم وأعمى أبصارهم. وهذا مثل قوله تعالى:
إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ، وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر ٣٥/ ١٨].
ثم منع الله نبيّه من تقريب كفار قريش وأشرافهم المترفين، ومن تنحية المؤمنين المستضعفين وطرد الضّعفاء من الناس، فقال: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ...
أي لا تبعد عنك هؤلاء المتّصفين بهذه الصفات، بل اجعلهم جلساءك وخلصاءك، وصفاتهم أنهم مؤمنون حقّ الإيمان، موحّدون ربّهم دون شائبة شرك، يدعون ربّهم بالغداة والعشي أي في الصّباح والمساء وجميع الأوقات، يخلصون في طاعتهم وعبادتهم، فلا يقصدون إلا إرضاء الله تعالى، ولا يريدون من عبادتهم إلا ذات الله وحقيقته لأنه المستحق للعبادة. ونظير الآية قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ، تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا، وَاتَّبَعَ هَواهُ، وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف ١٨/ ٢٨].
وموقف هؤلاء المشركين له شبيه بموقف قوم نوح حين قال أشرافهم له:
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [هود ١١/ ٢٧]، وقوله لهم: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ [هود ١١/ ٢٩].
ثم حصر الله تعالى حساب هؤلاء بربّهم، كما قال تعالى: إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي [الشعراء ٢٦/ ١١٣]، وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال تعالى: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ بعد أن شهد الله لهم بالإخلاص
وبإرادة وجه الله في أعمالهم. وإن كان الأمر كما يقولون عند الله، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرض بأن كانوا غير مخلصين، فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعدّاهم إليك، كما أن حسابك عليك، لا يتعدّاك إليهم «١»، كما قال تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطور ٥٢/ ٢١]، وقال: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدّثر ٧٤/ ٣٨]، وقال: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام ٦/ ١٦٤، الإسراء ١٧/ ١٥، فاطر ٣٥/ ١٨، الزمر ٣٩/ ٧].
والجملتان وهما ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ بمنزلة جملة واحدة، ومؤدّاهما واحد، ولا بدّ منهما جميعا، كأنه قيل:
لا تؤاخذ أنت، ولا هم بحساب صاحبه.
فلماذا تطردهم؟ لأن الطّرد جزاء، والجزاء بعد الحساب والمحاكمة، والحساب على الله، وما عليك إلا البلاغ: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية ٨٨/ ٢١- ٢٢].
فإن طردتهم والحالة هذه، فتكون بطردهم من زمرة الظالمين أنفسهم، لأن الطّرد- كما ذكرت- لا يكون إلا بذنب، والحساب على الذّنب إلى الله، لا إليك.
والخلاصة: ذكر الله غير المتقين من المسلمين، وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر المتقين منهم، وأمر الله نبيّه بتقريبهم وإكرامهم، وألا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك.
ثم أوضح الله تعالى أن مقال المشركين في شأن الضعفاء ابتلاء من الله واختبار فقال: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي ابتلينا واختبرنا وامتحنّا بعضهم ببعض، لتكون العاقبة أن يقول الأقوياء من الكفار في حقّ الضعفاء من المؤمنين: أهؤلاء الصّعاليك من العبيد والموالي والفقراء خصّهم الله بهذه النّعمة
العظمى من جملتنا؟ كقوله تعالى: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا [القمر ٥٤/ ٢٥]، وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الأحقاف ٤٦/ ١١]. والمعنى: أنهم لما اختبروا بهذا، فآل عاقبته إلى أن قالوا هذا على سبيل الإنكار، وصار مثل قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص ٢٨/ ٨].
وبعبارة أخرى: إن المشركين كانوا يقولون للمسلمين: أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أي أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحق، ولما يسعدهم عنده من دوننا، ونحن المقدّمون والرؤساء، وهم العبيد والفقراء؟! إنكارا لأن يكون أمثالهم على الحقّ، ممنوعا عليهم من بينهم بالخير. وافتتانهم هو سبب هذا القول لأنه لا يقول مثل هذا القول إلا مخذول مفتون.
