وعندما يطلب الحق منا أن التفكر والتذكر والتدبر إنما يوقظ فينا المقاييس الحقيقية التي نصل بها إلى المطلوب الذي يريده الله. ولذلك يقول الحق :
وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ( ٥١ ) .
أي اذر بالوحي – الذي تتبعه- هؤلاء الذين يخشون يوم اللقاء مع الله. والإنذار – كما نعلم – هو إعلام بشيء مخيف قبل وقوعه لنتفادى أن يقع. وما المراد بهؤلاء الذين يطلب الحق من رسوله إنذارهم بالوحي ؟ في أول الإسلام كان إقبال بعض المؤمنين على العمل الإيماني ضعيفا، ومادام في قلوبهم إيمان، ويخشون لقاء الله فالوحي إنذار لهم بضرورة العمل الإيماني الجاد. كما يجوز أن يكون الإنذار بالوحي لأهل الكتاب ؛ لأنهم يعرفون أن هناك يوما آخر سيلقون فيه الله. وقد يكون الإنذار لإنسان يؤمن بالبعث ولكنه يشك في الأنبياء وشفاعتهم، فهذا الصنف قد يحمله التخويف والإنذار إلى أن يعيد النظر في قضية الإيمان ويتقبل النبأ الصادق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولنا أن نأخذ الإنذار بالوحي على أي وجه من الوجوه السابقة. ولكن هل يخاف المؤمن أن يحشر إلى الله ؟ لا. إن المؤمن إنما يخاف أن يحشر مجردا من الولي والناصر. إذ في الحقيقة ليس هناك أحد يحمي وينصر من الله، ولا شفيع يخلص من عذاب الله إلا بإذنه من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وهذا ما يعتقده المؤمنون.
وقد حدد الحق ذلك في قوله :
ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ( من الآية ٥١ سورة الأنعام )
إنهم هم المؤمنون الذين آمنوا بالله، وبرسوله ولكنهم قصروا في بعض المطلوبات والتكاليف التي ينطوي عليها قوله الحق : فمن آمن وأصلح . هؤلاء المؤمنون عندما يجيئهم الإنذار فهم قد يصلحون من أمورهم خوفا من الحشر بدون ولي ولا شفيع. المؤمن – إذن – له أمل أن يكون يوم الحشر في ولاية الله ورحمته، وهؤلاء هم من قال عنهم الحق :
وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ( ١٠٢ ) ( سورة التوبة ).
إن كانت الآية الكريمة تتناول وتشمل غيرهم من أهل الكتاب وتشمل وتضم أيضا الذين يؤمنون بالبعث ولكنهم لم يتبعوا أنبياء :
تفسير الشعراوي
الشعراوي