ثم ردّ الله عليهم قولهم الناشئ عن العتو والاستكبار، فقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ؟ أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر، فيوفقه للإيمان وبمن يصمم على كفره، فيخذله ويمنعه التوفيق.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي من الأحكام الاعتقادية المهمة جدّا وهي:
١- إن الرّسول ليس عنده خزائن الله، ولا يملك التّصرّف في الكون، فلا يستطيع إنزال ما اقترحوه من الآيات.
٢- إنه لا يعلم الغيب مثل بقية البشر.
٣- إنه ليس بملك يشاهد من أمور الله ما لا يشهده البشر. واستدلّ بهذا القائلون بأن الملائكة أفضل من الأنبياء، كما استدلوا بقوله تعالى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء ٢١/ ٢٦- ٢٧].
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم ٦٦/ ٦].
وأما القائلون بتفضيل بني آدم على الملائكة فاستدلّوا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البيّنة ٩٨/ ٧] بالهمز:
من برأ الله الخلق،
وبقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما أخرجه أبو داود: «وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم»
وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل «١».
٤- إنه لا يملك حساب المؤمنين ولا جزاءهم.
٥- لا يعمل إلا بالوحي، أي لا يقطع أمرا إلا إذا كان فيه وحي. وبهذا تمسّك القائلون بأنه لم يكن للنّبي صلّى الله عليه وسلّم الاجتهاد، بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي، ويتأكد هذا بقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النّجم ٥٣/ ٣- ٤]، وقال نفاة القياس: وإذا كان لا يعمل إلا بالوحي، فوجب ألا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النّازل عليه.
والصحيح لدى الأصوليين أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد، والقياس على المنصوص، والقياس أحد أدلّة الشرع. والأدلّة السابقة مخصوصة بالقرآن، للرّدّ على من زعم أنّ محمدا صلّى الله عليه وسلّم يفتري القرآن من عند نفسه، ولإثبات كون القرآن منزلا عليه بالوحي الإلهي.
٦- مهمّة الرّسول كغيره من الرّسل الموصوفين بكونهم مبشرين ومنذرين:
هي الإنذار لقوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا.
٧- الرّسول بحكم كونه بشرا مال فترة بحسب اجتهاده إلى إبعاد الفقراء والعبيد من مجلسه، طمعا في إسلام الزعماء والقادة، وإسلام قومهم، ورأى أن
ذلك لا يفوّت أصحابه شيئا، ولا ينقص لهم قدر، فمال إليه، فأنزل الله الآية:
وَلا تَطْرُدِ.. فنهاه عما همّ به من الطّرد، لا أنه أوقع الطّرد. وقد روينا في سبب النزول قصّتهم، ويحسن ذكر رواية أخرى هي
ما رواه مسلم في صحيحة عن سعد بن أبي وقاص قال: كنّا مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم ستّة نفر، فقال المشركون للنّبي صلّى الله عليه وسلّم: اطرد هؤلاء عنك، لا يجترءون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسمّيهما، فوقع في نفس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.
وهذا دليل آخر على كون القرآن من عند الله تعالى، إذا يستحيل عقلا أن يهمّ النّبيّ بشيء، ثم ينهى نفسه عنه، لو لم يكن النّهي عن الفعل من عند ربّه.
٨- في قوله تعالى: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ إشارة إلى تبدل ميزان القوى ومراكز الناس فإن حالات التّفوّق والنّعم لن تدوم للكفار، وأحوال الضعف التي مرّ بها المؤمنون وصبروا عليها لا بدّ أن تتبدّل، وسيصبح الأقوياء أذلّة، والضّعفاء أعزّة بالإسلام، ويعلو الحقّ، وتتأيّد دولة الله في الأرض، ويصبح أتباعها هم الأئمة الوارثين، قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ، إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم ١٤/ ٧]، وقال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص ٢٨/ ٥].
٩- وفي الآية: وَكَذلِكَ فَتَنَّا أيضا إيماء إلى أنّ ترك المشركين للإيمان لم يكن إلا عنادا وجحودا ناشئا عن الاستعلاء والاستكبار، لا عن حجّة وبرهان. وفيها كذلك أن كلّا من فريقي المؤمنين والكافرين مبتلى بصاحبه، فالكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على سبقهم في الإسلام
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي